15 ديسمبر 2017

من فضلك اختار القائمة العلويه من القوائم داخل لوحة التحكم

المدخل إلى فهم أسباب الخلاف بين أردوغان وكولن (1)

المدخل إلى فهم أسباب الخلاف بين أردوغان وكولن (1)

بقلم: محمد عبيد الله

برلين (زمان التركية) – كما أن “البشر” يخضعون لمراحل الولادة والنمو والشيخوخة والموت، كذلك “الأمم” المتكوّنة منهم تخضع أيضاً لتلك المراحل، وفق قوانينَ وسننٍ معيّنة.  

والقوانين المنظِّمة للمراحل المذكورة تنسحب على “التصوّرات” التي يتبنّاها الأفراد والأمم، وكذلك على “المفاهيم”، بل حتى “الكلمات” التي يختارونها للتعبير عن أنفسهم وصياغةِ أفكارهم. وكما أن الأفراد والأمم إذا فقدوا أسباب حياتهم ومقوّماتِ بقائهم يصبحون مجرّد “جثة هامدة”، كذلك الكلمات والمفاهيم إذا عجزت عن القيام بوظيفتها في “حمل المعاني” و”التعبير عن الأفكار”، فإنها تتحوّل إلى جسد بلا روح، على الرغم من وجودها الظاهري.

بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك نوعاً آخر من القوانين والسنن تنظّم “العلاقات المتبادلة” بين الأفراد والأمم والحضارات المختلفة، وكذلك الحال بالنسبة للعلاقات بين المفاهيم والتصوّرات المختلفة. ومن الأمثلة التي يمكن أن نوردها في هذا السياق، اندثارُ وزوالُ الأمم التي سئمت من “القديم” ولم تتكيَّف مع “الجديد”، ففشلت في تجديد عالمها الفكري ونماذجها المفاهيمية الموروثة من الآباء والأجداد وفق المعطيات التي يفرزها العصر، وأصبحت إمَّعة تجري خلف الدول المتغلبة، تحاكيها في كل صغيرة وكبيرة، بعد أن أصابها الشعور باليأس والهزيمة. ومثلما أن الأفكار القديمة إذا ما تمّ تبنّيها دون إخضاعها لعملية التجديد، فإن حياتها لن تستمر طويلاً، بل ستكون قمامةُ التاريخ مصيرَها المحتوم عاجلاً كان أم آجلاً، كما يقول المفكّر الجزائري مالك بن نبي. وقد تطرّق القرآن الكريم إلى هذه القوانين التي يطلق عليها “سنّة الله”، والتي تنظّم سير أحداث التاريخ من حيث ازدهار الأمم وانحطاطها، وتناوَلَها من زوايا مختلفة وبأساليبَ متنوّعةٍ، خاصةً في مسرد قصص الأنبياء والأمم الغابرة.

تغيّر المعادلة بين العالمين الإسلامي والغربي

وعلى ضوء ما سبق، فإن العالم الغربي كان يختنق تحت أجواء “العصور الوسطى المظلمة” إذْ كان مفعولاً خاملاً ساكناً متوقّفاً منكفئاً على ذاته منغلقاً على العالم الخارجي؛ بيد أن العالم الإسلامي كان يعيش “عصوره الذهبية” وينطلق بأجنحة نورانية نحو الآفاق الفسيحة في كل المجالات، حين كان فاعلاً ناشطاً متحرّكاً مهاجراً غيرَ مثّاقلٍ إلى الأرض، وذلك بفضل المنظومة الفكرية الإسلامية التي تحتوي عناصر ذاتية تمكّن الناهضين بموجبها من الغوص في أغوار أنفسهم وأعماقها، بقدر تمكينها من الانفتاح على العالم الخارجي بحيث تؤكّد أن العلم والتكنولوجيا و“الكلمة الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها”.

ولكن بما أن الله عزّ وجلّ يداول أيام النصر والهزيمة بين الناس وفق تصرّفاتهم الإيجابية أو السلبية، وهذا قانون وسنة إلهية، (تلك الأيام نداولها بين الناس)، فجاء حينٌ من الدهر، ودار الزمن، وتغيّرت صبغة الأرض ومجريات الأحداث فيها. فقد بدأ العالم الغربي يفتح عيونه على العالم الخارجي عبر علاقاته التجارية والحروب الصليبية والرحلات العلمية وما سماه “الاكتشافات الجغرافية” وغيرها، وأخذ يستنهض من رقدته ويفضّ عن نفسه خمول العصور وسكونها، حتى أصبح فاعلاً ناشطاً ولاعباً أساسياً يوجّه مسار الأمور في العالم ويحدّد مصيرها. هناك عديدٌ من العوامل لعبت دوراً في تغيّر هذه المعادلة بين العالمين الإسلامي والغربي، منها: إن العالم الغربي (المسيحي) راكَمَ كل الهزائم المتتالية التي أذاقها إياهم المسلمون أثناء تصدّيهم للهجمات والحروب الصليبية، وجعلها بعضها فوق بعض، وكوَّن منها كومة بضخامة الجبال من الحقد والكراهية، وتحسّس جميع مَواطن الضعف والقوة لدى المسلمين، فطوّر انطلاقاً من ذلك طرائقَ وأساليبَ جديدةً في الحرب على شتى أنواعها متلائمة مع ما وصل إليه العلوم والتكنولوجيا. أما العالم الإسلامي، فبعد أن توقّف عنده الإنتاج الفكري والحضاري بات لا يستطيع حتى الحفاظ على المكتسبات التي أتى بها الإسلام، ولم يَعُد يتماشى مع المعطيات الجديدة التي أفرزها علوم وتكنولوجيا القرن المعاش. وبينما كان يتنقَّل في جميع أرجاء المعمورة بموجب مبادئ “الهجرة” و”الجهاد” و”التبليغ”، غدا يرتكن إلى انتصاراته القديمة، وينكفئ على ذاته، إذ دفعته تلك الانتصارات إلى الراحة والدعة، ثم جاء دهرٌ من الزمن فَدَارَ رأسه، وتعكّر صفو نظرته، إلى أن تعرَّض قصرُ الإسلامِ المنيفُ في جسد الدولة العثمانية لدمارٍ شامل.

أجل، هبّت عاصفة عاتية حطّمت كلّ شيء، فقسّمت عامة البلدان، وبدّدت جميع الطوائف والأمم، وشرّدت أفرادها إلى أماكن قاصية من العالم، حتى بات الأسياد عبيداً والعبيد أسياداً، وانقلبت القمم حفراً والحفر قمماً.

لكن في الوقت ذاته أدت هذه العاصفة إلى نوعٍ من التلقيح مثل الرياح اللواقح على مستويات الفكر والمجتمع والحضارة في تركيا وغيرها، فظهرت حركات النهضة والبناء بعد ذلك الدمار الشامل. فتوجّه البعض إلى العالم الغربي وتمسك بالأفكار التي يمثلها، بدافع سيكولوجية الهزيمة، النابعة إما من غياب الثقة الذاتية أو الإعجاب بالعدو المنتصر؛ فيما اتجه البعض الآخر إلى العالم العربي باعتباره الأراضي التي تولد في أحضانها الإسلام ونشأ وترعرع وتجسد فيها. وبطبيعة الحال فإنه من الصعوبة بمكان الحفاظ على التوازن والاعتدال في مثل هذه الأجواء العاصفية. ولا شكّ في أنه أصبح لهذين الاتجاهين، الذين بادرا إلى التفاعل أو التلاقح مع هذين العالمين والأفكار التي يمثلانها، عديدٌ من التطرفات والمغالات في مجالات مختلفة.

نعم، فعقب سقوط الدولة العثمانية، شهدت تركيا (والبلدان الإسلامية بشكل عام) هجرةً من نوعٍ آخر. كان يلوح في الأفق طريقان، أحدهما يؤدي إلى الغرب والآخر إلى الشرق، غير أن أياً من ذينك الاتجاهين لم يفكّر بتاتاً في القيام برحلة ذاتية نحو عالمه الداخلي. فالهجرة نحو العالم الخارجي قبل إكمال الهجرة إلى العالم الداخلي عبارة عن رحلة آفاقية بعيدة عن العمق لن يتمخض عنها إلا الضياع في التيه أو السطحية والنمطية في كل شيء، مهما كان اتساعها ومدتها.

نعم، انطلقت الهجرة.. هجرة الأبدان والعقول نحو الشرق والغرب.. لقد تحققت هذه الهجرة عبر وسيلتين اثنتين؛ إما  من خلال الطلبة أو الأكاديميين الموفدين إلى الشرق والغرب مباشرة أو من خلال عملية الترجمة من هذين العالمين.

أبرز خصائص التيارات المتأثرة بالعالمين الغربي والإسلامي

وإن استثنينا “الجيل الضائع”، أي الذين تاهوا في الدهاليز المظلمة لهذين العالمين بعد غرقهم في السفاهة والضلالة، فبإمكاننا أن نلخّص الخصائص المشتركة لهذين الاتجاهين والتيارات التابعة لهما في تركيا خاصة والبلدان الإسلامية عامة كما يلي:

  1. معظم هذه التيارات، سواء كانت علمانية أو إسلامية، ثمرة لعملية بحثٍ انطلقت من نوايا حسنة في الأساس. ومن هذه الزاوية فهي جهود مشكورة عليها.
  2. لكنها تيارات ظهرت كردّ فعل، لذلك بعيدة عن المقومات والدوافع الذاتية الإيجابية السليمة المتزنة.
  3. ما قامت به هذه التيارات ليس الهجرةَ، بل هروبٌ من النفس أو كينونتها الذاتية؛ نظراً لأنها تبحث الحلّ في الخارج، إما في العالم الغربي أو العربي.
  4. تبنّت الأفكار المهمَلة بدلاً من أصول التفكير المنهجي عندهما، وأعجبت بالقالب بدلاً من الروح، وبالشكل بدلاً من المضمون، وباللفظ بدلاً من المعنى.
  5. أغلبها توجّهت لتغيير الشعب بأداة السياسة والسلطة.. أي سعت إلى إخضاعه لـ”العصرنة العلمانية” أو “الأسلمة الأيديولوجية”.
  6. مناهجُ معظمِها تميزت بالعنف والقمع والتحجر الفكري (الدوغمائية) وادعاء احتكار الحقيقة.
  7. رفضت هذه التيارات الثقافة المحلية الوطنية وتغاضت عن الاستمرارية الثقافية.. أي قطعت صلتها بالماضي والجذور التاريخية تماماً، فعملت نماذجها المقدَّمة للشعوب في الفراغ دون أن تلامس الواقع.

صحيح أنه لا يمكن تشميل هذه الصفات والخصائص جميع مَنْ هاجروا إلى العالمين الشرقي الإسلامي والغربي المسيحي، لكن المشهد العام لوضع هذه التيارات كان كما صوّرنا للأسف.

هذه التيارات لم تنشأ في ظروف عادية وبيئة صحية، بل سقطت في دوامات حصلت من انسحاب الدولة العثمانية من ساحة الوجود أو تقاذفت من هنا إلى هناك دون وعي وإعمال فكر بفعل رياح عاتية جاءت من شرق العالم أو غربه. وفي مثل هذه الظروف، يصعب على الناس أن يتصرفوا انطلاقاً من أنماطهم السلوكية العادية بحرية وعفوية دون أن يبقوا تحت ضغوط مادية أو معنوية. لذلك فهم لم يكونوا أمام الأحداث والأفكار سوى “أداة مفعولة”، أي لم يستطيعوا أن يتجاوزوا “موقف المتلقي” إلى “موقف المعطي” لإنتاج التركيبة المطلوبة، بسبب غياب قابلية التفاعل والتعاطي معها. وبطبيعة الحال، من السذاجة بمكان التوقع بأن تحقِّق مثل هذه العلاقة الأحادية غير الصحية مضمون القول الحيكم: “تنكشف الحقائق من تلاحق الأفكار وتلاقيها”. إنهم غرقوا وأذابوا أنفسهم في سطحيات الأفكار المستورَدة بعد أن عجزوا عن الغوص في أعماق التركيبة الحضارية التي نسجها كل من المنظومة الفكرية الإسلامية وتراثنا الثقافي على مدى القرون الخالية. فهم أخذوا وقبلوا كل ما قُدِّم لهم دون مساءلة، ذلك أنه لم يكن لديهم أي آلية أو “معيار” لكي يزنِوا ثقل الأفكار التي قدمها العالمان الغربي والإسلامي، ويمحّصوا بين جيدها وسيئها، وبين صالحها وطالحها، ويتحققوا من ملاءمتها لنسيجنا الديني والوطني من عدمها.

الغزو الفكري والثقافي الغربي

كان الغرب أعدّ وتجهز جيداً للغزو الفكري والثقافي بعد أن خرج ظافراً من الحرب. فمن كان من أهل الدنيا ممّن قدِموا من الشرق، وبدأوا يتجولون في سفوح الغرب كان “الاستشراقُ” يسوِّق لهم “العقلانية والعلمانية الصارمة على النهج الفرنسي”؛ أما من كان لديهم اتجاهات إسلامية فكان يسوّق لهم “الفكر الاعتزالي والإصلاحي (العقلانية الإسلامية)”، بمعنى أنه سعى لتحويل عقولهم إلى آلة لا يمكن استعمالها واستثمارها أو حاول إفسادها تمامًا إن استطاع. فقد وجّههم الاستشراق لتطبيق المناهج التي كان يستخدمها في دراسة “الكتاب المقدس” على الدراسات الإسلامية.

لذلك رأينا أن أنصار “العقلانية والإصلاح” من المسلمين المحتكّين بالغرب من خلال الدراسة فيه أو التأثر بالكتب المترجمة أسرفوا في استخدام منهج “التأويل الاعتزالي” وميّعوا معناه الذي يتجسد في “الانصراف من المعاني الظاهرية للنصوص الدينية إلى معاني أخرى تسمى مجازًا أو كناية لدليل يقتضيها” بحيث كانت المعاني تغادر قوالب الألفاظ وتنساب كمادة سائلة لا تعرف أين ستتوقف!

 النماذج التي فصّلها الغرب على الشرق كانت ثلاثة:

إما النموذج الذي يرى أن الإسلام مانع لرقيّ الإنسان المادي، ويؤمن بالعلمانية الغربية (الفرنسية الصارمة) ويضع العلم موضع الدين؛

أو الذي يتبنى الفكرة الاعتزالية القائلة بأن “النصّ ثابت والتأويل حر”؛

أو الذي غرق في المتعة والفجور وبات جاهلًا وغافلًا مجردًا من الوعي قابلًا للاستعمار.

كما أن العالم الغربي عمل على رسم الخريطة الذهنية للمسلمين المشتتين فكريًا وعمليًا، كذلك سعى لرسم حدود الدول القومية التي ظهرت عقب سقوط الدولة العثمانية. وفي إطار الرد والتصدي لمحاولة الغرب لرسم الخريطتين الذهنية والجغرافية للمسلمين ظهرت عديد من الحركات الفكرية والمشاريع العملية. غير أن الغرب إما توجه للقضاء على هذه الحركات والمشاريع تمامًا أو وضع عراقيل أمام تحقيق أهدافها أو سعى لتوظيفها في تحقيق أهدافه، والأهم من ذلك هذه الحركات ذاتها خرجت عن مسارها الصحيح لأسباب مختلفة. فحركات الانبعاث والتنوير التي أطلقها حسن البنا في مصر، وأبو الأعلى المودودي في باكستان والهند، وعلي شريعتي في إيران، ومن كان على شاكلتهم في أنحاء مختلفة من العالم الإسلامي، إذا أردنا تقييمها في إطار ظروفها الزمانية والمكانية الخاصة ومقاصدها العليا، فإنها  جهود مشكورة ومحمودة من حيث أصلها ومنشئها ومقصدها الأساسي ومن حيث إسهامها في استنهاض الوعي الإسلامي في تركيا وأمثالها من البلدان الإسلامية.

غير أن بعضًا من تلك الحركات شهدت انحرافًا عن مقصدها الأصيل، وابتعادًا عن خطّها المعتدل، وانفصالات من جسمها العام، وانحرافًا فكريًّا وسلوكيًّا بحيث سوّغ لنفسه كل الطرق والوسائل في سبيل تحقيق أهدافه، متناسيًا قاعدة: “لا يمكن الوصول إلى الحق بطرق باطلة”. كما بادرت القوى الكبرى وبؤر الشر في الشرق والغرب إثارة جوانب الإفراط والتفريط (المغالاة والتطرف) لدى هذه الحركات المنفصلة والمنتسبين إليها للاستفادة من مواطن الضعف لديهم، حتى شكلت تنظيمات مختلفة “مغلفة بالإسلام”. والوصف الأبرز لهذه الحركات المنفصلة والمنحرفة هي الخارجية أو “الظاهرية الصارمة”، أي التمسك الأعمى بالمعاني الحرفية للنصوص.

ولا شكّ في أن المناخ الذي عاش فيه العلماء المذكورون، والظروف التي ناضلوا في ظلها، والكتلة الصديقة التي خاطبوها، والجبهة المعادية التي واجهوها، كانت مختلفة جدًا من حيث العرق والدين والبنية التحتية الثقافية. لذلك كان من الواجب على الحركات الإسلامية في تركيا (ونظيراتها في البلدان الإسلامية)، الأخذُ بنظر الاعتبار الطابعَ الفسيفسائي للأعراق والأديان في كل من باكستان والهند، وأرضيةَ مكافحة الأعداء الداخليين والخارجيين، والمنهج المتبع كذلك في مصر، واختلاف هويات وثقافات العناصر المشكّلة للمجتمع المصري، والخصوصية المذهبية لإيران. وفي هذا الإطار أكتفي بالإشارة فقط إلى الانتقادات الموضوعية التي وجه إلى سيد قطب بعضُ المثقفين والمفكرين العرب من أمثال د. التيجانى عبد القادر حامد ود. لؤي صافي وجودت سعيد وغيرهم في نقله فكر أبي الأعلى المودودي إلى مصر دون مراعاة الظروف الخاصة لباكستان والهند، حيث أتت عباراته المتعلقة بالتوحيد والشرك صارمة حاسمة، نظرًا لأنه كان يخاطب مجتمعًا انتشرت فيه الوثنية بكل أشكالها البدائية والحديثة.

تصارع الاتجاهات العلمانية و الإسلامية

في الحقيقة أن كلاً من العقلانية والعلمانية كان خيارًا، بل مطلبًا ضروريًا للخروج من أزمة الصراع أو الثنائية السائدة بين الدين والعلم في الغرب، التي نشأت من الفكرة  السيكولاتية، أو بعبارة أخرى، بسبب التجانب والتنافر بين التطورات العلمية ومعتقدات المسيحية “المحرفة”. كذلك الأفكار والمشاريع التي طرحتها حركات الانبعاث المذكورة في الشرق الإسلامي كانت صحيحة في جملتها وجوهرها، ومطلوبة من حيث أصلها ومنطلقها ضمن ملابساتها المحلية وظروفها الزمانية والمكانية. وكان المطلوب من الشعوب الإسلامية المختلفة هو الإقدام على أخذ هذه الأفكار بعد صوْغها صوغًا جديدًا يلائم نسيجها المحلي وأوضاعها الخاصة، وتركُ جوانبها غير الملائمة.

لكن لم يحدث هذا، بل أخذت هذه الأفكار، العلمانية والإسلامية على حد سواء، سبيلها نحو تركيا، (والبلدان الإسلامية)، خاصة تلك التي لا تنطق بالعربية، في صورٍ وأشكالٍ مختلفة دون الخضوع لعملية الغربلة أو التنقية والتعديل والتجديد المذكورة بحيث مهدت لمناخ تتصارع فيه مئاتٌ من الاتجاهات العلمانية أو الإسلامية.

وفي السياق التركي، (وهو ينطبق على البلدان الإسلامية الأخرى بنسبة كبيرة أيضًا)، لم يستسغ الاتجاهُ العقلاني العلماني، الذي تعود براءة اختراعه إلى الغرب، أيَّ ظهورٍ من مظاهر الدين، كما أقدمت على محو الماضي تمامًا، واتخذ تاريخ إعلان الجمهورية بدءًا لتاريخ تركيا. وكذلك بادر الاتجاهُ الاعتزالي الإصلاحي الإسلامي المتأثر بالغرب أيضًا إلى تنحية وإقصاء التراث التقليدي والثقافة الإسلامية التي تشكّلت طيلة التاريخ، ومضى يفسر النصوص الدينية التي تبدو للوهلة الأولى أو للعقل القاصر وكأنها لا تتناغم مع معطيات العصر، دون الالتزام بأي ضابط من ضوابط أصول الفقه، أو ينكرها كليًّا بدعوى أنها تخالف معايير العقل باسم المرونة والمعاصرة والحداثة. أما الاتجاه السلفي الظاهري الخارجي الذي أفرزه الشرق الإسلامي، فباسم العودة إلى المصادر الأصلية، القرآن والسنة، بادر إلى التخلّي عن التراكم العلمي والمعرفي والمذهبي الإسلامي الممتدّ لأربعة عشر قرنًا من الزمن، والتوقفِ عند المعاني الحرفية للنصوص الدينية، دون فسح المجال لأي تفسير أو تأويل آخر. ومن اللافت أن كفاح هذا التيار الأخير انصبّ على الداخل أو “البيت الإسلامي” أكثر من الخارج أو أعداء الإسلام، حيث كان يتخذ من المسلمين خاصة أعداء لنفسه ويهاجمهم بسبب انحرافهم عن المنهج القرآني النبوي، على حد زعمه.

ولعل ادعاء “احتكار الحقيقة” و”التمسّك بالوضع الراهن” الرافض لأي تغيير أو تفسير جديد، أو بعبارة أخرى “الدوغمائية” و”الجمود الفكري” هو القاسم المشترك البارز الذي يلتقي فيه كل من الاتجاه السلفي الظاهري الخارجي الصارم والاتجاه العقلاني العلماني الحاسم.   

تربية الشعب !

كانت لهذه الاتجاهات الثلاثة برنامج سياسي وثقافي في تغيير المجتمع وتحويله، وهو إما “تحديث المجتمع” أو “أسلمته” عبر قوة السلطة السياسية؛ وكان شعارها إما “العلم والحضارة” أو “الإيمان والقرآن”. وكان أنصار هذه الاتجاهات نصبوا  العداء لمجتمعاتهم المسكينة التي يعيشون فيها؛ وذلك إما لأنها لا تسير مع تيار العصر، ولا تريد اللحاق بركب الحضارة؛ أو لأنها لا تأخذ الدين على شاكلة فهمهم له، وغافلةٌ عن القضايا الإسلامية، مع أن أفراد هذه المجتمعات كانوا تلقوا الدين وما يتعلق به إما عن أعدائهم الألداء أو الأشخاص غير الأكفاء مثلهم.

كانت هذه الاتجاهات الثلاثة وما يتفرع عنها من الاتجاهات الأخرى تنظر إلى الشعب بنظرة متعالية، وتراه في جهل مطبق، بل تصفه إما بـ”الرجعية” أو “الجاهلية”، وتزعم افتقاره إلى النضوج والرشد اللازمين للتفريق بين الصواب والخطأ والجيد والرديئ، بحيث كان في حاجة ماسة – بحسب زعمها – إما إلى الإمساك من يده وتوجيهه أو سوقه بمطرقة السياسة وسندان القانون. وتقول بضرورة بدء التغيير والتحويل من الأعلى بدلاً من القاعدة إلى القمة، وتبرر استخدام القوة والعنف لتربية الشعب وإعادة تصميمه وفق أهواءها. وإن استثنينا السذج من الصادقين وأصحاب النوايا الحسنة من هذه الاتجاهات، فإنه ليس من الغريب أن تنحدر معظم التنظيمات المتطرفة والمسلحة من هذه الاتجاهات الفكرية، ذلك أن العقلية التي تقود جميعها واحدة.

إعادة قراءة العالمين الإسلامي والغربي

استمرت الأوضاع على هذا المنوال سنين وسنين.. ثم جاءت الأيام التي بدت فيها وكأن العواصف قد هدئت، وعادت المياه إلى مجراها الطبيعي، فبدأ يتبين الحقّ من الباطل، والرشد من الغيّ، وترسو الأفكار المتلاقحة بفضل العاصفة سالفة الذكر في أرضية بدت رصينة في الوهلة الأولى. حيث أقبلت هذه الاتجاهات الثلاثة على محاسبة نفسها ومراجعتها وإعادة النظر في جدول صوابها وخطئها، فجددت أنفسها وأفكارها لتخرج من بطنها أخيرًا اتجاهاتٌ ومذاهبُ فكرية تسير على “خطّ الصلح والاعتدال”، بمعنى في إطار التصالح والتعارف مع الشعب، والكشف عن طاقاته الكامنة من جانب؛ والاعتدال والوسطية في فهم الدين وتطبيقه، من جانب آخر. فالتيارات العلمانية تخلت عن التفسير الصارم الرافض لأي مظهر ديني في المجال العام واقتربت من قبول موقف كل إنسان، سواء كان ملحدًا أو مسلمًا، وبقاء الدولة في مسافة واحدة من كل الأديان والمعتقدات، فيما بدأت التيارات الإسلامية تراجع نفسها وتصوِّب أفكارها المتطرفة وخطابها العدائي، وتنفتح على عالم الآخرين “العلمانيين”، وتحترم لأنماط حياتهم.

فالذين تقاذفتهم أمواج الزمان إلى الشرق والغرب بدؤوا يكتشفون مجدّدًا عالمهم الذاتي وتراثهم الديني والوطني، ويعيدون قراءة معطيات الشرق والغرب بنظرة فاحصة شمولية، مع النقد والتمحيص والتحليل، وعقد مقارنات، ووضع تراكيب وتآليف جديدة كل الجدة، ودراسة مشاكل هذين العالمين وتقديم حلول لها، بحيث شهدت تصديراتهم من الفكر والبضاعة زيادة ملموسة، واستيراداتهم نكسة ملحوظة، وباتوا منتجين بعد أن كانوا مستهلكين فقط، وشرعوا في عملية الأخذ والعطاء الطبيعية مع العالمين الإسلامي والغربي، بعد أن كانوا آخذين ومتلقين فحسب. وبدؤوا ينظمون رحلات مقدسة (الهجرة) ليس إلى غرب العالم وشرقه وكفى، وإنما إلى كل آفاق العالم الفسيحة، بعد أن نجحوا في الإبحار نحو أعماق أنفسهم الغائرة، والرسوّ في ميناء ثوابتهم الدينية والوطينة الراسخة.

ولا شكّ أن الجميع قد ساهموا بشكل أو آخر، قليلاً أو كثيرًا، في تحقيق نسبة كبيرة من المثقفين الأتراك، علمانيين ومتدينين، ذلك الاعتدال في الفكر والسلوك والتصالح مع كينونتهم الذاتية ومواردهم الدينية والوطنية، ولا بد من احترام وتقدير جميع الجهود المبذولة من أجل إعادة إقامة الجسور بين “جزر” المثقفين العلمانيين أو المتدينين و”شواطئ” الشعب بعد أن كان بينهما برزخ لا يبغيان.

حركة الخدمة استلهمت أفكار العلامة النورسي وترجمت فكره

غير أن المساهمات الكمية والنوعية الخاصة التي قدمتها “حركة الخدمة” لإنجاز ذلك الاعتدال والتصالح، اقتداءً بالنهج الذي سار عليه العلامة بديع الزمان سعيد النورسي، لهي شكّلت العمود الفقري لتلك الجهود المباركة في تركيا، بشهادة القاصي والداني.

لقد انطلقت الخدمة وهي مدركة منذ البداية بمدى ثقل المهمة/الرسالة التي ستضطلع بها كامتداد لما بدأه العلامة النورسي؛ المهمة الشاملة التي حددها النورسي في كلماته التالية: “إن رسائل النور لا تعمر تخريبات جزئية، ولا ترمم بيتاً صغيراً مهدماً، بل تعمِّر أيضاً تخريبات عامة كلية، وترمم قلعة عظيمة، صخورها كالجبال، تحتضن الإسلام وتحيط به.. وهي لا تسعى لإصلاح قلب خاص ووجدان معين، بل تسعى أيضاً لمداواة القلب العام المجروح، وضماد الأفكار العامة المكلومة بالوسائل المفسدة التي هيئت لها، وركمت منذ ألف سنة، وتنشط لمداواة الوجدان العام الذي توجه نحو الفساد نتيجة تحطم الأسس الإسلامية، وتياراته وشعائره التي هي المستند العظيم للجميع، ولاسيما عوام المؤمنين. نعم إنها تسعى لمداواة تلك الجروح الواسعة الغائرة بأدوية إعجاز القرآن والإيمان. فأمام هذه التخريبات الكلية الرهيبة، والشكوك الواسعة، والجروح الغائرة، ينبغي وجود حجج دامغة، وأعتدة مجهزة بدرجة حق اليقين، وبقوة الجبال ورسوخها، ووجود أدوية مجربة لها من الخواصِّ ما يفوق ألف ترياق وترياق، ولها من المزايا ما يضاهي علاجات لا حد لها”.

لذلك وضع العلامة النورسي خطة طويلة المدى لعمله الدعوي ولم ينحرف عنها قيد أنملة طيلة حياته الطويلة، ولم يتشبث بصولجان السياسة والقوة الغاشمة لإعادة تصميم المجتمع وفق المعايير الإسلامية. لذلك كان إنقاذ الإيمان الهدف الأسمى له كما تجسد في قوله: “إن غايتي إصلاح الأسس التي يُبنى عليها الإيمان، فإذا أصبح الأساس صلباً قوياً، فلا يؤثر فيه مؤثر بعد، حتى الزلازال”.

العلامة النورسي ينفي كونه عالمًا سيكولاتيًّا تقليديًّا إذ يقول: “إنهم يظنوني عالمًا غارقًا في مستنقع التفكير السيكولاتي”، ويعلن قائلاً: “إن معاصريَّ -مع الأسف- وإن كانوا أبناء القرن الثالث عشر الهجري إلّا أنهم تذكارُ القرون الوسطى من حيث الفكر والرقي. وكأنهم فهرسٌ ونموذج وأخلاط ممتزجة لعصور خلت”. بل إنه عالم أصيل سعى طيلة حياته للجمع بين العقل والقلب والعلم والإيمان، حيث يقول: “ضياء القلب هو العلوم الدينية ونور العقل هو العلوم الحديثة، فبامتزاجهما تتجلى الحقيقة فتتربى همة الطالب وتعلو بكلا الجناحين، وبافتراقهما يتولد التعصب في الأولى، والحيل والشبهات في الثانية”. وهو يقدم تشخيصًا لافتًا للانتباه يكشف سبب تخلف المسلمين في لبقرون الأخيرة حينما يقول: “أعظم سبب سلبَ منا الراحةَ في الدنيا، وحرَّم الأجانبَ من سعادة الآخرة، وحجب شمسَ الإسلام وكسفها هو سوءُ الفهم وتوهُّمُ مناقضة الإسلام ومخالفتِه لحقائق العلوم… فيا للعجب! كيف يكون العبدُ عدوَّ سيده، والخادمُ خصمَ رئيسه، وكيف يعارض الابنُ والدَه!! فالإسلام سيدُ العلوم ومرشدُها ورئيسُ العلوم الحقة ووالدُها”.

ويحدد موقفه من الأساليب الراديكالية في التغيير المجتمعي والسياسي بقوله: “الانتصار على المدنيين يتحقق عن طريق الحوار والإقناع وليس بالإجبار والقمع”، و”إن الجهاد المسلّح لا يحشد كلياً إلا ضدّ العدو الخارجي، والصراع المسلح داخل البلاد الإسلامية، هو ما يصبو إليه العدو الخارجي، إذ إن سفك دماء المسلمين فيما بينهم، أمر يهمهم”، ومن ثم يضيف: “إن الجهاد في أي مجتمع إسلامي، إنما هو جهاد معنوي، يتوصل إليه عن طريق تنوير الأفكار، وإصلاح القلوب والأرواح. ويكون جهاداً إيجابياً بنّاء لصدّ التخريبات المعنوية، ويُتصرف فيه وفق سرّ الإخلاص. فهناك بون شاسع بين الجهاد في الخارج والجهاد في الداخل. فنحن نبذل قصارى جهودنا للحفاظ على استقرار البلاد، وأمنها، وفق العمل الإيجابي البناء.. في هذا الوقت، الفرق عظيم جداً بين الجهاد الداخلي والجهاد الخارجي”.

يجسد الدكتور محسن عبد الحميد منهج العلامة النورسي في عباراته المركزة التالية: “كان النورسي يؤمن بـ”النظام”، ويبعد “الفوضى”، ويؤمن بـ”التدرج” ولا يعتقد بـ”الطفرة. فالنظام والتدرج هما أساس الوجود كله، وأي خروج عليهما يعني إدخال الفساد عليه، وهو خروج واضح على تعاليم القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة. والقرآن هو الكون المقروء، والسنّة هي الكون المطبق في الحياة العملية.. وفي ضوء ذلك، فإن النورسي يدعو إلى تغيير اجتماعي منظم، يتمسك بقانون التطور الفطري التدريجي، ويجب أن يبدأ من القاعدة ويصعد إلى القمة، لا العكس؛ لأن العكس سيؤدي إلى زعزعة الحياة الاجتماعية، ويحصل منه شر مستطير، وتخريب كبير..  فهو يقول: ’إن من يشق طريقاً في الحياة الاجتماعية، ويؤسس حركة. لا يستثمر مساعيه، ولن يكون النجاح حليفه، ما لم تكن الحركة منسجمة مع القوانين الفطرية التي تحكم الكون، بل تكون جميع أعماله لأجل التخريب والشر. إذن فلا بدّ أن يكون قانون التغير في حياته هو التغير التدريجي، حتى لا يختلّ توازن الحياة، فيؤدي إلى نتائج عكسية‘”.

وحركة الخدمة استلهمت العلامة النورسي وحاولت ترجمة فكره إلى حيز الواقع في إطار الظروف الزمانية والمكانية. يمكن تعداد الخصائص الأساسية لهذه الحركة كما يلي:

حركة محلية أصيلة لا أجنبية مستورَدة من الشرق الإسلامي أو الغرب المسيحي، لم تكن في يوم من الأيام تابعة لإرادة أي بلد في الخارج، كذلك لا تتبع لإرادة أي مؤسسة أو منظمة في الداخل. فهي حركة مستقلة لا تخضع لإرادة وسيطرة أي دولة أخرى في العالم، وتتميز باستقلاليتها التامة من كل النواحي، من حيث مواردها ومنهجها في الفكر والعمل ومسيرتها في هذا الدرب، ومن حيث برامجها ومشاريعها المختلفة. وتلك الاستقلالية الشاملة هي أهم ميزة تتميز بها الخدمة. لكنها في الوقت ذاته منفحة على الخارج من خلال عملية أخذ وعطاء صحية.

فكما أن أي جسم أي كائن حي يتكون نتيجة تفاعل المواد الغذائية المختلفة في الخارج مع الآليات الثابتة المركبة في الداخل، فمثلاً جسم الأسد يتكون نتيجة عملية الأخذ والعطاء الفطرية بين الأجهزة والعناصر الذاتية المركبة فيه والمواد الغذائية التي يحصل عليها من العالم الخارجي، فإذا كان هناك تنافر بينهما من حيث مكوّناتها الأسياسية لا يسمح الأسد بدخولها أصلاً إلى جسمه، وإذا دخلت بشكل أو آخر سيلفظها، وإذا لم يهضمها من خلال جهازه الهضمي كما ينبغي بحيث يتلاءم مع جسمه بعد دخولها إلى معدته عبر فمه أو منافذه الأخرى، أو قطْع علاقته بالعالم الخارجي تمامًا، يتسبب في ظهور أمراض ومشاكل قد تؤدي به إلى الموت، كذلك فإن حركة الخدمة لم تكن مفعولة أمام زحف الأفكار والنماذج الخارجية، سواء كانت غربية أو إسلامية، وإنما كانت فاعلة ومتفاعلة، تتمتع بجهاز مناعة سليم تحافظ به على كينونتها ومقوماتها الذاتية، وتختار من الأفكار صالحها، وتضع فاسدها، وتتلقى من هذين العالمين مثلما تقدم لهما، بعد القيام بتوفيقها مع نسيج المجتمع التركي في إطار مرونة نصوص الكتاب والسنة غير المقيدة بالزمان والمكان، وتتقاسم معهما المبادئ العالمية المشتركة كالديمقراطية وحرية المعتقد والفكر أيًّا كان. وهي تؤمن بالتنوع والتعدد الثقافي ولا تنظر إلى الاختلاف الثقافي والديني على أنه مثار صراع وصدام، بل تعتبرهما أمرا فطريا وعنصرا من عناصر الثراء. وأفضل دليل على ذلك دعوته إلى الحوار والتعايش السلمي بين معتنقي ديانات وحضارات مختلفة والتي أخذ على عاتقها وقف الكتاب والصحفيين.

وهي لا تنخرط في السياسة بصورة مباشرة، غير أنها تسهم فيها بشكل إيجابي عن طريق ممارسة حقها في الرقابة على أداء الحكومات من جانب؛ وتقديم حلول مدنية لمشاكل وطنية وإنسانية من جانب آخر، من خلال آليات النشر والإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية. وهي ليست بدعة حديثة مقطوعة الصلة بالماضي تدعي البناء والإعمار من “صفر”،  وتسعى لإنشاء مجتمع جديد برمته، بل هي تؤمن بضرورة الاستمرار الثقافي التاريخي، مع تجديد الأفكار والمؤسسات القديمة قلبًا وقالبًا بالمعطيات الجديدة عند الضرورة دون زعزعة الثوابت الأساسية، وتعتقد بوجوب اعتماد التنوير الفردي والاجتماعي بدلاً من آليات القمع في عملية التغيير، وترى ضرورة انطلاق هذه العملية من القاعدة إلى القمة.

تأثير انسحاب حركة الخدمة على تركيا

الخدمة ليست رد فعل على أي فكر أو حركة، بل هي حركة فاعلة تقوم على تصوراتها وتنطلق من مقوماتها الذاتية. وتولي اهتمامًا خاصًا بمصطلح “إسلام الأناضول” القائم على الإسلام المعتدل. دافِعُ الحركة في الفكر والعمل والسلوك ذاتيٌّ لا شرقي ولا غربي ولا أي مصدر آخر! فروح “الأناضول” التي شكل الإسلام إطارها العام في تناغم مذهل مع التقاليد والعادات المحلية طيلة القرون الطويلة هي ملهمها ومحركها، وهذا لا يتناقض مع سعيها للاستفادة من التجارب الأخرى في كل أنحاء العالم، طالما أنها تخضعها للغربلة والتنقية والتصفية المطلوبة حتى تتوافق مع نسيجها الذاتي الأصيل.

ولذلك يرى الجميع اليوم أن الخدمة برهنت نفسها في كل أنحاء العالم وفي جميع مجالات الحياة، خاصة في مجال التعليم والتعايش السلمي بين منتسبي أديان وثاقات وحضارات مختلفة جدا، بفضل مشاريع عملية تواكب العصر بل تسبقه، وتستند إلى تحاليل وتآليف طورتها بالاستفادة من معطيات التجربة الإنسانية المشتركة بدلاً من الاعتماد الكلي على الأفكار الأجنبية والمشاريع المستوردة في هذا الصدد.

وبعد أن حقق أبناء حركة الخدمة “الهجرة الذاتية” إلى أغوار أنفسهم وأعماق دينهم، شرعوا في “الهجرة الآفاقية الخارجية” إلى آفاق العالم والشعوب الفسيحة في إطار عملية أخذ وعطاء صحية، من خلال أجنحة المؤسسات التعليمية والخيرية والاقتصادية وغيرها، وإيفاد الطلبة إلى بلدان العالم المختلفة شرقًا وغربًا وشمالاً وجنوبًا.

في الفترات التي كنا فيها مفعولين به ومتلقِّين فقط، ضيعنا هويتنا وابتعدنا عن جذورنا الروحية والمعنوية، وحولنا مجتمعاتنا إلى حلبة صراعٍ واستقطاب وتصادم ناجمٍ من مدّ وجزر الإفراط والتفريط، جراء العلاقة غير السليمة لمثقفينا مع أمم العالم وأفكارهم وتصوراتهم، واستيرادهم تلك الأفكارَ والتصورات دون عرضها على معاييرنا الذاتية ونسيجنا القومي. غير أن حركة الخدمة أعادت الثقة إلى أبناء تركيا، بعد ما أثبتت نفسها في المجال العلمي والتعليمي والاقتصادي والتعايش السلمي من خلال المجلات العلمية والمدارس والجامعات النموذجية والمؤسسات الاقتصادية والمشاريع الثقافية والحضارية على مستوى العالم، ومن ثم أخذت تتقاسم تجاربها مع كل شعوب العالم، أيا كانت ديانتها، في تفاعل مثمر، تعطي وتأخذ، تقدم وتتلقى، فكرًا كانت بضاعة، فبدأت تركيا تنفتح على العالم كله عبر المؤسسات التعليمية والإغاثية والاقتصادية والفكرية، مما أسهم في تحقيق البلاد تطورًا علميًا وتنمية اقتصادية ملحوظة في العقدين الأخيرين.

ولا بد أن نقول في هذا السياق إن إرجاع الازدهار التركي في مجالات الديمقراطية وحقوق الإنسان والسلم الداخلي والاقتصاد، والانفتاح على العالم القريب والبعيد، ولو بنسبة معينة، إلى جهود السلطة السياسية الحاكمة في البلاد فقط خطأ كبير سيتفق عليه جميع المنصفين للحق والحقيقة.  وأكبر دليل على ذلك التراجع، بل الانهيار الكامل الذي تشهده تركيا منذ انسحاب هذه الحركة من الساحة، نتيجة العماليات التي تقودها حكومة حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان منذ أكثر من خمس سنوات.

العدالة والتنمية كان فرصة كبيرة لتركيا

لا شك أن حزب العدالة والتنمية كان فرصة كبيرة لتركيا، بل للمنطقة كلها، بل للعالم برمته، لو استمر على النهج الذي انطلق منه وسار عليه عقدًا كاملاً وحقق نجاحًا ملحوظًا في الداخل والخارج، ثم تخلى عنه لأسباب مختلفة. وإن أردنا تلخيص تلك الأسباب بجملة واحدة يمكننا أن نقول: النكسة بدأت تحويل أردوغان حزبه من حزب ديمقراطي محافظ إلى حزب يتبنى “الإسلام السياسي الراديكالي” أو “الإيدولوجية الإسلامية” على الصعدين الخطابي والعملي، وذلك عندما شعر بأنه تمكن من السلطة، الأمر الذي أدى إلى فقده التوافق المجتمعي في الداخل، والشرعية الدولية في الخارج، الذيْن كان حققهما بفضل نجاحه في تقديم نموذج يجمع بين الإسلام والديمقراطية.

والواقع أن هناك كثيرا من الكتاب الإسلاميين، من أمثال عالِمَيِ الاجتماع المتخصصين في الدراسات الإسلامية وشؤون الشرق الأوسط الأستاذين علي بولاج وعلي أونال، لم يصنفوا حزب أردوغان ضمن “الأحزاب الإسلامية” منذ البداية، انطلاقا من أسباب موضوعية، وازداد عدد من يرون ذلك بشكل ملحوظ بعدما  رأوا فساد الرجل على المستوى الديني والفكري والأخلاقي والسلوكي في وقت لاحق. واعتبر كثير من المحللين المحليين والدوليين، بينهم إسلاميون، نهج أردوغان في فترة حكمه الثالثة قائمًا على المصلحية الصرفة أخلاقيًا، والدكتاتورية إداريًّا.

غني عن البيان صعوبةُ فهم الأحداث التي تشهدها تركيا في السنوات الخمس أو الست الأخيرة وتفسيرُها حتى للأتراك ناهيكم عن الأجانب ومن ليس لهم اهتمام بالشؤون التركية. وإذا كانت الفئة التي تخاطبها لا تقرأ ولا تفكر، وتفتقر إلى آليات التحليل والتركيب والاستقراء والنظرة الشمولية، فإن عملية التفسير والتفصيل تتحول إلى شيء من قبيل إيلاج الجمل من الخيط.

وعلى الرغم من أنني تخرجت في الجامعة الإسلامية العالمية / قسم أصول الدين، وشرعت في تقديم رسالة الماجستير في الفقه وأصوله، ومن ثم انقطعت عن الدراسة لدواعٍ مختلفة، إلا أنني منخرط في المجال الصحفي والعالم الإعلامي منذ تعييني رئيسًا للقسم العربي لوكالة جيهان للأنباء في مطلع عام 2011، ومحررًا في الموقع الإلكتروني لصحيفة زمان في عام 2004، ورئيس تحريرها منذ عام 2017.

ولقد شاهدت في غضون هذه المدة أحداثًا تاريخية بكل معنى الكلمة، بل أصبحت فاعلاً لبعضها أو مفعولاً به أمام بعضها – إن صح التعبير -. مثل كفاحنا مع زملاءنا من أجل الحفاظ على حرية الصحافة والتعبير عن الرأي في بلادنا، وتعرّضنا للضغط والقمع والأذى الفعلي في هذا السبيل، عندما جاءت القوات الأمنية لمداهمة ومصادرة وكالة جيهان وكل الوسائل الإعلامية التابعة لشركة “فضاء” الإعلامية التي تندرج تحتها صحيفة زمان أيضًا، بصورة همجية غير مسبوقة.

والأهم من ذلك شهدت – للأسف الشديد – تحول زعيم أطلق مشواره السياسي بشعارات “الديمقراطية” و”حقوق الإنسان” و”الإدارة النزيهة”، في الداخل، وبالدعوة إلى الحوار بين الحضارات والأديان، مثل إطلاقه مشروع “تحالف الحضارات” مع إسبانيا، في المجال الدولي، إلى رجل دكتاتوري في نهاية المطاف قضى على كل المكتسبات السابقة التي حققها في فترته الأولى والثانية، وانقلابِ البلد الذي قاده “أداةً رخيصة” يتلاعب بها الجميع بينما كان مرشحًا ليكون “فاعلاً” في منطقته والعالم أجمع. غير أنني لم أبقَ شاهدًا ومتفرجًا فقط لهذا التحول، بل حاولت قدر المستطاع من خلال التقارير والمقالات التحليلية “المتواضعة” جسّ نبض “تركيا” من أجل الشارع العربي، تركيا التي وضع أردوغان شعبها على قطار حزبه “العدالة والتنمية”، واعدًا إياه بأنه سيقوده إلى الاتحاد الأوروبي المنضبط بعايير الديمقراطية والإدارة التشاركية وحقوق الإنسان، لكنه حوّل دفة هذا القطار في منتصف الطريق إلى دول العالم الثالث المنفلتة من كل القيود.

نظرًا لأن تركيا باتت مسرحًا لأحداث كبيرة وضخمة من حيث الكمّ والكيف في السنوات الستّ الأخيرة بحيث قد تحدث في غضون قرن كامل، بل عدة قرون، في العادة، فإنها بمثابة “مختبر ثري” لأهل النظر والعبرة لكي يروا مرة أخرى العوامل أو القوانين الموضوعية التي نطلق عليها “سنة الله” و”النواميس الإلهية”، والتي تقود زعيمًا أو حزبًا أو دولة أو أمة أو فكرة بأبعادها النظرية والتطبيقية إلى الازدهار والرقيّ أو الانحسار والانحطاط. ومن هذه الناحية فإن دراسة 15 سنة الأخيرة لتركيا بقيادة أردوغان من كل جوانبها وأبعادها  تنطوي على أهمية كبيرة، كما أنها تتضمن “مواد غنية” من المفترض أنها ستُنقل إلى عالم السينما والمسرحية بعد انتهاء هذه الفترة المظلمة، وهي ستنتهي حتمًا جراء عاصفة أو عواصف في الداخل والخارج يوظفها الله العزيز الحكيم في وضع حد لهذا الظلم الجماعي غير المسبوق.

سيجد القارئ الكريم في سلسلة مقالات هذه سردًا تاريخيًا وتحليليًّا للوقائع والأحداث التي شهدتها تركيا  في السنوات الستّ الأخيرة من حكم أردوغان، في الوقت الذي بدأ شريكه الغلام الإيراني رضا ضراب يعترف بكل الجرائم التي ارتكبها (أردوغان) في سبيل تأسيس سلطنته الشخصية، مستغلاً كل الوسائل الممكنة، بما فيها الإسلام ذاته. مع اعترافي وإدراكي بأني لست فارس هذا الميدان، لكني على وعي بأن كل كلمة تقال، ولو صغيرة، في وقتٍ يتعرض فيه الصادعون بالحق والحقيقة لعملياتٍ، تبدأ بمطاردات وملاحقات وتنتهي بالاغتيالات، تنطوي على قيمة وأهمية كبيرة عند الخالق والخلق على حد سواء.

وأخيرًا لا أرى بأسًا في التعبير عن شعوري بأني أردتُ من خلال هذه المقالات أيضًا أن أترك بصمات ودلائل لمؤرخي المستقبل لتدل على وقوفي إلى جانب الحق وأهله في هذه الإبادة الجماعية المعنوية والمادية التي لا تزال تتعرض لها حركة الخدمة بأبشع صورة على أيدي مجموعة من اللصوص المقنعين بالقناع الإسلامي وحلفاءهم من كل البؤر المظلمة، وأسأل الله تعالى أن يجعل منها كلمات شاهدة على العصر لدى التاريخ.

محمد عبيد الله

29.11.2017

برلين

مقالات ذات صله