25 أبريل 2018

من فضلك اختار القائمة العلويه من القوائم داخل لوحة التحكم
makale
beyann
beyann

نظرة شمولية لمحاولات القضاء على “الكوادر الوطنية الديمقراطية” في تركيا (1)

نظرة شمولية لمحاولات القضاء على “الكوادر الوطنية الديمقراطية” في تركيا (1)
beyann
beyann

بقلم: محمد عبيد الله

شهدت تركيا في الأسبوع الأخير تطورين خطيرين سيتركان بصماتهما على الأيام القادمة، تجلى أحدهما في الإفراج عن مدير أمن إسطنبول السابق “حسين تشابقين” في 19 من ديسمبر الجاري (2017)، بعد اعتقاله بتهمة “الصلة بحركة الخدمة” عقب الانقلاب الفاشل، والآخر في مطالبة النيابة العامة بعد يومين فقط من هذا القرار بإنزال عقوبة الحبس المؤبد على 60 جنرالاً وضباطًا عسكريًّا يخضعون للمحاكمة في إطار قضية “الانقلاب الأبيض” الذي شهدته البلاد في 28 فبراير/شباط 1997، في مقدمتهم رئيس الأركان الأسبق الجنرال “إسماعيل حقي كارادايي” والجنرالان “تشافيك بير” و”تشاتين دوغان”.   

الإفراج بكفالة شخصية مثيرة!

والباعث على الحيرة والدهشة أن “محمد آغار”، وزير الداخلية الأسبق في عهد رئيس الوزراء الأسبق “تانسو تشيلّر”، والذي تورط اسمه في حادث “سوسورلوك” المروري الشهير الذي وقع عام 1996 وكشف الكثير من أبعاد وأسرار ما يسمى في تركيا بـ”الدولة العميقة”، والذي يعتبر وزير الداخلية الحالي “سليمان سويلو” من “شيعته”، كان أحد الشهود في المحكمة التي نظرت قضية مدير أمن إسطنبول، وأدلى بشهادته لصالحه، وبرأه من تهمة الصلة المزعومة بحركة الخدمة، مع إبقاء الباب مفتوحًا بالإشارة إلى “بعض الأخطاء التي ارتكبها تشابقين في هذا الصدد”، مما أدى بالمراقبين إلى التعقيب على قرار الإفراج عنه “قيد المحاكمة” بأنه أخلي سبيله بـ”كفالة محمد آغار”.

رسالة من “أرجنكون” إلى أردوغان

واعتبر بعض المحللين خطوة إخلاء سبيل مدير أمن إسطنبول “رسالة” موجهة إلى الرئيس أردوغان من قبل تنظيم “أرجنكون”، الذي يعتبر “الجزء الظاهر” من جسم هذه الدولة العميقة، التي تظهر بأشكال شتى بحسب الظروف الزمانية والمكانية، تحذره من الخروج عن “الإطار المرسوم له” أو تهدده بأن الدور جاء عليه، بعد القضاء على “الكوادر الوطنية الديمقراطية” تمامًا، تحت ذريعة مكافحة “حركة الخدمة”، بالاستفادة من النظرة السلبية الدولية المتفاقمة يوميًّا إلى أردوغان.

وتفصيل ذلك أن حسين تشابقين لم يكن مجرد مدير أمن عاديّ، وإنما كان رئيس جهاز الأمن الذي اعتقل رجل الأعمال التركي الإيراني رضا ضراب، الذي اعترف للمحكمة الأمريكية في قضية “خرق العقوبات على إيران” المنظورة حاليا باتفاقه مع أردوغان للاحتيال على العقوبات الدولية على إيران، بالإضافة إلى اعتقاله أبناء وزراءه السابقين في إطار قضية الفساد والرشوة عام 2013. بمعنى أن تنظيم أرجنكون يلوّح لأردوغان بورقة ملفات الفساد وأمثالها التي يحوزها بكثرة، وبأنه يمكنه أن يوظِّف اعترافات رضا ضراب باعتباره “شهد شاهد من أهلها” في إنهاء حكمه.

أردوغان يكشّر عن أنيابه!

إلا أن أردوغان لم يقف مكتوف اليدين إزاء تهديدات أرجنكون، وإنما كشّر عن أنيابه عندما أمر النيابةَ العامة بالمطالبة بعقوبة الحبس المؤبد لستين جنرالاً وضابطًا مرتبطين مع أرجنكون ويخضعون للمحاكمة في إطار قضية انقلاب 28 شباط “الناعم”، بعد أقل من أسبوع من قرار الإفراج عن مدير أمن إسطنبول. ووجدنا فرح إعلام أردوغان ونشوته بهذا القرار من خلال العناوين التي وضعها في صفحاته الأولى، حيث وضعت صحيفة “صباح” المملوكة لعائلة أردوغان مانشيت: “ليس انقلابًا ناعمًا بل انقلاب حقيقي: طلب الحبس المؤبد لستين انقلابيًّا”، فيما عنونت صحيفة “ستار”، التي تعتبر المتحدثة باسم الحكومة: “تحجيم وتأديب للجنرالات”، وكذلك وضعت كل الصحف الأخرى الداعمة لأردوغان عناوين مشابهة.

مواقف متباينة بين إعلام أردوغان وأرجنكون

أما إعلام أرجنكون فحاول ربط قضية “الجنرالات الانقلابيين” مع حركة الخدمة، كعادته، عن طريق التذكير بأن المدعي العام الذي أعد مذكرة الادعاء الخاصة بهذه القضية قبل 5 سنوات هو “مصطفي بلجيلي” القابع حاليًّا في السجن بتهمة “الانتماء إلى حركة الخدمة”. فصحيفة “آيدينليك”، التي تعتبر المتحدث باسم إحدى المجموعات المؤثرة في أرجنكون، صدرت بعنوان “تنظيم فتح الله كولن أعد مذكرة الادعاء وقدمها المدعي العام للمحكمة”، وانتقدت موقف إعلام أردوغان بعنوانها الفرعي قائلة: “انبعاث روح تنظيم فتح الله كولن لدى إعلام السلطة!”، بينما وضعت صحيفة “سوزجو” المعروفة بجذورها العلمانية عنوان “طلب الحبس المؤبد لستين جنرالاً بناء على أدلة قدمها تنظيم فتح الله كولن…”، وزعمت أن المدعي العام زكريا أوز، “المنتمي إلى حركة الخدمة”، الذي أشعل فتيل قضية أرجنكون، من يقف وراء هذه القضية أيضًا، وأن أدلة الإدانة مزورة غير صحيحة.

تصدع في التحالف بين أردوغان وبرينتشاك

أما زعيم حزب الوطن “دوغو برينتشاك”، الذي يتبنى الفكر العلماني اليساري اللنيني، ويقدِّم نفسه كممثّل “المعسكر الأوراسي” في تنظيم أرجنكون، والذي خرج من السجن بعد تحالفه مع أردوغان عقب اعتقالٍ دام ستّ سنوات في إطار قضية أرجنكون، فكتب في صحيفة آيدينليك الصادرة اليوم الثلاثاء: “بعد النجاح في التصدي لمحاولة الانقلاب في 15 تموز/يوليو 2016، عادت تركيا إلى برنامج وتيرة 28 شباط 1997، بعد أن توقف مدة معينة من الزمن”، في إشارة منه إلى البرنامج الذي وضعه المجلس العسكري الانقلابي في 1997 وزعم أنه سيستمر ألف عام كامل.

هذه التصريحات تكشف الاختلاف في وجهات النظر بين أردوغان المطالِبِ بالحبس المؤبد للجنرالات “الانقلابيين” وبرينتشاك المطالب باستمرار برنامج 28 شباط “الانقلابي”.كما أن كلمة “البرنامج” تعيد للأذهان التصريحات التي أدلى بها برينتشاك أكثر من مرة في أوقات مختلفة لوسائل الإعلام، والتي قال فيها: “نحن لم نطلب الاتفاق مع أردوغان ولم نتبنَّ برنامجه، وإنما هو من أتى إلينا وتبنى برنامجنا. فنحن من وضعنا مشروع القضاء على حركة الخدمة وليس أردوغان”.

كما يبدو أن عناوين إعلام كل من أردوغان وأرجنكون تدل على أن الطرفين على دراية جيدة برسالات التهديد المتبادلة بينهما. والواقع أن عناوين صحف أردوغان تتناقض مع مزاعمها الذاهبة إلى أن قضايا “باليوز/المطرقة” و”أرجنكون” و”جيتام” الانقلابية من تدبير حركة الخدمة، وأدلتُها مزورة، بهدف إقناع قاعدتهم الشعبية بأن تحقيقات الفساد والرشوة عام 2013 كانت مؤامرة نصبتها حركة الخدمة للإطاحة بالحكومة، بهدف إغلاق هذه التحقيقات، إلا أن مناورات أردوغان المتناقضة لا تزال تجد آذانًا صاغية لها من أنصاره على الأقل.

خطوة خطيرة نحو حرب أهلية

بعد ثلاثة أيام من طلب الحبس المؤبد للجنرالات الانقلابيين، اتخذ أردوغان في 24 ديسمبر/كانون الاول 2017 خطوة خطيرة للغاية، وتدل على أن “السيوف استلّت من أغمادها” فعلاً بين تنظيم أرجنكون وجماعة أردوغان. إذ أصدرت الحكومة مرسومًا جديدًا ضمن قانون حالة الطوارئ يحصن المشاركين في “أحداث غير قانونية” ليلة الانقلاب من الملاحقة القضائية. وبموجب المرسوم “فإن الأشخاص الذين شاركوا في صدّ محاولة الانقلاب التي شهدتها البلاد في 2016، والأحداث الإرهابية التالية لها تم تحصينهم تماما دون النظر إلى ما إذا كانوا يحملون صفة رسمية أو لا؛ أو يقومون بوظائفهم أو لا”. وبهذا يكون قد فرض القانون حصانة قضائية على الذين قتلوا 250 مواطنًا ما بين عسكري ومدني في ليلة الانقلاب.

لكن خطورة تلك المادة تكمن في أنها لا تختص بالأحداث التي وقعت ليلة الانقلاب فقط، بل نصت أيضا على حماية المشاركين في “الأحداث المتعاقبة” دون وضع إطار زمني محدد، حيث تتيح بذلك فرصة الإفلات من العقاب تحت مسمي “صدّ الانقلاب” منذ وقوع الانقلاب إلى ما لا نهاية، ودون النظر في صفة المشاركين بهذه الأحداث سواء كانت “رسمية أو غير رسمية؛ أو يقومون بوظائفهم أو لا”، وجميعها تعبيرات فضفاضة، تتيح لمتخذ القرار الحرية في عدم معاقبة أي مرتكب جرم، الأمر الذي دفع كل الأحزاب المعارضة، وشخصيات سياسية قريبة من أردوغان، بينها الرئيس السابق عبد الله جول، إلى دعوة أردوغان لسحب هذا المرسوم، نظرًا لأنه بمثابة “دعوة رسمية لحرب أهلية”.

 

 

nil

مقالات ذات صله

makale