18 أكتوبر 2019

من فضلك اختار القائمة العلويه من القوائم داخل لوحة التحكم

أردوغان في مواجهة محاكمة القرن

أردوغان في مواجهة محاكمة القرن
gazeteciler

بقلم: محمد عبيد الله

برلين (الزمان التركية) – حبس الجميع أنفاسه وينتظر بفارغ الصبر شهر ديسمبر / كانون الأول المقبل، حيث سينزاح الستار عن مسار أحد أكبر القضايا التي عرفتها البشرية قاطبة، ألا وهي قضية إمبراطور الذهب الإيراني “رضا ضراب”، المتهم بالتحايل على العقوبات الأمريكية والأممية المفروضة على إيران بالتعاون مع شركائه الأتراك، يأتي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في مقدمتهم.

ومن المفارقة أن ديسمبر / كانون الأول يشكل شهرًا مفصليًّا في تاريخ تركيا الحديثة أيضًا، إذ استيقظت أراضي “الأناضول” في مثل هذا الشهر من عام 2013 على وقع الفضيحة الأكبر طيلة تاريخها الطويل، بعد أن ألقت السلطات الأمنية القبض على عدد من كبار الموظفين في القطاع العام، وأبناء أربعة وزراء في حكومة أردوغان آنذاك، ورجال أعمال، في مقدمتهم التركي الإيراني الأصل رضا ضراب، بالإضافة إلى إصدارها قرارًا، في الشهر ذاته، باستدعاء مجموعة أخرى، بينهم بلال أردوغان، نجل الرئيس التركي، للاستماع إلى أقوالهم في تهم تتعلق بالفساد والرشوة وغسل الأموال والتزوير في الوثائق والمستندات.

“الفساد” نقطة مشتركة بين القضيتين

من الضروري أن نسلط الضوء على ماهية الجريمة التي أسندتها كل من السلطات التركية والأمريكية إلى هذه الشبكة التركية – الإيرانية بزعامة أردوغان وضراب، حتى تتبين خطورة الجريمة المرتكبة والأضرار الفادحة التي ألحقت بتركيا. وعليه، فالتهم التي وجهها الأمن والقضاء التركي إلى هذه الشبكة في عام 2013 هي “تأسيس تنظيم من أجل القيام بأعمال فساد ورشوة وغسل أموال وتهريب وتزوير في الوثائق والمستندات تحت مسمى التجارة”، بينما الجريمة التي تسندها السلطات الأمريكية حاليا إلى الشبكة، والتي لها علاقة بقضية الفساد الأولى هي “استخدام النظام المالي الأمريكي من أجل التحايل على العقوبات الدولية المفروضة على إيران واختراقها”.

أما المتهمون المشتركون في القضيتين هم: رجل الأعمال رضا ضراب ورجله الأول عبد الله حباني، ووزير التجارة السابق ظفر تشاغلاين، ورئيس بنك هالك التركي سليمان سويلو ونائبه محمد هاكان آتيلا.

لكن هناك فرق جوهري بين الاتهامين ينطوي على أهمية كبيرة؛ فنظرًا لأن القانون التركي لا يتضمن جريمة تحت اسم “اختراق العقوبات المفروضة على إيران”، يركز أردوغان على هذا الجانب ويرد الاتهامات الموجهة إليه قائلاً: “نحن كدولة لم نتخذ أي قرار بفرض عقوبات اقتصادية على إيران، لذلك تجارتنا معها، أيًّا كان نوعها، قانونية وليست بجريمة”، ومن ثم يحاول إقناع قاعدته الشعبية والرأي العام بأنهم نجحوا في كسر حصار دولة “إسلامية” من جانب، وفي تحقيق قفزة اقتصادية لتركيا من خلال هذه التجارة، من جانب آخر.

ولإزالة اللبس في الأذهان لا بد أن نوضح أن لهذه القضية ثلاثة أبعاد: 1- البعد القانوني، 2- البعد الاقتصادي 3- البعد الأمني، والآن نتناول هذه الأبعاد الثلاثة كلاً على حدة:
البعد القانوني:

وهو أن القوانين البشرية والسماوية، على حد سواء، تنص بصورة صريحة على حرمة كل أنواع الفساد والرشوة وغسل الأموال والتهريب بكل أصنافه، تحت أي مسمى وأي ذريعة كانت. ولا يمكن لمن يرتكب هذه الجرائم أن يدافع عن نفسه بأنه ارتكبها في سبيل خرق الحصار الاقتصادي المفروض على دولة إسلامية (!) والنهوض باقتصاد البلاد! وهذا يشكل الجانب المحلي للقضية.

أما الجانب الدولي، فمع أن القانون التركي لا يتضمن جريمة باسم “اختراق العقوبات على إيران”، لكن القرارات الصادرة من مجلس الأمن الدولي ملزمة لتركيا أيضًا، بموجب أنها عضو في الأمم المتحدة، والعقوبات المفروضة على إيران بسبب ملفها النووي عقوبات دولية وليست أمريكية فقط.

وبالمناسبة فقد استند المحققون في مدينة نيفيورك إلى تنصتات الأمن التركي في إطار قضية الفساد والرشوة عام 2013 ، والتي زعمت حكومة أردوغان حينها أنها مزورة وممنتجة، وأدرجوها ضمن أدلة اتهام قضية رضا ضراب.

البعد الاقتصادي:

هذا البعد معقد إلى حد ما ويحتاج إلى تفصيل: فإذا نظرنا إلى مزاعم أردوغان حول المصالح الاقتصادية التي حققتها تركيا جراء تجارة الذهب مع إيران، نرى أنها لا تعكس الحقيقة أيضًا، ذلك لأن العقوبات الدولية على إيران هي التي تصبّ في مصلحة تركيا وليس اختراقها. يتضح ذلك جليًّا عندما نعلم أن مجلس الأمن الدولي لم يطالب الدول الأعضاء بقطع كل علاقاتها الاقتصادية مع إيران، بل فرض قيودًا معينة على نقل الأموال والذهب إلى إيران، منعًا لتخصيب اليورانيوم الذي يشكل المادة الخام الأساسية للبرامج النووية. لذلك دعا الدول الأعضاء إلى الاستمرار في تجارة النفط والغاز مع إيران، بشرط دفع ثمنه بالبضاعات مثل المواد الغذائية والملابس والأدوات الإلكترونية وغيرها، بدلاً من العملة الصعبة (الدولار) أو الذهب.

وفي هذا الإطار، طلبت الولايات المتحدة حلفاءها وأعضاء مجلس الأمن الدولي، بينها تركيا، اختيار بنوك محلية لتتعامل معها “البنوك المراسلة الأمريكية” لتقديم خدمات تحويل الأموال وتمويل التجارة الخارجية والاعتمادات المستندية وغيرها من الخدمات المالية الأخرى لصالح عملائها المحليين أو أنشطة البنك الاستثمارية الدولية، على أن تتم المحافظة على أموال الحكومة الإيرانية التي حصلت عليها جراء بيع النفط والغاز في هذه البنوك، لتتاجر هي أو الشركات الإيرانية بهذه الأموال في الدولة المعنية، وتشتري بها حاجاتها من البضاعات. بمعنى أن الحظر كان منصبًّا على التجارة مع إيران بالدولار والذهب فقط.

وكانت بنوك “هالك” و”أكتيف” وجارانتي” و”دنيز” و”كويت ترك” البنوك المحلية التي اختارتها حكومة أردوغان لتتعامل معها البنوك المراسلة الأمريكية على أساس هذا النظام المالي الذي يصبّ في مصلحة تركيا، نظرًا لأن الأخيرة كانت ستشتري من إيران النفط والغاز، وإيران كانت ستستورد منها بضاعات مختلفة كالمواد الغذائية والعلاجية والملابس وغيرها. بمعنى أن الدولار أو الذهب كان سيبقى داخل تركيا ولن يغادر إلى إيران، بالإضافة إلى أن تركيا كانت ستبيع منتجاتها المختلفة لإيران، ما يعني أن ملايين الدولارات والضرائب الحاصلة من الصادرات إلى إيران كانت ستبقى في الخزانة التركية.

لكن ما حصل هو أن هذه الشبكة التركية – الإيرانية بقيادة أردوغان وضراب، الذي تصفه سجلات الأمن التركي بأنه “عميل لتنظيم السلام والتوحيد؛ ذراع الحرس الثوري الإيراني في تركيا”، ووفق ما جاء في وثائق قضية “السلام والتوحيد” التي أغلقها أردوغان، قامت الشبكة بالتحايل على هذا النظام المالي الأمريكي – التركي، من خلال تأسيس شركات صورية، والقيام بصادرات وهمية، والتزوير في الأوراق والمستندات البنكية، ومن ثم الزعْم بأنها اشترت النفط والغاز من إيران، وهي بدورها اشترت منها بضاعات في مقابل ذلك، وليس الدولار أو الذهب. كان كل شيء يبدو عاديًّا وقانونيًّا على الورق؛ فإيران باعت نفطها أو غازها لتركيا واستوردت منها في مقابله البضاعة!


هذه الشركات الصورية فتحت حسابات لها في البنوك المذكورة ووضعت فيها أموال النفط والغاز الإيراني المشترى. بمعنى أن ملايين الدولارات كانت موجودة حقيقة في هذه البنوك، لكنها لم تكن موجودة على الورق، ولا تظهر في النظام المالي الأمريكي – التركي. لكن كان يجب سحب تلك الدولارات من البنوك بعد هذه الصادرات الوهمية، ومن ثم إرسالها إلى إيران ذهبًا أو نقدًا. وهنا يأتي دور هذه الشبكة، حيث يقوم أعضاؤها بتحويل هذه الدولارات إلى يورو أو يشترون بها الذهب، نظرًا لأن تركيا لا تفرض على الذهب ضرائب، ثم يرسلون اليورو أو الذهب بوسائل نقل مختلفة غير قانونية إلى إيران عبر بلدان مختلفة، وذلك بعد حصول أعضاء الشبكة والبنوك – بطبيعة الحال – على عمولات عملاقة تبلغ مليارات الدولار.

وهذا يعني أن الأموال التي كانت يجب أن تذهب إلى خزانة الدولة – لو لم يتم اللجوء إلى طرق ملتوية – ذهبت إلى جيوب أعضاء هذه الشبكة، وعلى رأسهم أردوغان وضراب، وأن تركيا خسرت جراء التحايل على النظام المالي الأمريكي من أجل خرق العقوبات على إيران مرتين أولهما: مغادرة ملايين الدولارات منها إلى إيران، ثانيهما ضياع أموال الضرائب التي كانت ستحصل عليها الخزانة التركية لو تمت الإجراءات في الإطار القانوني والاتفاق الثنائي بين تركيا وأمريكا.

واللافت أن إيران أصدرت قرارًا بالإعدام بحق رجل الأعمال الملياردير الإيراني بابك زنجاني، وهو زعيم رضا ضراب، بتهمة اختلاس قسم من أموال النفط والغاز الإيراني المباع، وكان قد اعترف للمحكمة بأنه وزع مليارات الدولار على كبار المسؤولين الأتراك من أجل تسيير أموره وتسهيلها.

أدري أن المسألة معقدة قليلاً، لكن لو تم إدراكها كما ينبغي لتبين أن ما ادعاه أردوغان من أن بلاده ربحت كثيراً جراء تجارة الذهب مع إيران ليس إلا خرافة لا أصل لها من الصحة، بل تركيا خسرت مرتين، إلى جانب خسائر أخرى سأذكرها أدناه.

البعد الأمني:

لن أتطرق إلى البعدين الديني والأخلاقي لهذه الفضائح، نظرًا لأن أردوغان لم يعد يهتم بهما، لكن لا يمكنني أن أغضّ الطرف عن البعد الأمني لهذه القضية. لاحظوا أن حزب أردوغان وصل إلى الحكم بعد أخذ الإجازة من الدول الغربية، عقب الزيارات المكوكية لواشنطن والعواصم الأوروبية، وبات حليفًا إستراتيجيًّا لواشنطن والغرب عامة خلال الفترة الأولى والثانية من حكمه، وبدأ ينفذ المشروع الأمريكي – الغربي في منطقة الشرق الأوسط، إلا أن تقدمه في المنطقة توقف بالتدخل الإيراني في الأزمة السورية التي قصمت ظهر البعير. إذ لم يستطع أردوغان التغلب على عبقة إيران، ومن ثم روسيا عندما تدخلت بعمق في القضية. أردوغان كان يحاول إسقاط الأسد من جانب، ويقدم من جانب آخر طوق النجاة لإيران من خلال كسر حصارها الاقتصادي، على الرغم من أنها كانت أكبر حليف للأسد، فهل هناك تفسير معقول منطقي لهذه الخطوة؟!

تصوروا زعيمًا وقع وزراؤه أسرى في يد شاب إيراني لم يتجاوز عمره الثلاثين اتهمه الأمن التركي بالعمالة لإيران المنافس التاريخي لتركيا، فهل يمكن أن يطور وينفذ سياسات حرة مستقلة في الداخل أو الخارج؟ سأكتفي بضرب مثال واحد فقط على مدى خضوع وزراء أردوغان لهذا الشاب الإيراني بما قاله وزير الداخلية الأسبق معمر جولر عندما لاح في الأفق أمارات اعتقال ضراب: “لا تقلق يا رضا (ضراب) فإني أرتمي بين يديك لمنع شيء من هذا القبيل”.

وهذا الركوع الكامل أمام ضراب هو ما قاد أردوغان إلى إغلاق قضية الفساد وطيّ صفحته تمامًا، والإفراج عنه على وجه السرعة، عندما هدده من السجن بالكشف عن أسرار هذه الشبكة، بالإضافة إلى إغلاق كل القضايا الخاصة بالتجسس الإيراني في تركيا، وعلى رأسها قضية السلام والتوحيد المذكورة. بل لم يكتفِ بهذا القدر، وإنما أطلق حركة تصفية شاملة طرد في إطارها كل الكوادر الوطنية المعارضة لإيران من مؤسسات الدولة التركية، وزج بها في السجون. وكانت المؤسسة العسكرية بقيت خارج حركة التصفية هذه، إلا أنها أخذت نصيبها أيضًا عندما دبر أردوغان “انقلابًا” أو “عصيانًا محدودًا تحت السيطرة” أسفر عن تصفية الجنرالات والضباط المعارضين لإيران بعد اتهامهم بالانتماء إلى حركة الخدمة المستلهمة من فكر فتح الله كولن.

خلاصة القول: إن أردوغان باع تركيا برمتها إلى إيران وغيّر كل سياساته بعد ذلك بحيث جاءت جميع خطواته اللاحقة في صالح نظام الأسد وحليفه إيران، ولعل الزيارة المتبادلة بين رئيسي أركان تركيا وإيران كانت رمزاً يدل على تسليم تركيا لإيران على يد أردوغان.

لكن هذه الملفات عادت إلى الواجهة مجددًا عندما اعتقلت الولايات المتحدة الإيراني ضراب بتهمة خرق العقوبات الدولية على إيران بالتعاون مع أردوغان، وبدأت تتغير المعادلات على الساحة. إذ ضمّ ضراب اسم أردوغان وزوجته إلى القضية التي يتحاكم فيها في أمريكا، وهدده بصورة علنية أيضًا، الأمر الذي كفى ليقضّ مضجعه مرة أخرى ويجعله يهب من مكانه لفعل كل ما يلزم، لكن كل خطواته للمساومة مع واشنطن، لتسليم ضراب، بما فيها إرساله رئيس الوزراء بن علي يلدرم الأسبوع الماضي إلى أمريكا، باءت بالفشل، ويبدو أن خطواته اللاحقة في هذا المضمار لن تجدي نفعًا في المستقبل أيضًا.

خطأ إساراتيجي من أردوغان في اللحظة الأخيرة

والجدير بالذكر أن أردوغان أرسل مساء أمس الأربعاء مذكرة إلى الخارجية الأمريكية يبدي فيها قلقه على حياة “المواطن التركي” رضا ضراب على خلفية غياب أي معلومات عنه منذ خمسة أيام في سجنه، وذلك بعد أن أعلن في مؤتمر صحفي سابق أن قضية ضراب في أمريكا لا تتعلق به ولا بتركيا! إلا أن الخارجية الأمريكية طالبته بمراجعة وزارة العدل الأمريكية إن كان لديه أسئلة حول ضراب، بدلاً من إرسال مذكرة إليها، بمعنى أن واشنطن قالت لأردوغان: “إن هذه القضية ليست قضية سياسية بل قانونية! وإذا كان لديك أي شكوى فعليك اللجوء إلى المحكمة!”، الأمر الذي قضى تمامًا على كل أحلام أردوغان في التوصل إلى حل دبلوماسي في ملف ضراب.

ويشير محللون إلى أن إرسال أردوغان هذه المذكرة إلى الخارجية الأمريكية خطأ إستراتيجي، لأنه يأتي بمثابة الإعلان والاعتراف بأنه شريك لضراب ومتورط في الجرائم التي تورط فيها!

فضلا عن ذلك، فإن بعض المصادر زعمت أن أمبراطور الذهب ضراب أدلى باعترافات للمحكمة الأمريكية بحق أكثر من 200 شخص، بينهم وزراء أردوغان الأربعة الذين فتحوا أبواب البنوك التركية أمامه ليقوم بخرق العقوبات الدولية على إيران.

وأختتم بلفت الانتباه إلى أن هناك جانبًا مهمًا لهذه القضية غاب بشكل كامل تقريبًا عن الرأي العام والصحافة، ألا وهو أن اعترافات ضراب من المحتمل أن تشمل التنظيمات الإرهابية التي موّلها أردوغان، وفي مقدمتها داعش، بالأموال التي جمعها بمهارة هذه الشبكة التركية – الإيرانية، ولذلك ليس من المستبعد أن يواجه أردوغان في شهر ديسمبر/كانون الأول المقبل تهمًا تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية أيضًا، بعد أن كشف خبراء مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) كل المحادثات والمراسلات الإلكترونية التي جرت بين الطرفين وحركة مرور تلك الأموال المتحصلة من عملية بيع وشراء النفط والغاز الإيراني.

kanun

مقالات ذات صله