18 نوفمبر 2018

من فضلك اختار القائمة العلويه من القوائم داخل لوحة التحكم
tekellum1

تحديات جديدة: هل يستطيع حزب الله الصمود في وجه الضغوط العربية والدولية؟

تحديات جديدة: هل يستطيع حزب الله الصمود في وجه الضغوط العربية والدولية؟
gazeteciler

بقلم: محمد طاهر الباحث السياسي

القاهرة (زمان التركية) – منذ ظهور حزب الله اللبناني في ثمانيات القرن الماضي كذراع طولى لإيران خارج حدود الجمهورية “الإسلامية” الإيرانية وليد ثورة الخوميني عام 1979، نفذ الحزب عمليات لصالح طهران ضد مصالح غربية وأمريكية، واستطاع الحفاظ على قوامه الميلشياوي بعد انتهاء الحرب الأهلية وعقد اتفاق الطائف، ولعب دورا في تحرير الجنوب اللبناني عام 2000 وايضاً في 2006. ورغم ظروف حرب تموز استطاع الحزب الصمود في وجه القوات العسكرية الإسرائيلية. أما داخليا فتمدد حزب الله داخليا وهيمن على القرار الإستراتجي للدولة اللبنانية لصالح ايران، واستطاعت ميليشاته الهيمنة على القرار الأمني في لبنان وتكوين شبكة اتصالات خاصة به، بل استطاع أن يكون دولة داخل الدولة اللبنانية وأن يحصل على الثلث المعطل داخل الحكومة اللبنانية، حيث عانت لبنان كثيرا من سطوة حزب الله، كما وجهت لحزب الله اتهامات من تيار 14 آذار بتنفيذ اغتيالات سياسية لرموز التيار بداية من رفيق الحريري عام 2005 وصولاً لمحمد شطح عام 2014.

وكادت أزمة الفراغ الرئاسي في لبنان – التي استمرت لمدة عامين ونصف – أن تعصف بالاستقرار السياسي منذ اتفاقية الطائف والتي تُعد بمثابة الدستور الثاني للجمهورية اللبنانية، وذلك بسبب إصرار حزب الله على  عدم التنازل عن دعمه لترشيح الجنرال ميشيل عون المدعوم إيرانياً والذي انتخب في النهاية رئيسا في 31 اكتوبر 2016 بعد تسوية تاريخية من تيار المستقبل بقيادة سعد الحريري وتنازل مرشحه “سمير جعحع” لصالح عون، ليس خضوعاً لأهواء حزب الله، لكن من أجل حل الأزمة الرئاسية التي لو كانت استمرت أكثر من ذلك، لانزلقت لبنان في مستنقع الحرب السورية.

4 نوفمبر استقالة الحريري صفعة على وجه حزب الله:

هل قيام سعد الحريري بتقديم استقالته من رئاسة مجلس الوزراء اللبناني – قبل أن يتراجع عنها لاحقاً – تفتح باب الاضطرابات السياسية من جديد في لبنان وتعصف بالاستقرار النسبي السائد منذ اعتلاء عون منصب الرئيس؟ وما تأثير هذه الخطوة على مستقبل حزب الله؟

هناك مؤشرات عامة تتضح في الأفق يمكن أن نستند إليها لبناء صورة ذهنية عن السيناريوهات المحتملة والأخطار المحدقة بالدولة اللبنانية خاصة بحزب الله الذي يلعب حاليا دورا موازيا لأدوار المؤسسات الدستورية والرسمية والأمنية في لبنان. فالحريري زعيم تيار المستقبل الحليف التاريخي للمملكة العربية السعودية في لبنان أراد باستقالته هذه في هذا التوقيت إحداث صدمة إيجابية في المجتمع اللبناني، فالهدف المنطوي من أسباب استقالته والذي يمكن استنتاجه من تحليل الأسباب التي دفعته للاستتقالة كما ذكرها في خطاب تنحيه، هو أنه يريد قلب الداخل اللبناني وتحريض مكونات المجتمع اللبناني على حزب الله والضغط عليه وحثه على التخلى عن سياساته الخارجية التي ورطت الدولة اللبنانية في صراعات إقليمية هي في غني عنها، والتي أدت إلى سخط إقليمي من الموقف اللبناني الرسمي الذي غض الطرف عن تصرفات حزب الله والذي تحول من تنظيم مقاوم للصهيونية إلى قوة إقليمية لها طموحات، وتنفذ أجندات دول إقليمية أخرى في المنطقة، خاصة دوره في سوريا واليمن الذي أغضب المملكة العربية السعودية التي أعلنت أن مساعدة الحزب للمليشيات التي تستهدف المملكة تعني أن الحزب يعلن الحرب صراحة على السعودية، وهو الأمر الذي دفع الحريري إلى الاستقالة لإحداث زلزال في لبنان ومعاقبة حزب الله على ما اقترفه من تجاوزات بحق دول الإقليم، ولكن رد فعل الأطراف السياسية اللبنانية لم تأتِ وفق رغبة السعودية وبدلاً من توجيه اللوم والسخط على الحزب، رفضت القوى السياسية استقالة الحريري ورفض عون الاعتراف بها، وصرح أنها تمت تحت ضغط سعودي، وطار وزير خارجية لبنان جبران باسيل – الذي ينتمي الى التيار المدعوم سياسيا من حزب الله -، في جولات مكوكية لعدة عواصم غربية لنقل رأي الدولة اللبنانية فيما وراء الاستقالة التي خرجت من الرياض، ووجدت السعودية نفسها في مآزق وإحراج دبلوماسي دولي. وعلى عكس توقعاتها وجدت القوى الدولية والغربية تأخذ موقفا متحفظا من تأييد استقالة الحريري، بل واتجه بعضها مثل الموقف الألماني والفرنسي لشجب الضغوط السعودية التي تمارسها على الحريري، وعلى الرغم من أن السعودية كانت تراهن على دعم غربي لخطوتها في تحريض الحريري على الاستقالة بسبب كونها أحد الأدوات الضاغطة على حزب الله داخلياً، وهو ما تسعى إليه القوى الغربية، وهو محاصرة حزب الله داخل المجتمع اللبناني، وكبح طموحاته الخارجية التي بالضرورة تعني كبح التطلعات الإيرانية في الإقليم. وهو ما يعني أن الغرب يرفض الدور السعودي في لبنان، كما يرفض الدور الإيراني، وصنف الموقف السعودي بنفس تصنيف الإيراني، ألا وهو الإملاءات الخارجية في الشأن اللبناني، وهو الأمر المرفوض غربياً في التعامل مع القضية اللينانية، فهم يريدون أن يتم التوافق لبناني – لبناني فقط، وهذا يعني نجاحا نسبيا لحزب الله و أن يكون له دور دائم ومستمر في العملية السياسية في لبنان.

فحزب الله لم يتأثر من هذه الأزمة بل اعتبرها رياحا خليجية تمر فوق الأجواء اللبنانية وستنتهي في أقرب وقت، أو بمجرد عودة الحريري لبيروت، كما عبر الرئيس ميشيل عون المدعوم من قبل حزب الله، وهو ما يحقق فعلياً على أرض الواقع، حيث نجح الرئيس الفرنسي ماكرون في العودة من الرياض بعد زيارته الأخيرة بعد أن ضمن وعدا سعوديا بترك الحريري يحدد مصيره ويحدد وجهته على ألا يظل في الرياض لوقت أطول، وعلى الفور خرج الحريري من الرياض متوجهاً لباريس، ومن ثم إلى القاهرة، لتنسيق الموقف المصري قبل أن يعود في الساعات الأولى ليوم الأربعاء الماضي إلى بيروت للمشاركة في إحياء عيد الاستقلال اللبناني، وهو ما يعني فشل الهدف السعودي من دفع الحريري للاستقالة بعد نجاح الأطراف اللبنانية في الضغط على الحريري من أجل العدول عن الاستقالة.

وأعلن الحريري في حديثه وسط حشد جماهيري من أنصاره الذين استقبلوه في بيروت، أنه سيعطى مزيدا من الوقت للتشاور والتفاهم حول مطالبه التي صرح بها من قبل من أجل سحب الاستقالة. وفي حالة تمسك الحريري بالاستقالة في المستقبل، وهو من المتوقع ألا يحدث وفق المستجدات التي طرأت بعد عودته للبنان، سيبحث اللبنانيون عن بديل آخر من داخل تيار المستقبل أو أي شخصية سنية تحظى باحترام وتقدير اللبنانيين مثل نجيب ميقاتي أو تمام سلام، وفي كل الأحوال سنجد أن هناك صعوبة في تحقيق الهدف المرجو من الاستقالة وهو الضغط على حزب الله، الذي حتى الآن تسير كل المؤشرات في نجاحه في العبور من هذه الأزمة دون خسائر كبيرة تذكر أو دون حتى اضطراره إلى تحييد نفسه والنأي بنفسه عن توريط لبنان في قضايا إقليمية أكثر.

لا جدال  أن الحريري في موقف ضعيف الآن أمام التيارات اللبنانية كافة، ومنها من لا يؤيد محاولته للاستقالة حتى من بين أنصاره ومؤيديه، والذي دائماً ما يُتهم بالرضوخ للإملاءات السعودية وعدم مراعاة وضع لبنان الهش وإفساد التوازن السياسي الذي شارك في صنعه قبل عامين، خاصة أن الرئيس عون أدار دفة الازمة بحكمة شديدة للغاية نالت استحسان الخصوم قبل الموالين، ومن رموز سنية هامة مثل مفتي لبنان، ويري كثيرون أن الرئيس ميشيل عون حقق نقاطا إيجابية لصالحه على حساب رئيس الوزراء سعد الحريري الذي أراد أن يفسد التفاهمات السياسية في لبنان قبل حوالي 6 شهور من الموعد المرتقب للانتخابات النيابية في لبنان. وهو ما يعني أن تجد هذه الانتخابات مخاضاً عسيراً وربما تؤجل أو تُلغى.

وعلى الرغم من أن هذه الاستقالة ساهمت نوعاً ما في تعرية دور حزب الله في إفساد سياسة لبنان الخارجية والتي كانت أساساً للتفاهمات السياسية لإنهاء الفراغ الرئاسي، وهي النأي بالنفس عن أزمات المنطقة وعدم الانجرار إلى الصراعات الإقليمية خاصة في سوريا، والتركيز على التوافق على قانون جديد للانتخابات النيابية والبدء في خطوات سياسية جديدة لعقد انتخابات برلمانية في أقرب وقت، إلا أن محاولة الحريري للاستقالة قد تتسبب في تأجيل النظر في قرار إعادة العلاقات اللبنانية السورية إلى الوضع الذي كانت عليه قبيل اشتعال الحرب السورية، وذلك بسبب أن مؤسسات الدولة اللبنانية ستحاول جاهدة أن تنفي عنها أي اتهامات بدعم لبنان الخفي للحكومة السورية تحت حكم بشار الأسد، وأنها لا تنتهك تفاهمات المجتمع الدولي حول أسلوب إدارة النزاع في سوريا.

وجاء موقف الحزب أيضاً في مفاجأة للقيادة السعودية، الذي اعتبر أن هذه الأجواء ما هي إلا تمهيد لتوجيه ضربات عسكرية لمواقع الحزب في لبنان، وأنه مستعد للحرب سواء كانت ضربة إسرائيلية أو غيرها، أو حتى لو لجأت السعودية لفرض مقاطعة اقتصادية خليجية ضد لبنان على غرار العقوبات العربية على سوريا وعقوبات الرباعي العربي لقطر، ويعني هذا أن حزب الله يبدو متماسكاً وأن الحرب التي يخوضها في سوريا منذ عدة سنوات لم تضعفه أو تنهكه، وأنه مستعد لجولات أخرى من الحروب حتى لو كانت موجهة له من الخليج.

حتي الجامعة العربية التي تصدت النفوذ الإيراني مع بداية الثورة السورية بتعليق مشاركة سوريا في اجتماعات الجامعة حاولت إدانة ممارسات الحزب في اجتماع 19 نوفمبر الماضي بالقاهرة، وصعدت لهجتها تجاه الحزب المصنف إرهابيا في أغلب دول الخليج، لكن القرار الذي صدر رغم أهميته إلا أنه ليس ملزم في ظل وجود دول عربية مثل مصر والجزائر تغلب لغة الحوار على إثارة أزمات جديدة في المنطقة وتلويح الجامعة العربية بورقة التدويل والذهاب لمجلس الأمن لشكوى إيران وسياساتها في المنطقة.

وأحد السيناريوهات المحتملة أيضاً، هي انسحاب الحزب من المشاركة في الحكومة في خطوة تبدو وكأنها انسحاب وتراجع تكتيكي تهدف إلى تلطيف الأجواء السياسية المتعكرة، ويظهر الحزب بأنه التيار السياسي الوطني الذي يبدي مصلحة لبنان العليا عن مصلحته الضيقة، وهذا السيناريو لن يجد طريقه للتحقق إلا بعد أخذ موافقة إيران على هذه الخطوة، فليس من السهل أن يقلص حزب الله من الظهير السياسي الموجود له داخل الحكومة.

وفي نفس الوقت تعتبر هذه الخطوة تمهيد البيئة المحيطة لإقامة انتخابات برلمانية هادئة في بلد لم يشهد أي انتخابات منذ عام 2008 وأن تتراجع جميع القوى السياسية لخطوة إلى الخلف ورأب الصدع الذي أصاب الحياة السياسية اللبنانية بسبب استقالة الحريري رغبة في إنجاح عقد انتخابات برلمانية هادئة، في بلد الأرز المزدهر “سويسرا الشرق كما يطلق عليها” والذي توارى وخفق ضوءه بسبب النفوذ الإيراني المتمادي واستمرار الصراع السوري وتراجع الاستثمارات الخليجية التي كانت تغدق على الحكومة اللبنانية منذ اتفاق الطائف حتى اغتيال رفيق الحريري في 2005، حيث تقدر حجم المساعدات والهبات والمنح السعودية إلى لبنان حوالي 70 مليار دولار أمريكي وهي الممنوحة للدولة اللبنانية بكل طوائفها، على عكس المساعدات التي يتلقاها حزب الله من إيران، والتي توجه على نحو طائفي والتي تقدر بحوالي 200 مليون دولار أمريكي سنويا، فلا أحد في لبنان يرغب في خسارة المساعدات والاستثمارات الخليجية في لبنان.

وأحد السيناريوهات التي يخشى اللبنانيون حدوثها هي ظهور جماعات سنية طائفية مسلحة على غرار حزب الله، وتكون خصما عسكريا للحزب على الساحة اللبنانية على غرار ما سعى إليه أحمد الأسير وجماعته في مدينة صيدا قبل أعوام قليلة قبل أن تفشل مخططاته ونجاح حزب الله في إجهاض ظهور مكون سني مسلح مناوئ له بعد القبض على الأسير وتفكيك نواة الجماعة التي كان يسعى لتشكيلها لمواجهة دور حزب الله في سوريا.

فالمتابع الجيد لتطورات الأحداث على الساحة اللبنانية فى السنوات الأخيرة يجد أن حزب الله حاز لنفسه على وضع خاص فرضه بقوة الأمر الواقع على باقى مكونات الحياة السياسية اللبنانية، من خلال مشاركته المسلحة في الحرب الضارية في سوريا وإسهامه في تغيير المعادلة العسكرية في تطورات الحرب، ونجاحه أيضاً في إفشال أي محاولات وضغوط داخلية وإقليمية مورست عليه لانساحبه من الحرب في سوريا، ونجاحه في اكتساب مكانة موازية للمؤسسات الدستورية اللبنانية وقيامه بعمليات عسكرية في الداخل أمام مرأى ومسمع الجيش اللبناني وعقد مفاوضات باسم الدولة لإخراج بعض العناصر المسلحة من الأراضي اللبنانية عقب العملية العسكرية التي شارك فيها في “جرود عرسال” ضد مسلحي جبهة النصرة، وفشلت جميع القوى السياسية في الضغط عليه وإجباره على عدم التدخل في الصراعات الإقليمية في سوريا واليمن والعراق.

لذا فليس من الهين على حزب الله التنازل عن كل هذه المكاسب التي حققها على مر السنين الأخيرة، والذي دفع فيها ثمنا غالياً من دماء عناصره، حتى لو رُهنت استقالة الحريري في مقابلها وتم إفشال المواءمات السياسية التي صاحبت الاتفاق السياسي الأخير بين المكونات اللبنانية والذي أدى إلى إنفراجة في الأزمة الرئاسية الأخيرة.

فيبدو أن حزب الله ماضٍ في سياساته الخارجية العدوانية تجاه بعض الدول الإقليمية دون الاكتراث بالمخاطر التي تحدق بالدولة اللبنانية من الإقليم، وأنه لا يعبئ باستقالة الحريري ووجوده من عدمه، ويراهن على أن المجتمع اللبناني بكل طوائفه سيختار التسليم والقبول بمكانته الإستراتيجية التي اكتسبها مؤخراً؛ لأن البديل هو الانزلاق إلى حرب أهلية وطائفية لن تُحمد عقباها وستأتي على الأخضر واليابس وستعود بلبنان إلى سبعينيات وثمانينيات القرن المنصرم.

لذا فالحل يكمن في واشنطن، والذي تعقد عليها الدول العربية – خاصة من الحلفاء التقليدين للولايات المتحدة – آمالاً عريضة لكبح جماح إيران من خلال رفض الرئيس ترامب تنفيذ أركان الاتفاق النووي الذي عقدتها الولايات المتحدة مع باقي الدول الغربية مع إيران في صياغته الحالية، خاصة أنه تعهد بعدم إعطاء إيران أي دفعات مالية والتي من الممكن أن تسخرها طهران لتقويض الاستقرار في المنطقة وفق التخوفات الأمريكية، وتجفيف منابع ومصادر تمويل الحزب التي يحصل عليها من إيران هي بداية إخضاع حزب الله وتقليص دورها المتزايد في لبنان والإقليم؛ لأنه يعتمد عليها بشكل أساسي في تمويل عملياته العسكرية.

 

kanun

مقالات ذات صله