9 أغسطس 2020

من فضلك اختار القائمة العلويه من القوائم داخل لوحة التحكم

لماذا ينتهك المسلمون حقوق بعضهم البعض؟

لماذا ينتهك المسلمون حقوق بعضهم البعض؟
zaman

 بقلم: علي بولاج

إن المشاكل التي يعاني منها العالم الإسلامي اليوم أكبر وأعمق مما نتصور، وإن العنصر الرئيس الذي أظهر الخلافات البشرية في أول مجتمع إنساني هو العنصر ذاته الذي نتجت عنه الخلافات الحاصلة اليوم بين الإنسانية بوجه عام، والمسلمين بوجه خاص.

هناك علاقة بين تجاوز الحدود والاستكبار من ناحية وبين حرص الإنسان وجشعه من ناحية أخرى. فمن يحاول انتهاك حقوق الآخرين يريد أن يلبس الأبدان الضعيفة رداء الظلم. وهو يستمتع بهذا بطريقة نرجسية، وبالتأكيد يحقق مصالح لنفسه.
كان الفيلسوف السويسري جان جاك روسو يعتقد أن البشر في الوضع الطبيعي يعيشون في توافق وتناغم، أما الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز فكان يقول دائمًا: “الإنسان ذئب لأخيه الإنسان”، فيما يستخدم القرآن الكريم عبارات تشير إلى أن النظريتين تعتبران فترتين تبعت إحداهما الأخرى في الزمن التاريخي الأول، فيقول الله في كتابه العزيز “كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ” (البقرة – 2).

يشير المفسرون إلى أن المجتمع الإنساني الأول حكم بما أنزله الله فيما بين أعضائه، وأنه نظم علاقاته الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والقانونية وفق دين التوحيد، وأسس “الأمة الواحدة” التي تعتبر وحدة عقدية وسياسية، ولا شك في أن الناس خلال عصر “الأمة الواحدة” لم يكونوا جميعًا متجانسين. وحدثت بينهم بعض الخلافات والنزاعات، غير أنهم كانوا يحلّون هذه الخلافات بالشريعة المعمول بها في الحياة الأخلاقية والسياسية والقانونية لمجتمعهم، أي بالإسلام، وكانوا يعاقبون من لا يتبع هذه القواعد والأحكام.

لكن الناس لم يواصلوا السير في هذا الطريق دائمًا، وبدأت فئة منهم لا تعترف بالأوامر والأحكام. وما حدث بعد هذا التطور كان خطيرا، فقد وُلد الانفصال، وبدأ التمزّق والتشرذم، وانقسم أول مجتمع منسجم في تاريخ البشرية وفي هذه “الأمة الواحدة” التي أرسى الناس أسسها.

كان سبب اختلافهم وجدالهم هو “بغيهم”. فبينما كان الناس يعيشون في ظل التناغم والانسجام في وقت من الأوقات، بدأوا يحسدون بعضهم البعض وينتهكون الحقوق والقوانين إرضاءً لأهوائهم وطموحاتهم، ووضعوا أهواءهم ورغباتهم في المقام الأول، واستهانوا بأحكام الله وخالفوا القواعد. وبطبيعة الحال لم يكن أفراد المجتمع الآخرون سيصمتون أمام هذا الموقف المتغطرس والمتمرد، فعارضوا المتمردين وقالوا لهم: “ماذا يحدث لكم؟ كيف تتجرؤون وتنتهكون القوانين الموضوعة؟” وعليه، فقد نشبت صراعات كبيرة بين الفريقين، وكبرت الخلافات وتفاقمت، وفي نهاية المطاف دُمرت وحدة الأمة، وبدأت حبات العقد تنفرط.

لماذا ينتهك المسلمون حقوق بعضهم البعض في حين أن لديهم الكتاب الذي يهديهم إلى الصراط المستقيم؟ ونلاحظ بشكل واضح أن المسلمين ينتهكون الأحكام الموضوعة، ولا يحلّون خلافاتهم وفق أحكام كتابهم الذي آمنوا به بألسنتهم. هل المسلمون لا يؤمنون بكتابهم أم أنهم يتجاوزون الحدود عمدًا في حين أنهم يؤمنون بهذا الكتاب؟
فماذا كانت خصائص هذه الخلافات؟ .. من الواضح أن هذه الخصائص كانت الرغبات والمصالح وعشق السلطة المترسخة في فطرة الإنسان والمتعارضة مع تلك الموجودة عند أناس آخرين. وهذه الخلافات من نوعية النزاعات التي تظهر أثناء تنظيم العلاقات بين البشر. وقد استخدم التعبير القرآني كلمة “البغي” لوصف هذه الحالة.

يعرّف العالم راغب الأصفهاني مصطلح البغي بأنه محاولة تعدّي الحدود الاقتصادية بالمعنى الكمّي. ويجب ألا يفكر عقلنا بأن المقصود بكلمة “الاقتصادية” هنا هو الاقتصاد الذي نعرفه. فهذه الكلمة تعني في هذا الموضع “الطريق الوسط والخط العادل”. ولقد ركّز الإمام الغزالي على الاقتصاد في الاعتقاد. وباختصار، فإن الذي يحاول أن يبغي هو الشخص الذي يحاول تجاوز الطريق القويم والعادل الذي حدده مصدر أو سلطة خارجة عن إرادته. وإذا استخدمنا هذه الكلمة مع السماء، فإنها تعني إفراغ الكوب من الماء وهطول الأمطار بشكل أكبر من حاجة البشر. وإن الشخص الذي يبغي يتكبر ويستعلي على البشر؛ إذ يقول الله في القرآن الكريم ” وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ” (العنكبوت – 39).

وهناك علاقة بين تجاوز الحدود والاستكبار من ناحية وبين حرص الإنسان وجشعه من ناحية أخرى. فمن يحاول انتهاك حقوق الآخرين يريد أن يلبس الأبدان الضعيفة رداء الظلم. وهو يستمتع بهذا بطريقة نرجسية، وبالتأكيد يحقق مصالح لنفسه.

وسؤالنا هو: لماذا ينتهك المسلمون حقوق بعضهم البعض في حين أن لديهم الكتاب الذي يهديهم إلى الصراط المستقيم؟ ونلاحظ بشكل واضح أن المسلمين ينتهكون الأحكام الموضوعة، ولا يحلّون خلافاتهم وفق أحكام كتابهم الذي آمنوا به بألسنتهم. هل المسلمون لا يؤمنون بكتابهم أم أنهم يتجاوزون الحدود عمدًا في حين أنهم يؤمنون بهذا الكتاب؟

صحيفة” زمان” التركية

Attakallum2

مقالات ذات صله

Nile Center