12 مايو 2021

من فضلك اختار القائمة العلويه من القوائم داخل لوحة التحكم

الغرب والأستاذ غولن.. كَبْشَا فداء أردوغان

الغرب والأستاذ غولن.. كَبْشَا فداء أردوغان
zaman

بقلم: إحسان يلماظ

يبدو أنه لا شيءَ يُمثِّل معيارًا عند أردوغان سوى تحقيق الفوز في الانتخابات، ومِن ثَمَّ الاحتفاظ بالسُّلطة، فهو على استعدادٍ لفعل كل ما قد يتطلبه الأمر للبقاء في سُدَّة الحكم وتعزيز النفوذ. لذا فإنه دائم الإصرار على قول أشياءَ يعرف الجميع عدم صِحَّتها، وعلى الخروج باتهاماتٍ لا أساس لها تنال من أشخاص وجماعاتٍ ودول أخرى، في محاولةٍ منه لشَنِّ حربٍ نفسيَّة ضدّ كل هذه الجهات.
سبق وقلتُ في الأسبوع الماضي إن النمط العقلي الذي ينزع إليه رئيس الوزراء أردوغان في إدارة الدولة إنما هو نمطٌ ميكيافيلّيٌّ هوبزيٌّ، كما قلتُ إنه في ما يبدو لا يرى نفسه مُلزَمًا بالقانون الطبيعي أو المعايير العالمية أو حقوق الإنسان أو الالتزامات الدولية أو الأخلاقيات أو الفضائل.

ويبدو أنه لا شيءَ يُمثِّل معيارًا عنده سوى تحقيق الفوز في الانتخابات، ومِن ثَمَّ الاحتفاظ بالسُّلطة، فهو على استعدادٍ لفعل كل ما قد يتطلبه الأمر للبقاء في سُدَّة الحكم وتعزيز النفوذ. لذا فإنه دائم الإصرار على قول أشياءَ يعرف الجميع عدم صِحَّتها، وعلى الخروج باتهاماتٍ لا أساس لها تنال من أشخاص وجماعاتٍ ودول أخرى، في محاولةٍ منه لشَنِّ حربٍ نفسيَّة ضدّ كل هذه الجهات. ورغبةً منه في تحقيق تلك الغاية فإنه سيواصل سعيه لشيطنة العالَم الغربي وتشويه صورة الأستاذ فتح الله كولن الذي يحاول أردوغان تصويره على أنه ألعوبةٌ في يد الغرب.

كذلك فإنه سيواصل اللعب على وتر المشاعر المعادية للغرب ولإسرائيل في أثناء تجمُّعاته العامة، وكذا محاولة تعميقها وزيادة حِدَّتها، لدرجة تصريحه -بكل بساطةٍ- في معرض ردِّه على الانتقادات التي وجَّهها إليه الرئيس الألماني قائلًا: “لَعلَّه يعتقد أنه ما زال كاهنًا مسيحيًّا”، وذلك على الرغم من علمه جيِّدًا بما يُبطِنه أنصاره القوميون المحافظون (البالغة نسبتهم 43 بالمئة من الجمهور) من تصوُّراتٍ عقليةٍ تتَّسم بالتنميط والشيطنة حِيالَ “المسيحيين الصليبيين”، ممَّا يعني استغلاله مثل هذه المشاعر وترسيخه إيَّاها على حَدِّ سواءٍ.

كتبتُ في الأسبوع الماضي: “فلتحقيق الفوز في الانتخابات الرئاسية، سيتعيَّن عليه (أردوغان) مواصلة السعي للإبقاء على حالة الاستقطاب التي تضرب المجتمع، وسيتابع اختلاق الأعداء الغامضين الوهميين، ليقدم نفسه كما لو كان ضحية، وسيستمر في تخيُّل غزاةٍ صليبيِّين غربيِّين ما بعد حداثيِّين يسعون للهجوم على القائد المتألِّق المحتمَل للعالَم الإسلامي، أي عليه هو نفسه. كذلك فإنه سيستأنف جهده الرامي إلى إظهار حركة (الخدمة) في صورة الدُّمية التي تحرِّكها هذه القوى الغربية -أو حتى اليهودية المسيحية- المظلمة، لافتقاره إلى الوقت الكافي لافتعال عَدُوٍّ جديدٍ مع اقتراب وقت الانتخابات الرئاسية. ورغبةً منه في (إثبات) هذه المزاعم، فقد يحتاج إلى صِدَامٍ جِدِّيٍّ مع الغرب، ولَعَلَّ محاولته إعادة تحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجدٍ تمنحه هذه الفرصة، إذ سيعمل على استغلال ردود الفعل الغربية في هذا الصدد على نحوٍ يتَّسم بالبراعة والدهاء لإثبات وجهة نظره.

لتحقيق الفوز في الانتخابات الرئاسية، سيتعيَّن على أردوغان مواصلة السعي للإبقاء على حالة الاستقطاب التي تضرب المجتمع، وسيتابع اختلاق الأعداء الغامضين الوهميين، ليقدم نفسه كما لو كان ضحية، وسيستمر في تخيُّل غزاةٍ صليبيِّين غربيِّين ما بعد حداثيِّين يسعون للهجوم على القائد المتألِّق المحتمَل للعالَم الإسلامي، أي عليه هو نفسه.
وكان أردوغان بدأ هذه اللعبة بالفعل في أثناء حديثه إلى تشارلي روز، مقدِّم البرامج في شبكة “بوبليك برودكاستنغ سيرفيس” الأمريكية، حيث صرَّح بعزمه على أن يطلب من الولايات المتحدة تسليم الأستاذ فتح الله كولن. وهو يهدف بهذا التصريح إلى إقناع ناخبيه بأن الأستاذ كولن ليس سوى مجرمٍ توفِّر له الولايات المتحدة الحماية وتقدِّم له الدعم. وأيًّا كانت الطريقة التي سيأتي عليها ردّ فعل السلطات الأمريكية في هذا الخصوص، فإن أردوغان سيعمل على استغلالها، فهو يَعِي جيِّدًا عدم وجود أي دليلٍ قضائيٍّ ضدّ الأستاذ كولن، وأنه على الرغم من الضغوط التي يمارسها لم توافق النيابة العامة على إصدار لائحة اتهامٍ بحقِّ الرجل، لأنها تدرك أنها قد تخضع للمساءلة -بعد عدة سنواتٍ- حين تعود الديموقراطية وسيادة القانون إلى تركيا. ومع ذلك، فإنه سيواصل الحديث عن هذه المسألة، في محاولةٍ منه لـ”إثبات” مناوءة الغرب له، ممّا يترتَّب عليه ضرورة اتحاد الناخبين خلفه أو خلف أي مرشحٍ يراه ملائمًا للسباق الرئاسي، حتى إن بوسعه الدفع باتجاه تقديم طلبٍ مثيرٍ للسخرية لدى الولايات المتحدة، وإذا ما أقْدَمَتْ أمريكا على رفض الطلب فإنه سيستغلّ هذا الرفض في أثناء لقاءاته الجماهيرية دليلاً يُظهِر تعاون أمريكا مع الأستاذ كولن بغرض إسقاط حكومته. وكما أردفتُ فإن رئيس الوزراء لا يلتزم بما تقتضيه الأخلاق، كما أنه يعلم جيدًا باستشراء الفساد في تركيا، غير أنه يُفضِّل تقديم نفسه على أنه ضحية. ولقد نجح أردوغان ببراعةٍ في الدفع بالمراقبين الغربيين إلى هذا المأزق، فلو أنهم يتحدثون عَلَنًا ضِدّ السُّلطوية المتنامية في البلاد فإنه يستغلُّ رَدَّ الفعل هذا لاختلاق وَهْمِ شَنّ حربٍ صليبيةٍ ضدّه وضدّ تركيا، ولو أنهم أمسكوا عن التفاعل فإن من شأن ذلك أن يدفع الأشخاص والجماعات والقوى والمؤسَّسات الديموقراطية داخل تركيا إلى الاستياء الشديد. إنه ساحرٌ سياسي. أعاذنا الله وأعاذ ديموقراطيتنا من شروره!
ـــــــــــــــــــــــــ
جريدة تودايس زمان، 30 أبريل 2014.

Attakallum2

مقالات ذات صله

Nile Center