13 ديسمبر 2017

من فضلك اختار القائمة العلويه من القوائم داخل لوحة التحكم

لن يحصد أردوغان من الشوك عنبًا! (2)

لن يحصد أردوغان من الشوك عنبًا! (2)

بقلم: محمد عبيد الله

برلين (زمان التركية) – كان ينبغي أن يكون هذا المقال أو التقرير خاتمًا لسلسلة التقارير التحليلية التي بدأنا ننشرها تحت عنوان: “أسباب الخلاف بين أردوغان وكولن”، والتي نشرنا المقال الأول منها بعنوان: “المدخل إلى فهم أسباب الخلاف بين أردوغان وكولن”، الذي كان يشكّل الرؤية الفلسفية التي تكشف عن الأسباب الحقيقية للخلاف بين السلطة السياسية في تركيا بقيادة رجب طيب أردوغان وحركة الخدمة المدنية المستلهمة من فكر الأستاذ فتح الله كولن. لكن رأينا من المناسب أن نقدم للقراء أولاً ما أنتجه نهج هذه السلطة وسياساتها الداخلية والخارجية، ثم نعودَ للبداية ونسردَ أبرز الأحداث التي كانت بمثابة “بذور” نثرت في “رحم الزمان” لتتمخض عنها في نهاية المطاف عن هذه “الثمرات الحنظلية المُرَّة” أو النتائج الكارثية، التي يصدق عليها المثل: “لن تحصد من الشوك عنبًا!” أو “تحصد ما تزرع!”.

لقد نجح الرئيس أردوغان في الصمود أمام كل العواصف التي هبت ضده، وتجاوزِ جميع العقبات التي وقفت أمامه، والخروجِ منتصرًا من الحروب التي خاضها، طيلة 16 عامًا من مشواره السياسي، وذلك بفضل “السمعة الطيبة” التي نسج قسمًا كبيرًا منها في سنواته الأولى قبل انتقاله إلى نهجه الجديد، و”التحالفات” التي عقدها مع مراكز قوى في الداخل والخارج، لكن يبدو أن “عقبة رضا ضراب”، رجل الأعمال التركي إيراني الأصل، الذي تخضع للمحاكمة حاليًّا في الولايات المتحدة بتهمة اختراق العقوبات الاقتصادية الأمريكية والأممية على إيران بالتعاون مع كبار المسؤولين الأتراك، سترهقه كثيرًا وقد تقصم ظهره، إن صح التعبير، وقد تتمخض هذه المحاكمة عن نتائج سياسية سلبية بالنسبة للرئيس أردوغان، وفق ما كتبته صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية.

أردوغان في مواجهة قضية القرن

كان الأمن التركي اعتقل ضراب مع مجموعة من المتهمين في إطار عمليات الفساد والرشوة والتزوير وتبييض الأموال التي انطلقت في نهاية عام 2013، إلا أن أردوغان أغلق هذه القضية قبل أن تنتهي المحاكمة بشكل طبيعي، مع الإفراج عن جميع المتهمين في إطارها، وذلك بدعوى أنها “محاولة انقلاب تستهدف الإطاحة بحكومته” آنذاك.

لكن بعد ثلاث سنوات، وعلى وجه التحديد في شهر مارس / آذار لعام 2016، ألقت السلطات الأمريكية القبض عليه، وهذه المرة بتهمة “استخدام النظام المالي الأمريكي للاحتيال على العقوبات الأمريكية والدولية المفروضة على إيران”.

اعتقال ضراب في أمريكا بصورة مفاجئة بعد الانفلات من العقوبة في تركيا أحدث تأثير القنبلة في الشارع التركي والدولي على حد سواء، نظرًا لعلاقاته الوطيدة والمعروفة للقاصي والداني مع إدارة أردوغان، وعلاقاته الدولية بسبب كونه تاجر ذهب دوليًّا له علاقات تجارية مع أغلب دول المنطقة.

محاولات الخروج من المأزق

رد فعل أردوغان كان اتسم بالهدوء وإنكار العلاقة في البداية، إذ علق في إطار أجوبته على أسئلة الصحفيين في هذا الشأن خلال مؤتمر صحفي بقوله: “قضية ضراب في الولايات المتحدة لا ترتبط بشخصي ولا تخص تركيا”، في إشارة منه إلى أنه إيرانيّ الأصل لا تركيّ.

هذا كان الموقف الظاهر لإدارة أردوغان من قضية اعتقال ضراب في أمريكا، لكنه كان على دراية جيدة بمدى الخطورة التي تنتظره في المستقبل، ما جعله يسعى خلف الستار إلى البحث عن مخرج لهذا المأزق. إذ حاول المساومة مع الإدارة الأمريكية للتوصل إلى حل دبلوماسي، سواء في عهد الرئيس السابق باراك أوباما أو الحالي دونالد ترامب. فقد كتبت تقارير أمريكية أن أردوغان حاول إيجاد حل لهذه المسألة مع أوباما ونائبه جو بايدن خلال زيارته لواشنطن في شهري نيسان وأيلول من عام 2016، إلا أن جهوده باءت بالفشل.

فقد تناول ديفيد إغناتيوس، المعروف بعلاقاته الوطيدة مع المؤسسات العسكرية والاستخباراتية الأمريكية تفاصيل هذه الجهود، في مقال له نشرته صحيفة واشنطن بوست. وذكر إغناتيوس في مقاله أن أردوغان قضى نصف لقائه مع نائب الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن والذي امتد لـ90 دقيقة في بحث سبل الإفراج عن ضراب وإقالة النائب العام السابق المسؤول عن هذه القضية بريت بهرارا، وذلك في أثناء الزيارة التي أجراها لواشنطن في 21 أيلول 2016. كما أن زوجة أردوغان طلبت في الزيارة ذاتها من زوجة جو بايدن المساعدة في هذا الصدد.

وأشار إغناتيوس إلى أنه بعد أردوغان وزوجته، زار واشنطن هذه المرة وزير العدل التركي بكر بوزداغ في شهر أوكتوبر، حيث قابل نظيرته الأمريكية لوريتا لينش، ودافع عن أن قضية ضراب لا أساس لها من القانون، مطالبًا إياها بالإفراج عنه.

ومن اللافت أن بوزداغ أعلن للعالم أجمع قبيل توجهه إلى واشنطن أنه يذهب إلى أمريكا من أجل استلام الأستاذ فتح الله كولن المتهم بتدبير الانقلاب الفاشل، غير أن زعيم المعارضة كمال كيليتشدار أوغلو كان نفى ذلك وشدد على أنه ذهب من أجل إنقاذ ضراب وليس كولن.

لفت إغناتيوس أيضًا إلى أن جهود أردوغان لإنقاذ ضراب من القضاء الأمريكي استمرت أيضًا في نهاية عام 2016 ومطلع العام الجديد 2017، حيث أجرى مكالمتين هاتفيتين خلال هذين الشهرين وبحث مع نظيره الأمريكي أوباما الموضوع نفسه.

كما نوه إغناتيوس بأن أردوغان بدأ، قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية، الاتصالَ مع الفريق الذي كان سيعمل مع دونالد ترامب في حال وصوله إلى منصب الرئيس الأمريكي. إذ اتفق أردوغان مع مايكل فلين، مستشار الأمن القومي السابق لترامب، مقابل 15 مليون دولار، كما تبين فيما بعد من خلال قضية علاقاته بروسيا وتركيا، ليقوم ببفعاليات اللوبي والدعاية لصالح تركيا والإفراج عن ضراب من جانب، والقيام بالدعاية السوداء ضد الأستاذ كولن من جانب آخر.

ولما اضطر فلين إلى الاستقالة عقب ظهور علاقاته مع تركيا وروسيا توجه أردوغان هذه المرة للعمل مع رودي جولياني، أحد المستشارين القربين لترامب أيضًا، في هذا المضمار.

ومع أن أمله انبعث من جديد بوصول ترامب إلى الإدارة، ونجاحه في تبديل النائب العام المسؤول عن النظر في قضية ضراب بريت بهرارا بالجديد ريتشارد بيرمان، غير أن حادثة اعتداء حرسه الشخصي على محتجين مدنيين خلال زيارته الأخيرة لواشنطن قد قضت على هذا الأمل الخافت أصلاً أيضًا.

ولما اعتقلت السلطات الأمريكية نائب المدير العام لبنك “هالك” (الشعب) محمد هاكان أتيلا في شهر حزيران لعام 2017 في إطار قضية ضراب، كسبت الأزمة بعدًا جديدًا. تبع ذلك إصدار السلطات القضائية الأمريكية قرارا باعتقال وزير التجارة التركي الأسبق ظفر تشاغلايان، ورئيس بنك هالك سليمان أسلان، في شهر أيلول (2017)، بتهمة التعاون مع ضراب لكسر تأثير عقوبات واشنطن على إيران، الأمر الذي زاد الطين بلة وأظهر الحاجة إلى إيجاد تسوية سريعة للأزمة قبل أن تنتهي سبل الخروج تمامًا.

تعقيب أردوغان على قرار اعتقال وزيره

وعلّق أردوغان على القرار الأمريكي باعتقال وزيره السابق قائلاً: “إدراج وزير الاقتصاد السابق ظفر تشاغليان كَمُتَّهم في قضية ضراب خطوة معادية لتركيا. لنا علاقات حساسة مع إيران فهي أحد موارد النفط والغاز الطبيعي بالنسبة لنا. وتهمة خرق العقوبات المفروضة على إيران الموجهة إلى تشاغليان، لا تنطبق على تركيا؛ نظرًا لأننا لم نتخذ قرارًا بفرض عقوبات اقتصادية عليها. لذلك هذه الخطوة تعكس نوايا خبيثة وأنا أشمّ منها روائح نتنة”. على حد تعبيره.

اعتبر كثير من المحللين هذه التصريحات “اعترافًا رسميًّا” من أردوغان بأن قرار خرق العقوبات المفروضة على إيران هو قرار حكومي بموافقته، وبأنه أحد شركاء ضراب الذين اخترقوا هذه العقوبات من خلال التجارة مع إيران مقابل الحصول على عمولات عملاقة. كما نظروا إلى قوله: “هذه الخطوة الأمريكية تعكس نوايا خبيثة وأنا أشمّ منها روائح نتنة” على أنه بدأ يشعر أن الدائرة تضيق عليه يومًا بعد يوم، ويخاف فعلاً من أن تطاله تحقيقات الفساد الدولي التي فتحتها الولايات المتحدة.

أما قوله: “لم نتخذ قرارًا بفرض عقوبات اقتصادية على إيران” فلا تعكس الحقيقة تمامًا؛ ذلك أن قرار فرض عقوبات على إيران ليس قرارًا أمريكيًّا، بل هو قرار الأمم المتحدة وملزم لتركيا؛ نظرًا لأنها عضو فيها. فالأمم المتحدة فرضت عقوبات موسعة على إيران بالقرار رقم 1737 الصادر من مجلس الأمن في ديسمبر/ كانون الأول 2006 تمنع كل الدول الأعضاء من “إمدادات وبيع أو نقل كل المواد والمعدات والبضائع والتكنولوجيا التي يمكن أن تساهم في الأنشطة الإيرانية المتعلقة بتخصيب اليورانيوم لتطوير أنظمة أسلحة نووية”.

حجج أردوغان في اختراق حصار إيران     

للحيلولة دون ذوبان شعبيته جراء قضية ضراب، رأى أردوغان ضرورة تقديم المبررات الموضوعية المقنعة لسعيه إلى خرق العقوبات على إيران. ورد على الاتهامات الموجهة إليه في هذا الشأن قائلاً: “نحن كدولة لم نتخذ أي قرار بفرض عقوبات اقتصادية على إيران، لذلك تجارتنا معها، أيًّا كان نوعها، قانونية وليست بجريمة”. فضلاً عن أنه كان يقول لقاعدته الشعبية “المحافظة” عبر “وسائل إعلامه” بأنه نجح في كسر حصار دولة “إسلامية” من جانب، وحقق قفزة اقتصادية لتركيا من خلال التجارة مع إيران، من جانب آخر.

إلا أن التصريحات التي أدلى بها كامل ماماك، وهو الصحفي الخبير المتخصص في ملف ضراب في تركيا والولايات المتحدة معًا تكشف أن الأمر ليس كما يصوره أردوغان، فهو يرى أن العقوبات الدولية على إيران هي التي تصبّ في مصلحة تركيا وليس اختراقها. وخلاصة ما يقوله ماماك في هذا الصدد كما يلي:

مجلس الأمن الدولي لم يطالب الدول الأعضاء بقطع كل علاقاتها الاقتصادية مع إيران، بل فرض قيودًا معينة على نقل الأموال والذهب إلى إيران، منعًا لتخصيب اليورانيوم، الذي يشكل المادة الخام الأساسية للبرامج النووية. لذلك دعا الدول الأعضاء إلى الاستمرار في تجارة النفط والغاز مع إيران، بشرط دفع ثمنه بالبضاعات مثل المواد الغذائية والملابس والأدوات الإلكترونية وغيرها، بدلاً من العملة الصعبة (الدولار) أو الذهب.

وفي هذا الإطار، طلبت الولايات المتحدة حلفاءها وأعضاء مجلس الأمن الدولي، بينها تركيا، اختيار بنوك محلية لتتعامل معها “البنوك المراسلة الأمريكية” لتقديم خدمات تحويل الأموال وتمويل التجارة الخارجية والاعتمادات المستندية وغيرها من الخدمات المالية الأخرى لصالح عملائها المحليين أو أنشطة البنك الاستثمارية الدولية، على أن تتم المحافظة على أموال الحكومة أو الشركات الإيرانية التي حصلت عليها جراء بيع النفط والغاز في هذه البنوك، لتتاجر هي أو الشركات الإيرانية بهذه الأموال في الدولة المعنية، وتشتري بها حاجاتها من البضاعات. بمعنى أن الحظر كان منصبًّا على التجارة مع إيران بالدولار والذهب فقط.

وكانت بنوك “هالك” و”أكتيف” و”جارانتي” و”دنيز” و”كويت ترك” البنوك المحلية التي اختارتها حكومة أردوغان لتتعامل معها البنوك المراسلة الأمريكية على أساس هذا النظام المالي الذي يصبّ في مصلحة تركيا، نظرًا لأن الأخيرة كانت ستشتري من إيران النفط والغاز، وإيران كانت ستستورد منها بضاعات مختلفة كالمواد الغذائية والعلاجية والملابس وغيرها. بمعنى أن الدولار أو الذهب كان سيبقى داخل تركيا ولن يغادر إلى إيران، بالإضافة إلى أن تركيا كانت ستبيع منتجاتها المختلفة لإيران، ما يعني أن ملايين الدولارات والضرائب الحاصلة من الصادرات إلى إيران كانت ستبقى في الخزانة التركية.

خسارات فادحة لتركيا جراء اختراق عقوبات إبران

لكن ما حصل هو أن ضراب قام مع شركاءه الأتراك بالتحايل على هذا النظام المالي الأمريكي (والتركي)، من خلال تأسيس شركات صورية، والقيام بصادرات وهمية، والتزوير في الأوراق والمستندات البنكية وتبييض أموال سوداء، ومن ثم الزعْم بأنها اشترت النفط والغاز من إيران، وهي بدورها اشترت منها بضاعات في مقابل ذلك، وليس الدولار أو الذهب. كل شيء كان يبدو عاديًّا وقانونيًّا على الورق؛ فإيران باعت نفطها أو غازها لتركيا واستوردت منها في مقابله البضاعة!

هذه الشركات الصورية فتحت حسابات لها في البنوك المذكورة ووضعت فيها أموال النفط والغاز الإيراني المشترى. بمعنى أن ملايين الدولارات كانت موجودة حقيقة في هذه البنوك، لكنها لم تكن موجودة على الورق، ولا تظهر في النظام المالي الأمريكي – التركي. لكن كان يجب سحب تلك الدولارات من البنوك بعد هذه الصادرات الوهمية، ومن ثم إرسالها إلى إيران ذهبًا أو نقدًا. وهنا يأتي دور ضراب وشركاءه الأتراك، حيث قاموا بتحويل هذه الدولارات إلى يورو أو اشتروا بها الذهب، نظرًا لأن تركيا لا تفرض على الذهب ضريبة، ثم أرسلوا اليورو أو الذهب بوسائل نقل مختلفة غير قانونية إلى إيران عبر بلدان مختلفة، وذلك بعد حصولهم والبنوك التركية – بطبيعة الحال – على عمولات عملاقة تبلغ مليارات الدولار.

وهذا يعني أن الأموال التي كانت يجب أن تذهب إلى خزانة الدولة – لو لم يتم اللجوء إلى طرق ملتوية – ذهبت إلى جيوب ضراب وشركاءه، وأن تركيا خسرت جراء ذلك مرتين أولهما: مغادرة ملايين الدولارات منها إلى إيران، ثانيهما ضياع أموال الضرائب التي كانت ستحصل عليها الخزانة التركية لو تمت الإجراءات في الإطار القانوني والاتفاق الثنائي بين تركيا وأمريكا.

المخاطر الأمنية لقضية الفساد

زد على ذلك فإن هناك كتابًا آخرين، وعلى رأسهم عبد الحميد بيليجي، الرئيس السابق لمجموعة “فضاء” الإعلامية، التي كانت  تندرج تحتها كل من وكالة جيهان للأنباء وصحيفة زمان قبل إغلاقها، لفتوا إلى “المخاطر الأمنية” لتلقي الرشاوى في إطار عملية خرق العقوبات على إيران. فهم عدّوا المبادرة إلى كسر حصار إيران وفتح مجال لها لتتنفَّس اقتصاديًّا من جانب؛ ومن جانبٍ آخر بذْل الغالي والنفيس في سبيل إسقاط بشار الأسد في سوريا، تناقضًا كبيرًا وخطأً إستراتيجيًّا؛ نظرًا لأن إيران الحليف الأكبر للأسد الذي يحصل منها على دعم مالي ومسلَّح، بل عناصر المخابرات الإيرانية هي من أدارت الحرب في سوريا على تركيا وحلفائها. ويفسرون هذا الخطأ الإستراتيجيّ بالإشارة إلى أن حزب أردوغان وصل إلى الحكم بعد أخذ الإجازة من الدول الغربية، عقب الزيارات المكوكية لواشنطن والعواصم الأوروبية، وبات حليفًا إستراتيجيًّا لواشنطن والغرب عامة خلال الفترة الأولى والثانية من حكمه، وبدأ ينفذ المشروع الأمريكي – الغربي في بلده ومنطقة الشرق الأوسط، كما صرح أردوغان نفسه هذا أكثر من مرة، إلا أن تقدمه في المنطقة توقف بالتدخل الإيراني في الأزمة السورية التي قصمت ظهر البعير، فلم تستطع التغلب على عبقة إيران، ومن ثم روسيا عندما تدخلت بعمق في القضية. أردوغان كان يحاول إسقاط الأسد من جانب، ويقدم من جانب آخر طوق النجاة لإيران من خلال كسر حصارها الاقتصادي، على الرغم من أنها كانت أكبر حليف للأسد، الأمر الذي لم يجد هؤلاء الكتاب تفسيرًا منطقيًّا له.

ورأى بيليجي في مقال حمل عنوان: “المخاطر الأمنية لقضية الفساد”، أن قبض مسؤولين كبار في أي دولة من رجال دولة أجنبية “قضية أمن قومي”، يحول دون تطوير سياسات وتنفيذ مشارع حرة مستقلة في الداخل أو الخارج، نظرًا لأن المسؤول الذي يتلقى رشوة تحت مسمى “عمولة” أو ما شابهها يجعله “أسيرًا” لدى تلك الدولة و”عبدًا” خاضعًا لكل مطالبها، وبوجه أخص، إذا كانت تلك الدولة منافسةً تاريخية لتركيا ولها أطماع توسعية في كل المنطقة كإيران.

زد على ذلك، فإن إيران أعادت هذه الأموال التي غسلها أردوغان مع ضراب في “الحمام التركي” على تركيا والعرب والمسلمين عامة كحروب أهلية وأزمات داخلية وصراعات طائفية، عبر امتداداتها المختلفة، مثل حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن.

سرّ لجوء أردوغان إلى “شنغهاي” بدلاً من “الناتو”

ويفسِّر محمد إيفه تشيمان، الكاتب الأكاديمي المعروف، في مقالاته المنشورة في موقع (TR724) الإخباري، ترْكَ أردوغان المعسكر الغربي بقيادة حلف شمال الأطلسي الناتو، وتوجُّهَه إلى المعسكر الأوراسي الروسي الصيني، ومن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي إلى منظمة “شنغهاي” للتعاون، بعد أن كان ينفِّذ في سوريا ما يسمى بـ”مشروع الشرق الأوسط الأمريكي الكبير” باعتباره أحد رؤساءه في المنطقة طبقًا لِمَا أعلتنه نفسه، إلى هذا “الخضوع الكامل” للإملاءات الإيرانية والروسية بسبب ملفات “الفساد” والإرهاب” التي تحوزانها وتستخدمانها كورقة ضغط على إدارة أردوغان، الأمر الذي ضمن لهما مساحات ومناطق نفوذ مرموقة في كل مؤسسات الدولة التركية، بما فيها المؤسسة العسكرية التي تُعدّ جيشًا أطلسيًّا في الأساس. وهناك عديد من المراقبين لا يستبعدون أن يعود أردوغان قريبًا إلى أيام “شهر العسل” في العلاقات مع سوريا كما كان في السابق.

جهود ضراب للانفلات من القضاء الأمريكي

وإذا أردنا العودة إلى صلب الموضوع بعد هذه الجملة الاستطرادية الطويلة، فإنه يتبين من التصريحات التي أدلى بها ضراب للمحكمة الأمريكية أنه كذلك حاول الانفلات من القضاء الأمريكي بعد اعتقاله في أمريكا، من خلال جيش المحامين التابع له. كما جرّب ضراب الضغط على أردوغان من خلال ضمّ اسمه واسم زوجته السيدة أمينة أردوغان إلى ملفات القضية، حتى يهبّ من مكانه ويفعل كل ما يلزم لإنقاذه. لكن كل خطوات أردوغان للمساومة مع واشنطن، لتسليم ضراب، بما فيها إرساله رئيس الوزراء بن علي يلدرم في شهر نوفمبر / تشرين الثاني المنصرم إلى أمريكا، لم تثمر نتائجها المرجوة، ما جعل ضراب ييأس من تحقيق أي تطور في هذا الصدد، ويلوّح بأنه سيتفق مع النيابة العامة الأمريكية ليكون “شاهدًا” بدلاً من أن يكون “متهمًا، بغية الاستفادة من تخفيف العقوبة.

أردوغان يهدد أمريكا

وعندما لاحظ أردوغان أن محاولاته “الناعمة”، سواء في عهد باراك أوباما أو دونالد ترامب، لم تسفر عن أي نتيجة إيجابية، لجأ هذه المرة إلى طرق ملتوية، فعمد إلى تجربة “القوة الخشنة” و”اللغة التهديدية” كلما اقترب موعد البتّ في قضية ضراب. فبادر أولاً إلى اعتقال قسّ أمريكي، ثم ثلاثةِ موظفين “أتراك” في القنصلية الأمريكية بمدينة إسطنبول، بتهمة “المشاركة في الانقلاب الفاشل” أو “الانتماء إلى حركة الخدمة”، التي باتت التهمة الجاهزة يلصقها أردوغان بكل شخص معارض له أو مختلف معه، الأمر الذي قابلته واشنطن برد فعل عنيف أصاب أردوغان بالصدمة بحيث لم يصدقه في الوهلة الأولى، بل اعتبره قرارًا شخصيًّا صادرًا من السفارة الأمريكية في تركيا، ومن ثم اصطدم بجدار الواقع حينما صدر بيان من واشنطن مؤكدٌ للقرار.

يومًا بعد يوم، وبالتوازي مع اقتراب موعد بدء محاكمة ضراب، ارتفعت حدة اللغة التهديدية التي استخدمها أردوغان في تصريحاته الخاصة بحليفه “القديم” واشنطن، إذ وصف الولايات المتحدة خلال خطاب ألقاه في شهر مايو (2017) بمنتدى “الحضارات” في جامعة بن خلدون فى إسطنبول بـ”بلد غير متحضر”، ومن ثم تحدى من دون تحديد مخاطبه صراحة: “لن نتردد في قصف مصادر نراها تهديدًا لنا بطائرات إف-16″.

غير أن التهديد الذي وجهه أردوغان في شهر أكتوبر / تشرين الأول (2017) إلى واشنطن ليس من تلك الأنواع التي تسهل استساغتها! حيث قال بصدد قضية ضراب في اجتماع مع المجموعة البرلمانية لحزبه العدالة والتنمية: “إنهم (واشنطن) يبذلون ما بوسعهم لممارسة الضغط عليه (رضا ضراب) بغية انتزاع اعترافات (بحقنا) من فمه مقابل وعود، لكننا نعلم كيف سنقيم الدنيا عند انتهاء هذه الأعمال (تحقيقات القضية)… إنهم يستخدمون قوتهم لإصدار قرار باعتقال أحد وزراءنا واعتقال أحد المسؤولين في بنكنا، بالإضافة إلى أحد مواطنينا (رضا ضراب)”.

مذكرتان إلى الخارجة الأمريكية من أجل ضراب

بعد هذه التهديدات البعيدة عن الأعراف الدبلوماسية والأساليب الحكيمة، والتي لا تجدي أي نفع في الولايات المتحدة التي استقرت فيها الأعراف القانونية أكثر من أي دولة في العالم، ارتكب أردوغان خطأ إستراتيجيًّا في “اللحظة الأخيرة”، إذ أرسل خلال شهر تشرين الثاني / نوفمبر الماضي مذكرتين إلى الخارجية الأمريكية يبدي فيها قلقه على حياة “المواطن التركي” ضراب على خلفية غياب أي معلومات عنه منذ خمسة أيام في سجنه، وذلك بعد أن أعلن في مؤتمر صحفي سابق أن قضية ضراب في أمريكا لا تتعلق به ولا بتركيا! وهذه الخطوة اعتبرها بعض المحللين خطأ إستراتيجيًّا من أردوغان، ذلك أنها تأتي بمثابة الإعلان والاعتراف بأنه شريك لضراب ومتورط في الجرائم التي تورط فيها! أما الخارجية الأمريكية فطالبت أردوغان بمراجعة وزارة العدل الأمريكية إن كان لديه أسئلة حول ضراب، بدلاً من إرسال مذكرة إليها، الأمر الذي فسره المراقبون أن واشنطن قالت لأردوغان: “إن هذه القضية ليست قضية سياسية بل قانونية! وإذا كان لديك أي شكوى أو استفسارات فعليك اللجوء إلى المحكمة!”.

حالة عجز أردوغان

غني عن البيان أن هذه المواقف المتباينة وهذه العجالة والأسلوب المتهور في التعامل مع قضية أصبحت دولية تهدد العلاقات الثنائية بالانهيار لا تصدر من زعيم نزيه متسم بالعقل والحنكة، وإن دل ذلك على شيء فإنه يدل على انقطاع سبله وحالة العجز التي وقع فيها. ولعل ما يفاقم خوف أردوغان في هذا الصدد ويقوده إلى فقدانه السيطرة على مشاعره وأعصابه يتمثل فيما أشارت إليه تقارير محلية ودولية من أنه من المحتمل أن تشمل اعترافات ضراب التنظيمات الإرهابية التي دعمها أردوغان، وفي مقدمتها داعش، بالأموال التي جمعها من خلال عمليات تبييض الأموال الإيرانية، وأن يواجه في نهاية المحاكمة تهمًا تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية أيضًا، بعد أن كشف خبراء مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) كل المحادثات والمراسلات الإلكترونية التي جرت بين الطرفين، أي ضراب وأردوغان ووزراءه، وحركة مرور تلك الأموال المتحصلة من عملية بيع وشراء النفط والغاز الإيراني.

أخيرًا اليوم الموعود!

كان الجميع حبس أنفاسه وانتظر بفارغ الصبر شهر ديسمبر / كانون الأول الجاري، حيث انزاح الستار عن مسار أحد أكبر القضايا التي عرفتها البشرية قاطبة نظرًا لتداعياتها العالمية. وقد جاء أخيرًا ذلك اليوم الموعود والمشهود في 29 نوفمبر المنصرم لينكشف الغطاء عن “الإقرار بالجريمة” الذي تقدم به ضراب إلى النيابة العامة الأمريكية، وينتقل على إثره من قائمة “المتهمين” إلى قائمة “الشهود”، بهدف تقليل مدة عقوبة الحبس التي قد تصل إلى 70 عامًا، ويبقى نائب رئيس بنك “هالك” التركي الرسمي محمد هاكان أتيلا “متهمًا وحيدًا” قيد الاعتقال في القضية.

قبيل بدء الجلسة الأولى، طالبت هيئة الدفاع بإرجاء الجلسة، غير أن قاضي المحاكمة ريتشارد بيرمان رفض الطلب، وطالب ضراب بتلاوة الوثيقة التي تتضمّن اعترافه بالتهم الموجهة إليه. وظهر من صورة الإقرار التي تناقلتها مواقع التواصل الاجتماعي أنه توصل إلى اتفاق مع النيابة الأمريكية في جلسة سرية أقيمت في 26 من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.

لماذا اعترف ضراب؟

وقال ضراب في وثيقة إقراره بجريمته: “أعرف أن المحكمة من الممكن أن تصدر حكمًا ضدي في نهاية القضية على الرغم من اعترافي بالاتهامات الموجهة إليّ. لقد اتخذت قرارًا بالاعتراف بجرائمي بكامل إرادتي، بعد تشاوري مع فريق المحامين التابع لي، من دون أن أتعرض لأي ضغط أو تهديد، ومن دون أن أتلقى أي وعود بالعفو أو خفض العقوبة في مقابل اعترافاتي”. ثم فسر سبب إقدامه على اتخاذ هذا القرار بقوله: “التعاون مع النائب العام واعترافي بالاتهامات الموجهة إليّ كان الطريق الأوحد والأسرع للخروج من السجن. كنت استأجرت محامين ليعملوا على إعادتي إلى تركيا، لكني فشلت في ذلك، ما دفعني إلى اتخاذ قرار بأن أكون معترفًا وشاهدًا وأستفيد من تخفيف محتمل لعقوبتي عقب انتهاء المحاكمة”.

ولفت ضراب في الجلسة أيضًا إلى أنه عندما اعتقلته السلطات الأمريكية في مارس 2016 خاف كثيرًا وأصيب بالصدمة، وأضاف: “لذلك كذبت على عناصر مكتب التحقيقات الفيدارالي إف بي آي ولم أقل لهم الحقائق، نظرًا لأني لم أكن أعرف بعدُ ما الذي سأواجهه”. وهذا التصريح، إن افترضنا صحته، يسقط المزاعم التي تقول بأن ضراب غادر تركيا إلى الولايات المتحدة في إطار اتفاقية مسبقة جرت بينه وبين عملاء “إف بي آي”.

محتوى اعترافات ضراب

اعترف ضراب، وكذلك أتيلا، في الجلسة ذاتها (28 نوفمبر 2017)، بكل الجرائم المسندة إليهما من تزوير مستندات بنكية وتلقي رشوة وتبييض أموال من أجل الالتفاف على العقوبات الدولية على إيران. إذ أتيلا أن النقود التي عُثر عليها مخبأة في صناديق أحذية أثناء مداهمة الأمن التركي منزل رئيس بنك “هالك” سليمان أصلان في إطار تحقيقات الفساد والرشوة عام 2013 لم تضعها الشرطة، ولم تكن جُمعت من أجل بناء مدرسة دينية (مدرسة الأئمة والخطباء)، كما زعم الرئيس أردوغان آنذاك، وإنما كانت رشوة تلقاها رئيس البنك الذي وصفه بـ”موظف مصلحي غير نزيه” من ضراب. بينما أقرّ ضراب بكل الرشاوى التي بلغت ملايين الدولارات، والتي قدمها حينئذ لمجموعة من الوزراء، وعلى رأسهم وزير التجارة السابق ظفر تشاغلايان، الذي صدر بحقه خلال في أيلول (2017) قرار أمريكي باعتقاله في إطار القضية عينها أيضًا، كما قلنا سالفًا، بالإضافة إلى الوزير المسؤول عن شؤون الاتحاد الأوروبي سابقًا أجمان باغيش.

واستمر ضراب في اعترافاته الصادمة للمحكمة في الجلسة الثانية لمحاكمته كشف فيها تفاصيل طريقة عمل الشبكة التي أسسها مع شركاءه الأتراك لاختراق حصار بلاده إيران عبر استغلال النظام المالي الأمريكي إذ قال: “لم يكن الإيرانيون يستطيعون استخدام أموالهم التي حصلوا عليها جراء بيع النفط والغاز بسبب العقوبات المفروضة على إيران، فساعدنا نائب رئيس بنك هالك أتيلا في تجاوز العقوبات، نظرًا لأنه كان الأكثر خبرة في هذا المجال”. وأردف: “تعاملنا في البداية مع بنك أكتيف التركي (الذي كان وزير الطاقة الحالي برات ألبيراق، صهر أردوغان، الرئيس التنفيذي له آنذاك) وساعدني وزير شؤون الاتحاد الأوروبي أجامان باغيش في فتح حساب بهذا البنك، وبدأتُ العمل بعمليات بلغت قيمتها 10 ملايين دولار في البداية”.

أكثر من 50 مليون يورو رشوة لوزير واحد فقط!

وأفاد ضراب أن بنك هالك لما رفض التعامل معه في البداية راجع  وزير التجارة آنذاك تشاغلايان، وقدم له “رشوة” تراوحت قيمتها الإجمالية ما بين 40 و50 مليون يورو، وذلك عدا ما قدم له بعملات أخرى كالليرة والدولار أو هدايا مختلفة، لكي يسيّر شؤونه عبر البنك، الاعتراف الذي تناقض مع ما زعمه كل من الوزير وأردوغان من أن تعامل وزراءه مع الرشوة عبارة عن الكذب ومؤامرة تستهدف تلطيخ سمعة حكموتهم.

وكان ضراب قدم للوزير ذاته ساعة قيل حينها إن قيمتها حوالي 350 ألف دولار، لكن الوزير أنكر ذلك في البداية، ثم اعترف فيما بعد بتلقيه هذه الساعة منه، غير أنه زعم هذه المرة أنها لم تكن رشوة، بل اشتراها ودفع مقابلها، مما تسبب في نقاش حاد في الشارع والبرلمان التركي على حد سواء، حيث طالبت الأحزاب المعارضة رئاسة البرلمان برفع الحصانة البرلمانية من الوزير وإحالته للمحكمة، إلا أن هذا الأمر لم يتحقق بسبب تصويت نواب حزب أردوغان ضد الطلب. وظهر أن الوثائق التي قدمها ضراب للمحكمة تضمنت الوثيقة الخاصة بالساعة التي أعطاها للوزير تشاغلايان كرشوة، وتبين أن قيمتها 463 ألف يورو وليست 350 ألف دولار!

وفي إطار تعليقه على هذه الاعترافات التي هزت إدارة أردوغان، قال الكاتب الصحفي والخبير الأمني السابق المتخصص في التنظيمات الإجرامية والإرهابية أمره أوسلو: “إذا أخذنا في اعتبارنا أن قيمة الأموال التي قام ضراب بتبييضها مع شركاءه الأتراك تبلغ 200 مليار دولار، فإن 50 مليون دولار التي أخذها تشاغلايان رشوة من ضراب لا تساوي إلا 0.025% من تلك الأموال”، ثم تساءل قائلاً: “فما مقدار المبلغ الذي حصل عليه الزعيم الأكبر أو “الأخ الكبير” يا ترى؟!”، في إشارة منه إلى الرئيس أردوغان.

ضراب يقدم رشوة لحارس السجن للاستمتاع بمرأة!

ومن اللافت أن ضراب اعترف في الجلسة الثانية أيضًا بأنه قدم رشوة لحارس السجن من أجل الحصول على الكحول / الخمور والمرأة (للاستمتاع بها) واستخدام الهاتف، الأمر الذي دفع برواد مواقع التواصل الاجتماعي إلى التعليق قائلين: “هذا هو رجل الأعمال الذي يزعم بأنه قام بـ’الجهاد الاقتصادي‘ لكسر حصار أمريكا على بلاده، ويصفه الرئيس أردوغان بـ”رجل أعمال محب للخير”!

ضراب يكشف عن “الأخ الكبير”

وفي الجلسة الثالثة من المحاكمة (29 نوفمبر 2017)، أعلن ضراب ما كان يتوقعه الجميع، حيث أكد أنّ أردوغان أصدر عندما كان رئيسا للحكومة “تعليمات” ليشارك مصرفان حكوميان في هذه العمليات، بالإضافة إلى الوزير المسؤول عن خزانة الدولة علي باباجان. ومن اللافت للانتباه أن ضراب الذي كان يرتدي سترة سوداء وقميصًا أبيض أمام عشرات الصحافيين الأتراك، مُتحدثًا بالتركية بحضور مترجم، رفع صوته عندما نطق باسم أردوغان قائلاً: “رئيس وزراء تلك الفترة رجب طيب أردوغان”. وسجّل الصحفيون المتابعون للقضية في ولاية نيويورك أن ضراب الموقوف حاليا في مكان سري بحماية “أف بي آي”،  كان يلفت الانتباه بحركاته الواثقة المريحة.

وفي هذا السياق ينبغي أن نذكر بأن وزير التخطيط المدني السابق أردوغان بيراقدار لما اتهم بالفساد في 2013 خرج على شاشة قناة “إن تي في” التركية، وأعلن على الهواء مباشرة استقالته من منصبه وعضويته البرلمانية وحزبه العدالة والتنمية الحاكم جميعًا، مطالبًا رئيس وزراء تلك الفترة أردوغان بالاستقالة أيضًا، نظرًا لأنه قام بكل الجرائم الموجهة إليه بتعليمات صادرة من أردوغان، لكنه تراجع عن هذه الخطوة عقب لقاء جرى بينه وبين أردوغان بعد عدة أيام، متذرعًا بأنه أدلى بهذه التصريحات في حالة غضب وفوران، ولا تعكس الحقيقة، على حد زعمه.

عقوبات محتملة على البنوك التركية

وفي معرض تقييم اعترفات ضراب الصريحة التي تقدم أردوغان “مسؤولاً أعلى” عن التجارة مع إيران بانتهاك قواعد النظام المالي الأمريكي، يتفق معظم الخبراء الذين يعرفون ردود فعل الإدارة الأمريكية في مثل هذه الحالات من التجارب السابقة على أن تلك الاعترافات ستضع أردوغان في موقف حرج، ومن الممكن أن تفرض واشنطن عقوبات اقتصادية كبيرة على البنوك التركية المتورطة في هذه العملية، وقد تكون لها نتائج سياسية.

وكل ذلك فضلاً عن أن هذه الاعترافات تنسف كل مزاعم أردوغان القائلة بأن تحقيقات الفساد والرشوة في 2013 كانت مؤامرة وانقلابًا على حكومته آنذاك.

اعقالات في تركيا تزامنًا مع بدء محاكمة ضراب

يعتبر أردوغان قضية ضراب باطلة، ويصفها بـ”المؤامرة الأمريكية على تركيا”، تمامًا كما زعم أن الشرطيين الموالين لحركة الخدمة هم من وضعوا الأموال المذكورة في صناديق الأحذية، ولم يتلقَّ وزراؤه أي رشوة من أي أحد، واعتبر تحقيقات الفساد والرشوة في تركيا مؤامرة و”محاولة انقلاب” على حكومته.

لذلك جاءت ردود فعله ملائمة لهذه الرؤية، فقد أصدرت السلطات التركية قبل يوم واحد من بدء محاكمة ضراب قرار ضبط وإحضار في حق المراقب المحلف على البنوك التركية عثمان زكي جانتايكيز، والنائب السابق بحزب الشعب الجمهوري أيكان أردمير، بتهمة تقديم وثائق ومستندات إلى الولايات المتحدة تتعلق بتحقيقات ومحاكمة ضراب زعمت أنها تمس “الأمن القومي” و”مزورة” في الوقت ذاته!

وكذلك أصدرت النيابة العامة بمدينة إسطنبول في اليوم التالي لمحاكمة ضراب قرارات اعتقال شملت 360 شخصًا، غالبيتهم العظمى من العسكريين برتب مختلفة، بتهمة “المشاركة في الانقلاب الفاشل” النمطية.

بينما أصدرت إدارة أردوغان في مطلع الشهر الجاري (1 ديسمبر 2017)، بالتزامن مع قرار مصادرة ممتلكات ضراب في تركيا، مذكرة اعتقال لنائب الرئيس السابق لمجلس المخابرات الوطني التابع لوكالة المخابرات المركزية غراهام فولر، بتهمة محاولة الإطاحة بأردوغان وحكومته أيضًا، والصلة بالأستاذ كولن، وذلك في أعقاب مذكرة الاعتقال بنفس التهمة لهنري باركي، الباحث الأكاديمي الذي كان من ضمن المسؤولين الأمريكيين الذين قابلهم أردوغان في الولايات المتحدة قبيل تأسيس حزبه، في إطار جهوده الرامية إلى الحصول على براءة أو شرعية دولية لحكومته المرتقبة في عام 2002. كما سبق أن فتحت إدارة أردوغان سلسلة تحقيقات شملت مسؤولين أمريكيين، بينهم المدعي العام الأمريكي السابق بريت بهارارا الذي أصدر قرار اعتقال ضراب، وخليفته جون إتش كيم.

كل هذه القرارت المتعجلة غير مدروسة العواقب رآها المراقبون الدوليون علامات على صحة الاتهامات التي وجهها ضراب إلى أردوغان أمام المحكمة الأمريكية ومن المؤكد أنه سيكون لها صدى في العلاقات بين الطرفين.

هل ستجدي نظريات “المؤامرة” هذه المرة؟

لا يبالي أردوغان لمواقفه المتناقضة التي يقع فيها كثيرًا، فلديه آلة إعلامية بحيث تستطيع قلب الحقائق وتصوير الأبيض أسود والأسود أبيض، وتقديمَ ضرورات ومبررات ومعاذير لتصورات أردوغان المتلونة ومواقفه المتقلبة بحنكة نادرة ومهارة فذة، فتمده دائمًا بنوع من “طوق النجاة” ينقذه من الوقوع في الورطات في عيون أنصاره على الأقل، بل يصورها لهم في صورة انتصارات عظيمة حققها زعيمهم المثالي! ولعل مواقفه المتغيرة إزاء ضراب قبل وبعد تحقيقات الفساد والرشوة، وقبل وبعد اعتقاله في الولايات المتحدة، من أفضل الأمثلة على ذلك. فإعلام أردوغان ورجاله دافعوا عن ضراب دفاعًا مستميتًا لما واجه تهمة الفساد والرشوة في 2013 بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لدرجة أنهم قلبوا كل المؤسسات في تركيا رأسًا على عقب من أجل تبرئته وإنقاذه من السجن ومعاقبة جميع من أخذوا دورًا بشكل أو آخر في الكشف عن فضيحة الفساد. لكن لما أمسكته السلطات الأمريكية أعرضوا عنه وأنكروا علاقتهم به في البداية، وعندما جدّ الأمر وتفاقمت الأزمة أصدروا مذكرتين دبلوماسيتين إلى واشنطن من أجله، وحينما لاحظوا عدم جدوى ذلك تشبثوا بمزاعم يفرّ منها حتى المجانين مثلما يفرون عن قسورة.

فعلى الرغم من أن الكاتب الصحفي المعروف بعلاقاته الوطيدة مع جهاز المخابرات التركي جيم كوتشوك سبق أن قال في حوار تلفزيوني مباشر بصورة صريحة ومؤكدة: “إن ضراب كان مشروع الدولة التركية”، وذلك في صدد دفاعه عنه إزاء الاتهامات الموجهة إليه في إطار قضية الفساد والرشوة، إلا أن إدارة أردوغان بدأت تروج من خلال آلته الإعلامية والدعائية العملاقة لفكرة أن قضية ضراب مؤامرة أمريكية غولنية (!) تستهدف تلطيخ سمعة أردوغان والإضرار بالاقتصاد التركي بفرض عقوبات على البنوك التركية المستخدمة في خرق العقوبات على إيران.

وساق البرلماني البارز من حزب العدالة والتنمية الحاكم برهان كوزو ادعاءً مثيرًا أدى إلى سخرية رواد الإعلام الاجتماعي منه، إذ زعم في نقاش تلفزيوني على إحدى القنوات التركية أن “ضراب كان عميلاً أمريكيًّا منذ البداية”.

وما زعمه وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو من أن حركة الخدمة تسربت إلى كل المؤسسات الأمريكية، وعلى رأسها المؤسسة القضائية، وأنها من تقف وراء قضية ضراب، تجاوز حدود الخيال!

وفي حال قبولنا بهذه المزاعم، يكون الأمن التركي قد اعتقل في 2013 عميلاً أمريكيًّا غولنيًّا، ولما أفرج عنه أردوغان على حساب تدمير تركيا برمتها كان أفرج عن عميل أمريكي غولنيّ! ويكون معمر جولر، وزير الداخلية الأسبق في حكومة أردوغان، قدم “الجنسية التركية” مقابل “رشوة” بلغت أرقامًا قياسية، إلى عميل أمريكي غولني! ويكون وزراء أردوغان قدموا جائزة لعميل أمريكي غولني في شهر حزيران من عام 2015!

إذا وضعنا هذه الترّهات جانبًا، فإن أهم نتيجة أبرزتها الاعترافات الصادمة لضراب أمام المحكمة الأمريكية هي انهيار جميع مزاعم أردوغان منذ 2013! فبعد اعتراف ضراب بكل جرائمه المنكشفة عقب تحقيقات الفساد والرشوة، لا بد أن تسقط كل الأحكام التي أصدرتها “محاكم أردوغان” بناء على ادعاء أن هذه التحقيقات وأدلتها كانت مزورة وملفقة. لذلك يجب الإفراج فورًا عن عشرات الآلاف من المسجونين من الشرطيين والقضاة والصحفيين عقب الحملات المضادة ضد المشرفين على قضية الفساد.

خلاصة تقيمية.. كيف انطلق أردوغان وإلى أين صار؟

هل سيتخلى “الناتو” عن أردوغان؟

يتفق أغلب الخبراء المحليّين والدوليّين على أن علاقات تركيا مع أمريكا وأوروبا وصلت إلى منعطف تاريخي في ظل حكم أردوغان منذ تأسيس الجمهورية على يد مصطفى كمال أتاتورك عام 1923، منوهين بأن الأمر قد يصل إلى حد خفض العلاقات، بما فيها العسكرية، إلى “مستويات دنيا”، إن لم يتم التوصل إلى حل عاجل للأزمات القائمة بين الأطراف.

لقد انطوت العلاقات التركية الأمريكية والأوروبية، على أهمية كبيرة دومًا، بغضّ النظر عن الأحزاب الحاكمة في البلاد وتوجهاتها السياسية، خاصة منذ انضمام تركيا إلى حلف شمال الأطلسي “الناتو” في 18 شباط/فبراير 1952 إبان حكم عدنان مندريس، وتحولِها إلى سدٍّ أمام خطر شيوعية “الاتحاد السوفيتي” وطموحاته التوسّعية في فترة الحرب الباردة، وبدءِ مغامرتها مع أوروبا في عام 1963 عقب عقد شراكة مع “المجموعة الاقتصادية الأوروبية” التي تغير اسمها فيما بعد إلى “الاتحاد الأوروبي”.

وكسبت علاقات تركيا مع الغرب زخمًا جديدًا على جميع الأصعدة في عهد “طرغوت أوزال”، الذي شغل منصبي رئيسي الوزراء والجمهورية، ولعبت سياسة “اللَّبْرَلَة” التي انتهجها دورًا كبيرًا في هذا الأمر، والتي فتحت أبواب مؤسسات الدولة على جماهيرَ عريضةٍ بعد أن كانت حكرًا على فئة معينة من النخب، والأقليات الأجنبية، بوجه أخص.

أردوغان في أمريكا وأوروبا بحثًا عن “الشرعية”

هذا “التقليد” لم يتغير في عهد أردوغان، على عكس المتوقع، بل يمكن القول إن علاقات تركيا مع أمريكا وأوروبا وصلت إلى أوجها في عهده، إلى جانب علاقاته الشخصية والحزبية منذ اللحظات الأولى من بدء مشواره السياسي. إذ ليس خافيًا على المتابع للشأن التركي أن علاقات أردوغان الشخصية والحزبية مع الإدارة الأمريكية والدول الأوروبية بدأت قبل وصوله إلى سدة الحكم في تركيا عام 2002. ولن نجافي الحقيقة إن قلنا إنه تجاوز كل العقبات السياسية والقانونية أمام جلوسه على قمة هرم السلطة في بلاده بفضل إشاراته المتواصلة إلى أمريكا والدول الأوروبية كمرجعية لشخصه وحزبه وبرامجه السياسية، والزياراتِ المكوكية التي أجراها إلى العواصم الغربية لكسر “الحظر القانوني” على ممارسته السياسة بسبب قصيدة شعرية أنشدها في لقاء جماهيري زعمت المحكمة العليا حينها أنها تؤجِّج مشاعر الكراهية والعداوة بين المواطنين.

يكاد المحللون يُجمعون على أن إعلان أردوغان تخليه عن “النهج الإسلامجي” لشيخه الراحل نجم الدين أربكان، زعيم حزب الرفاه المنحلّ من جانبٍ، واتخاذَه أمريكا وأوروبا ومعاييرَهما الديمقراطية مرجعية لشخصه وحزبه من جانبٍ آخر، ضَمِن له الحصول على دعم الجماهير العريضة “المحافظة”، إلى جانب النخب المثقفة “الديمقراطية” و”الليبرالية”. وهذه الميزة أيضًا ساعدته في تلميع صورته في العالم العربي والإسلامي والغربي أجمع.

كان أردوغان ورفاق دربه عرّفوا حزبهم الجديد في وثيقة برنامجه العام بأنه “حزب جماهيري محافظ ديمقراطي”، وبذل جهودًا جبارة لإزالة مخاوف “العلمانيين” و”المؤسسة العسكرية” حول احتمال اتباعه نهجًا أو برنامجًا إسلاميًّا في الحكم، وحرص في بدايات حكمه على عدم استخدام خطابات وشعارات “إسلامية” في مسعىً منه لطمأنة هذه الفئة التي تعتبر نفسها مؤسِّسة “تركيا الحديثة”. ولا شكّ أن زياراته للولايات المتحدة قبل تأسيس حزبه في 17-21 أبريل/نيسان 1995، و17-22 نوفمبر/تشرين الثاني 1996، و20-23 ديسمبر/كانون الأول 1996، و26 مارس/آذار 1998، و16 يوليو/تموز 2000.. ومشاركته في يوم الاستقلال الأمريكي في 4 يوليو/تموز 2001، أي قبل شهر واحد من إعلانه عن تأسيس حزبه، تلبية لدعوة خاصة تلقاها من الإدارة الأمريكية.. وإجرائه لقاءات مع اللوبي اليهودي، وحصوله على “جائزة الشجاعة الفائقة” اليهودية.. واجتماعه مع مسؤولين أمريكيين عن الملف التركي، ومسؤول مكتب الاستخبارات الأمريكية عن الملف الكردي “هنري باركي”، وواضع مصطلح “الإسلام المعتدل” “جرونت فلار”، والسياسي اليهودي الأمريكي “ريتشارد نورمان بيرل”، الذي يعد أحد أقطاب المحافظين الجدد، وغيرهم كثر.. بالإضافة إلى الزيارات التي أجراها إلى العواصم الغربية.. وإدراج انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي ضمن إستراتيجياته وأولوياته.. وبدءه في إجراء مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد عام 2005 عقب نجاح حكومته في تنفيذ 8 من حزمة إصلاحات بين أعوام 2001 – 2004 من أجل الانسجام مع معايير الاتحاد.. كل هذه الخطوات كانت من أجل تغيير “الصورة السلبية” التي التصقت به بحكم انحداره من حزب الرفاه “الإسلامي”، وإقناعِ العلمانيين والجيش والعالم الغربي بأنه تغير وترك نهجه القديم ومستعدٌّ لتسلّم السلطة في تركيا.

ولعل تحدي أردوغان الاتحاد الأوروبي في إطار تعليقه على تماطله في مفاوضات الانضمام بقوله: “نحن نؤمن من صميم قلوبنا بمعايير كوبنهاجن الأوروبية، ولن يختلف الأمر في حالة رفض انضمامنا إلى الاتحاد الأوروبي أو قبوله، فإننا عندئذ سنطلق على تلك المعايير التي نؤمن بها وندافع عنها ’معايير أنقرة‘ ونمضي قدمًا في هذا الطريق من دون تراجع”، دليل كافٍ على مدى قبوله بالمعايير الغربية.

بهذه المنطلقات أسس أردوغان حزبه “العدالة والتنمية”، مع مجموعة من زملاءه المنفصلين من حزب أربكان الموسومين بـ”التجدديين”، ووصل إلى سدة الحكم في أول انتخابات، وحقق نجاحًا باهرًا في المجالين السياسي والاقتصادي، ولمّع نجم بلاده في المنطقة والعالم، بفضل نهجه سياسة خارجية متوازنة قائمة على “القوة الناعمة” بدلاً من “القوة الغاشمة” مكّنته من عقد علاقات مع دول المنطقة والعالم، بما فيها إسرائيل، وأسهم في ظهور مصطلح “النموذج التركي” الذي كان يشير في جوهره إلى الجمع بين “الإسلام” و”الديمقراطية” في آن واحد.

سحر الخطاب الشعبوي الإسلامجي

لكن منذ أواسط الفترة الثانية من حكم أردوغان (2009 – …)، طفت إلى السطح علامات تدل على ظهور تغير في تصوره وتوجهه ونظرته إلى القضايا المحلية والإقليمية والعالمية، واشتعل معه نقاش حاد حول سعيه لتغيير “محور تركيا”، بالتوازي مع ظهور أحلام وطموحات “زعامة المنطقة”. ويعترف اليوم محللون غربيون، منهم الكاتب الصحفي “ستيفن كوك”، أن الغرب أيضًا لعب دورًا في استيقاظ هذه الأحلام والنزعات لدى أردوغان، لقيامه بدغدغة مشاعره وعواطفه ومدحه المبالغ لنجاحاته، وتصويره قويا أكثر مما يبدو، وتقديم تركيا في ظل حكمه أكبر من حجمها الحقيقي، مما أشعره بأنه تمكّن من السلطة، وأصبح “فارس” الميدان الوحيد، خاصة بعد الرياح العاصفة التي هبّت لصالحه عقب المواجهة الساخنة مع الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز حول قطاع غزة، وانسحابِه من منتدى “دافوس” مردداً عبارة: (One Minute)، التي جعلت منه “بطلاً” ليس في عيون الأتراك فقط وإنما في عيون جميع العرب والمسلمين أيضًا.

ففي هذه الفترة وما تلاها لاحظ أردوغان “سحر” الخطاب الشعبوي الإسلامجي الموجود في جينياته أصلاً، وبدأ يعتمد عليه بكثرة في تلميع صورته، ورصّ صفوف مؤيديه، في الداخل والخارج. فبعد حادثة دافوس بدأ يسيطر على خطاباته نكهة إسلامية راديكالية، وأفضل مثال على ذلك موقفه من انطلاق سفينة “مافي مرمرة” إلى قطاع غزة لكسر الحصار المفروض عليه، في محاولة منه لزيادة رصيده في العالم العربي والإسلامي. ومع بداهة عدم جدوى مثل هذه الطريقة الساذجة في حل قضية شائكة معقدة مثل القضية الفلسطينية، إلا أنه ساند هذه الخطوة من أجل استعراض قواه وتحقيق “انتصار” محتمل يكسب به ودّ ودعم الشارع العربي والإسلامي.

ومع التسليم بوجود نية أردوغان نصب نفسه “خليفة المسلمين”، إلا أن المحلل السياسي التركي المرموق “إحسان داغي” يقول: “إن سفينة مافي مرمرة كانت “طعمًا” لأردوغان لجرّه إلى المياه العكرة في الشرق الأوسط، ودفعه إلى الصراع مع إسرائيل، بهدف عرقلة صعود تركيا بقوتها الناعمة”، ويعتبر هذه الحادثة بداية نكسة تركيا في المنطقة. ويؤكد محللون أتراك، من أمثال “علي أونال” و”بولنت كينيش” و”أمره أوسلو”، وهم الخبراء في القضايا الإيرانية وشؤون الشرق الأوسط عامة، أن إيران، بواقع تنافسها التاريخي مع تركيا، وظّفت امتداداتها في الداخل التركي من تيار “الإسلام السياسي”، متمثلاً في وزير الداخلية وونائب رئيس الوزراء الأسبق “بشير أتالاي”، وفريقه المكوّن من “إرشاد هورموزلو”، مهندس العلاقات الخارجية؛ و”هاكان فيدان”، رئيس الاستخبارات و”كاتم أسرار أردوغان”، على حد تعبيره هو؛ و”إبراهيم كالين”، مستشار أردوغان والمتحدث باسمه؛ و”ياسين أقطاي”، كبير مستشاري أردوغان المسؤول عن شئون الشرق الأوسط، و”أفكان علاء”، وزير الداخلية الأسبق؛ و”رضا ضراب” الذي يعتبر “بنكه السري”.. وظفت إيران هؤلاء في تحريض أردوغان ضد إسرائيل حتى يرى العالم الحجم الحقيقي لقوته.

مهما كان الأمر، فإن أردوغان ندم أو اضطر إلى الندامة فيما بعد على هذه الخطوة دون أن يحقق شيئًا لنفسه أو تركيا أو فلسطين، بل أصبحت المشكلة أكبر وأعقد من السابق؛ كما أنه تخلى أو اضطر إلى التخلي عن مطالبة حقوق شهداء “مافي مرمرة” على يد إسرائيل. وأخيرًا قضت النيابة العامة في إسطنبول بعدم ملاحقة الجنود الإسرائيليين الذين قتلوا 10 أتراك في الهجوم على سفينة مافي مرمرة بموجب اتفاقية التطبيع بين الطرفين!

طموحات “زعامة المنطقة” تفقد أردوغان توازنه

توالت الأحداث المشابهة التي أفقدت أردوغان السيطرة على أعصابه وعواطفه، مما أدى إلى فقدان توازنه القديم، وذلك بسبب طموحاته غير المحدودة من جهة؛ والتوجيهات الخاطئة “المتعمدة” من قبل الامتدادات الإيرانية التي استطاعت أن تحرز مكانة مرموقة لها في كل حكومات أردوغان، وتحريضات فلول “تركيا القديمة الطورانية”، متمثلين في تنظيم “أرجنكون”، في محاولة منهم لاسترداد مواقعهم السابقة في الدولة، من جهة أخرى. فتزامنًا مع اندلاع ما يسمى أحداث “الربيع العربي” في كل من تونس ومصر وسوريا، حاول أردوغان ركوب رياح الانتفاضات الشعبية غير الهادفة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط عبر طائفة بعينها (جماعة الإخوان المسلمين)، بدلاً من الحوار مع كل العناصر الفاعلة القابلة للحوار في تلك الدول في إطار علاقات الجوار دون الانحياز إلى طرف بعينه، الأمر الذي اعتبرته هذه الدول “تدخلاً سافرًا” في شؤونها الداخلية، لينزع بذلك أردوغان فتيل أزمات لا نهاية لها قضت على العلاقات التركية العربية الهشة أصلاً.

وعلى الرغم من أن كثيرًا من الكتاب الصحفيين الديمقراطيين والليبراليين الذين يجسون نبض “الشرق الأوسط” كـ”جنكيز تشاندار”، و”أونال طانيق”، و”أحمد ألطان” و”عبد الحميد بيليجي” و”كريم بالجي”، حذروا أردوغان من خوض أي مغامرة في سوريا ومصر، إلا أنه، بدافع من طموحاته وتحريضات دائرته الضيقة، لجأ إلى كل الوسائل المتوفرة من أجل إسقاط بشار الأسد في سوريا بعد أن باتت هذه المسألة “عقدة شخصية” لديه، وخرج عن “الإطار الشرعي” في تحقيق هذه الغاية، لدرجة أن عديدًا من الدول، بما فيها روسيا وأمريكا، اتهمته بالتعاون مع تنظيم داعش الإرهابي وأمثاله.

بعد الدخول إلى عالم الجرائم في سوريا، انكشف في نهاية عام 2013 الستار عن فضائح فساد ورشوة هائلة تورطت فيها حكومة أردوغان. فقد وظفت إيران أردوغان في كسر حصارها الاقتصادي من خلال امتدادتها في تركيا، أي رجال تنظيم “السلام والتوحيد” التابع لقاسم سليماني، قائد الحرس الثوري، الذي أجرى مؤخرًا عملية ضد الأكراد في كركوك مع رئيس الاستخبارات التركي هاكان فيدان، الذي اتهمه الأمن والقضاء التركي “القديم” بـ”العمالة لصالح إيران” أصلاً. لكن المشكلة هنا تتمثل في أن تركيا، مع أنها حليف لأمريكا، وعضو في كل من مجلس الأمن الدولي وحلف الناتو، إلا أنها اخترقت العقوبات الأمريكية والأممية على إيران من خلال تجارة الذهب معها، بواسطة “شكبة فساد وغسل أموال سوداء دولية” يرأسها ضراب.

ومع أن أردوغان سعى لتبرير تجارة الذهب مع إيران بدعوى أنها صبّت في صالح تركيا، غير أن الحقيقة هي أن هذه الأموال الإيرانية السوداء المغسولة في “الحمام التركي” ملأت جيوب “دائرة ضيقة” موالية له فقط. كما أنها كانت تتناقض مع سياسة تركيا “القديمة” الرامية إلى الإطاحة بالأسد، ذلك لأن إيران أكبر حليف للأسد، ما يعني أن هذه الخطوة كانت دعمًا غير مباشر للأسد. فضلاً عن كل ذلك فإن أردوغان ورط بهذه الطريقة بلاده في جرائم دولية وأساء إلى سمعتها، ويؤكد خبراء اقتصاديون أن الولايات المتحدة ستفرض عقوبات ثقيلة على البنوك التركية التي لعبت دورًا في اختراق العقوبات الأمريكية والأممية على إيران.

قمع في الداخل وعنترية في الخارج

بعد أن تلطخت سمعة أردوغان بـ”الفساد” والرشوة” داخليًّا، وبـ”الإرهاب” إقليميًّا ودوليًّا، منذ عام 2009، بدأ يغلب على نهجه “القمع” في سياساته الداخلية، خشية خروج الأمور من سيطرته، و”المناطحة” أو “العنترية” بعبارة أصحّ، في سياساته الخارجية، ويسعى لتحويل وجهة تركيا من “المعسكر الغربي” المنضبط إلى “المعسكر الشرقي” المنفلت، وعلى وجه التحديد منظمة “شنغهاي” للتعاون الاقتصادي بقيادة روسيا والصين. فبدءًا من عام 2013، أغلق أردوغان وسائل الإعلام المعارضة أو أخضعها لإرادته بفضل “سياسة العصا أو الجزر”، وأعاد تصميم كل أجهزة الأمن والقضاء والمحكمة الدستورية، بحجة تعرضه لـ”انقلاب مدني” من خلال استغلال “تحقيقات الفساد والرشوة”، وكذلك الجيش بدعوى تصديه لـ”انقلاب عسكري” ضد حكومته، وأجرى بهذه الذريعة عمليات ملاحقة ومطاردة واعتقال وفصل لم تقتصر على العسكريين فقط بل طالت مئات الآلاف من المواطنين المدنيين أيضًا، وفي نهاية المطاف أسس “جيش خاصًّا” مكوّنًا من الموالين له على غرار الحرس الثوري الإيراني.

أعربت الدول الغربية، في مقدمتها الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، عن قلقها من تغيّر محور تركيا منها إلى محاور أخرى، وانتقدت منظمات حقوق الإنسان العالمية المختلفة عبر تقاريرها الانتهاكات والتجاوزات الحقوقية وأعمال القمع في الداخل، والخروج عن إطار القانون الدولي في التعامل مع القضايا في الخارج، بحيث بدأت حكومة أردوغان تواجه كل يوم أزمة جديدة مع الدول الغربية. ونتيجة لهذا النهج، وافق البرلمان الأوروبي، منتصف هذا العام، على تجميد محادثات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي بأغلبية ساحقة بلغت 477 صوتًا مقابل 64 وامتناع 97 صوتًا، واتخذ قرارًا بقطع مساعدات بقمية 3 مليارات دولار كانت تُقدَّم لتركيا، كما اتخذت ألمانيا قرارًا بسحب قواتها العسكرية في قاعدة إنجيرليك بمدينة أضنة.

وعلى الرغم من أن أردوغان علق آمالاً كبيرة على إدارة ترامب، إلا أن التطورات اللاحقة جرت بما لا يشتهيه، إذ ذكرت صحيفة “واشنطن بوست” أن أردوغان طالب ترامب بالإفراج عن ضراب، وأن ترامب تعاطف مع هذا الطلب في بادئ الأمر، غير أن اعتداء الحرس الشخصي لأردوغان على المتظاهرين خلال زيارته إلى الولايات المتحدة في مايو/أيار الماضي، ومن ثم فتح تحقيقات بحقهم، أغلق هذه الصفحة، كما ذكرنا سالفًا.

تقارب تركي مع إيران وروسيا على حساب “الناتو”

من جانب آخر، بدأت الصحف الأمريكية تناقش إنهاء مسيرة تركيا في “حلف الناتو”، حيث قالت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية إن خبراء الناتو يبحثون مستقبل تركيا والأسلحة النووية بقاعدة إنجرليك، فيما أكد كاتب صحيفة “فورين بوليسي” ستيفن كوك، أن تركيا وأمريكا أصبحتا دولتين منافستين لبعضهما البعض في الشرق الأوسط أكثر من كونهما حليفين، وأن عصر ازدهار الشراكة الأمريكية – التركية قد ولّى، لافتًا إلى تقارب تركيا مع إيران وروسيا، وأن القيادات التركية، بما فيهم القيادات العسكرية، لم يعودوا يدعمون الغرب، وأنهم غير أهلٍ للثقة ويُشتبه في عدائهم للغرب، وخصوصًا الولايات المتحدة. وذكر كوك في هذا الإطار الزيارة المتبادلة بين رئيسي أركان تركيا وإيران لأول مرة منذ الثورة الإيرانية في 1979، وأوضح أنه كان يُعتقد خلال تسعينات القرن الماضي أن تركيا سترشد دول آسيا الوسطى، وستقر الأمن والسلام في دول الشرق الأوسط، وستصبح دولة نموذجية في الربيع العربي، غير أنه لم يتحقق أي من هذه التوقعات، وعزا سبب هذا إلى المبالغة في تقدير قدرة أردوغان، والعجز عن قراءة سياسته الداخلية ونظرته للعالم، في إشارة منه إلى التحولات والتقلبات المستمرة لأردوغان.

ومن المحتمل أن النتائج التي ستسفر عنها محاكمة ضراب ستكون حاسمة لمسيرة أردوغان الحافلة بالذبذبات والتقلبات. وهذه المعادلات تدفع أردوغان، طوعًا أو كرهًا، إلى الحاضنة الإيرانية الروسية الصينية بدلاً من الحاضنة الأطلسية الحالية. لكن ذلك لا يعني أن الأخيرة ستفتح صدرها له وسترحب به بكل حفاوة، لأنها كذلك لا تثق في أردوغان المتذبذب المترنح كالأرجوحة بين الحاضنتين لا هؤلاء ولا هؤلاء، بل تراه أداة صالحة لتحقيق أهدافها يجب التخلي عنها بعد قضاء الحاجة منها. وأصدق دليل على ذلك الاختلاف بينها وبين أردوغان في مسألة انضمام الأكراد إلى مباحثات الأزمة السورية.

هذه هي القصة المؤلمة لـ”تركيا أردوغان” التي بدأت بأحلام الوصول إلى مصاف الدول الكبرى من حيث الحقوق والاقتصاد، وقطعت فيها أشواطًا عريضة، لكنها انتهت بتراجع تركيا إلى دركة دول العالم الثالث، بعد أن وضعتها إيران على سفينة “مافي مرمرة” وأرسلته إلى ‏فلسطين أولاً، ثم رفعته على أمواج “الربيع العربي” ووجّهتها نحو ‏سوريا ومنطقة ‏الشرق الأوسط عموماً، وأخيراً خنقت ‏”تركيا الصاعدة” في عقر دارها، وأنقذت جواسيسها مع الفاسدين، بعد غلق قضيتي الفساد والرشوة وتنظيم السلام والتوحيد التابع لقاسم سليماني، وطردت تركيا من المنطقة وأعادتها إلى “حجرتها القديمة الصغيرة” المعزولة عن العالم لتبقى المنطقة برمتها لها ولحلفاءها!

وليس أدل على ذلك مما قالته صحيفة “اعتماد” الإيرانية: “لقد عادت تركيا إلى مواقف إيران في كل من سوريا والعراق، وأهم تطور يدل على ذلك الزيارةُ المتبادلة بين رئيسي أركان البلدين”، وتعليق صحيفة “زنان” الإيرانية أيضًا: “في خطوة غير مسبوقة، إيران تعقد اتفاقًا عسكريًّا مع إحدى الدول الأعضاء في حلف الناتو!”.

والآن لا بد أن نطوي صفحات الزمان لنعود إلى “نقطة الصفر”، ونحاول تلمّس بذور الأحداث التي أثمرت هذه الثمرات الحنظلية المرّة كما قلنا في بداية هذا التقرير.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صله