13 ديسمبر 2017

من فضلك اختار القائمة العلويه من القوائم داخل لوحة التحكم

تركيا في نظام أردوغان.. سياسة الفضائح بين الوعود والقيود

تركيا في نظام أردوغان.. سياسة الفضائح بين الوعود والقيود

(زمان التركية)ــ ناقش تقرير نشره موقع صحيفة (أحوال تركية) الأسباب التي قد تدفع الجمهور التركي للتشكيك في الإتهامات التي يلقيها نظام الرئيس أردوغان على معارضيه؛ وجاء في التقرير المنشور بعنوان: “تركيا.. سياسة الفضائح بين الوعود والقيود” الآتي:

مرة أخرى يجد الأتراك أنفسهم مدعوين لمواجهة حقيقة محددة غير أن الدعوة هذه المرة تضعهم أمام الحقيقة مجردة في حضور الرأي العام العالمي. لكن المهم هنا ليس مضمون الحقيقة بل ما تعنيه سياسيا.. سواء المعنى أو الثقل، والثقل هو سيل من صراع الأيدولوجيات والخطابة.

ذات مرة دفع إيتين ماهتشوبيان (الذي عمل في السابق مستشارا لرئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو) بأن أنصار الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (الذين تتراوح نسبتهم بين 35 و51 بالمئة ممن يملكون حق التصويت) لا ينكرون بالضرورة وجود بعض الحقيقة في الاتهامات. بل إن بعضهم ربما يوقن في الحقيقة بأنها اتهامات مفبركة.

لكن لن تجد كثيرين في الواقع يعارضونك في أن هذه الوقائع (خاصة ما يتعلق منها بالفساد) تنتقص من مستوى تأييدهم للرئيس.

وفي محيط هؤلاء ممن لا تقنعهم هذه الاتهامات هناك كثيرون ممن يدافعون عن رأيهم بطرح خشيتهم من فقد ما حققوا من مكاسب منذ وصول حزب العدالة والتنمية بقيادة إردوغان لسدة الحكم عام 2002.

آخرون قد يتخذون موقفهم هذا لفقدانهم الثقة في وسائل الإعلام أو في الداعية فتح الله كولن وزمرته عام 2013 أو في الولايات المتحدة بل وحتى في زعيم المعارضة الرئيسي كمال كيلجدار أوغلو.

لنبدأ بكولن وأنصاره. فرغم ما يبدو على السطح من دعم يتمتع به من شخصيات عامة رئيسية (من مفكرين ليبراليين إلى سياسيين من حزب العدالة والتنمية) فإن معلقين اليوم يشيرون إلى أنه لم يتمتع يوما بشعبية في أوساط أخرى من الإسلاميين.

أحد الأسباب وراء ذلك سببه موقفهم النخبوي من بقية عناصر تيار الإسلام السياسي في تركيا: فهم يشيرون إلى الطلاب في مدارس تابعة لكولن بمصطلح “الجيل الذهبي”. فمن خلال وصف أنفسهم بأنهم المعارضة “الإسلامية” المعتدلة التي تقدم طروحاتها للعالم بلغة رمزية فإنهم يحاولون تمييز أنفسهم عن بقية الإسلاميين الذين يصنفونهم في خانة الأصولية أو الرجعية أو أصحاب الأفق الضيق. ولعمل هذا أدخلوا على جسد تيار الإسلام السياسي عددا من أشكال التصنيفات الفئوية.

قرب نهاية عام 2013، حين بدأ المدعون وضباط الشرطة الموالون لكولن تحركاتهم اتخذ أنصار إردوغان من الإسلاميين موقفا دفاعيا والتفوا حول زعيمهم. ورغم اعتقادهم بوجود بعض الحقيقة في الاتهامات فإن كون السهام مصوبة ممن عاملوهم بازدراء كان كافيا ليصطفوا في الجانب الآخر.

في الواقع فإن هناك من يقول إن هذه المعاملة الفئوية والإقصائية كانت السبب في الحد من أثر سياسة الفضائح وإنقاذ إردوغان من الموقف.

اليوم توضع الولايات المتحدة في خانة ناقل الأخبار السيئة أو القوة الاستعمارية الأساسية إذا كان لهذا التصنيف أي وجود حتى الآن. ومرة أخرى يقف إردوغان وكله استعداد لخوض المعركة التالية في ميدان الخطابة المدمرة.

منذ بداية العقد الحالي طرأ تغير تدريجي على خطاب إردوغان السياسي من العولمة النيوليبرالية في السنوات العشر الأولى من القرن الحادي والعشرين، في البداية التحول إلى قوة استعمارية إقليمية ثم إلى القومية المعادية الاستعمار وكان هذا بعد فشل مغامرته العثمانية.

هذان التحولان بما فيهما من حدة يفسران بدقة المرحلتين المختلفتين من الحرب الأهلية في سوريا لكن التحول الكبير إنما هو نتاج عملية معقدة من العوامل تعود للأزمة المالية العالمية عام 2008 وهذا موضوع يستحق نقاشا أكثر عمقا في وقت لاحق.

بغض النظر عن الأسباب فإن إردوغان يقدم خطابه المصطنع المعادي للاستعمار بطريقة رائعة. لكن هل يحمل هذا الخطاب الشدة التي اتسم بها موقف أنصار إردوغان من عتاة الإسلاميين تجاه أنصار كولن؟ بمعنى آخر، هل التيار المعادي لأمريكا في تركيا بنفس قوة قوة التيار المعادي لكولن؟

يتعامل إردوغان مع الإسلاميين وكله اطمئنان على ما يبدو مفترضا أنهم إن ساءت الامور فسيحصل منهم على ما يريد من دعم خشية خسارة مكاسبهم. في هذا الإطار يأتي خطابه المعادي للاستعمار والمعادي لأمريكا والمتمحور في الحديث عن الاستقلال والقومية الاقتصادية إنما يهدف بالأساس لمغازلة الناخبين في محيط اليمين القومي واليسار القومي إن أمكن.

لكن لا ضمانة على أن هذه الحسابات السياسية ستمكن إردوغان من مواجهة العاصفة الآتية. والأهم أن تفجر الفضيحة على المستوى الدولي وما لها من تبعات اقتصادية ودبلوماسية سيجبر الجميع على مراجعة الحسابات السياسية والاقتصادية فيما يتعلق بالرئيس التركي.

قريبا سيعيد الإسلاميون النظر في حسابات المكاسب والمنافع التي تتحقق بالبقاء في صف إردوغان. وبالمثل سيسأل القوميون في اليمين أنفسهم إن كان ينبغي لهم البقاء في معسكر دولت بهجلي أو الانتقال للحزب الجديد الذي أسسته ميرال أكسينير.

أو سيسأل الجيش وبقية أجهزة الدولة أنفسهم إن كان من المجدي استمراره كرمز للدولة بما تبقى لهم من حصانة تقيهم قبضة إردوغان.

يبقى أهم سند لإردوغان في نهاية المطاب هو غياب المعارضة التي تملك خطابا مؤثرا ووسائل سياسية لتقديم لغة جديدة للجموع البائسة الساعية للابتعاد عن الحروب الثقافية وعسكرة القضية الكردية والسياسات الاقتصادية الحالية.

إن سياسة الفضائح وإن كانت قد تؤدي لتغيير المكاسب وزيادة مخاطر الفشل بالنسبة لإردوغان فإنها لا تقدم بديلا عن تشكيل جبهة شعبية معارضة قادرة على نشر لغة قوية مؤثرة. وفي غياب مثل هذا المشروع المؤثر فإن النجاح المحتمل لإردوغان في تجاوز هذه الجولة من سياسة الفضائح ستؤدي لانهيار المعنويات وتآكل الطاقة السياسية والحماس لدى قوى المعارضة.

إن طرح لغة شعبية مؤثرة في مقابل الطرح الآخر، إذا توفرت لها أي فرصة، قد يساعد على تجاوز الحدود الداخلية (ما بين الأكراد والأتراك وما بين السنة والعلويين وما بين العلمانيين والمتدينين وما بين أهل القرى وأهل الحضر) وهي حدود يجيد إردوغان استغلالها والاستفادة منها لينجو سياسيا.

وأخذا في الاعتبار انزلاق الأزمة في تركيا لتصير سياسية بالأساس فإن اللغة الجديدة يجب أن تعتبر معالجة مخاوف الظلم الفئوي مهمتها الأساسية ومن الضروري بالتالي أن تطرح جدول عمل واضح لتجديد الاقتصاد بما يضمن تحرير الدولة من عراقيل مزدوجة تسببها سياسة الاقتصاد المالي (وما تقود إليه من أعباء ديون إضافية) والقومية الاقتصادية بما تحمله من توسع في مشاريع الإنشاءات والبنيىة التحتية والطاقة.

 

مقالات ذات صله