18 نوفمبر 2018

من فضلك اختار القائمة العلويه من القوائم داخل لوحة التحكم
tekellum1

جذور الصراع بين أردوغان وتنظيم “أرجنكون” – 6

جذور الصراع بين أردوغان وتنظيم “أرجنكون” – 6
gazeteciler

بقلم: محمد عبيد الله

برلين (زمان التركية) – تناولنا في مقالنا السابق بعنوان “محاولات الدولة العميقة للبقاء في تركيا -5” الخلفية التاريخية لانقلاب 1997 الناعم وتداعياته على المشهد السياسي والمجتمع المدني في تركيا، والتي أسفرت أولاً عن سقوط الحكومة الائتلافية بين حزب الرفاه “الإسلامي” والطريق القويم “اليميني”، ومن ثم خسارةِ حزب اليسار الديمقراطي الحاكم في الانتخابات المبكرة أمام حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان في 3 نوفمبر 2002، بالإضافة إلى جهود تنظيم أو عصابة أرجنكون المتوغلة في الجيش والبيروقراطية لإعلان حركة الخدمة تنظيمًا إرهابيًّا “غير مسلح”. وفي مقالنا اليوم سنحاول رصد التطورات التي شهدتها البلاد في ظل حكم أردوغان.

تبرؤ أردوغان من حزب الرفاه “الإسلامي

يكاد المحللون يتفقون على أن إعلان أردوغان خلعه قميص “الرؤية الوطنية” (مِلِّي جوروش)، في إشارة منه إلى انشقاقه من حزبه القديم “الرفاه”، الذي قاده الراحل نجم الدين أربكان، أبو “الإسلام السياسي” في تركيا، شكّل منعطفًا تاريخيًّا في حياته السياسية. فقد رأى أن النهج القائم على الشعارات والخطابات الإسلامية (الأيديولجية الإسلامية) لشيخه أربكان لم يقدم نموذجًا ناجحًا قادرًا على حمل تركيا إلى آفاق المستقبل مع استيعاب جميع أطيافها، خاصة عقب فشله في التعامل مع “الزمرة الحاكمة” المتمركزة في الجيش إجمالاً، إلى أن انتهت هذه الوتيرة المتأزمة بسقوط حكومته الائتلافية مع زعيمة حزب الطريق القويم تانسو تشيلّر.

ولإزالة “الصورة السلبية” التي التصقت به لانحداره من حزب الرفاه “الإسلامي” من ذاكرة القوى المتنفذة من “العلمانيين” في الداخل خاصة، ومن ذاكرة الرأي العام العالمي، قام أردوغان بزيارات عديدة إلى الولايات المتحدة قبيل تأسيس حزبه، بدءًا من عام 1996 حتى عام 2001، وشارك في يوم الاستقلال الأمريكي في 4 يوليو/تموز 2001، تلبية لدعوة خاصة تلقاها من الإدارة الأمريكية، وأجرى لقاءات مع اللوبي اليهودي هناك، وحصل على جائزة “الشجاعة الفائقة” اليهودية، وهذا بالإضافة إلى الزيارات المتكررة التي أجراها إلى معظم العواصم الغربية، والتي أكد خلالها اعتزامه ضمّ تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.

وبعدما حصل على “شرعية دولية” من خلال هذه الزيارات الأمريكية والأوروبية، وطمئن الأوساط العلمانية “القلقة” في الداخل التركي، من خلال ضمّ أسماء وشخصيات سياسية “ديمقراطية” و”ليبرالية” معروفة لدى الرأي العام إلى صفّه، أعلن عن تأسيس حزب العدالة والتنمية باعتباره “حزباً جماهيرياً محافظاً ديمقراطياً”؛ الركائز الثلاث التي رحّب بها الشعب التركي بكلّ أطيافه، وحمله بسببها إلى سدة الحكم عام 2002.

الانفتاح: كلمة السر لنجاح أردوغان

تميزت السنوات الأولى من حكم أردوغان بـ”الانفتاح” على جميع فئات الشعب واحتضانها دون النظر إلى الفوارق الدينية والطائفية، وإعمال مبدإ “الحكم التشاركي” والشورى مع “أهل الحنكة والخبرة والاختصاص والفكر”، واحترام المعتقدات والأفكار مهما كانت، والسعي للقضاء على مخاوف الديمقراطيين والعلمانيين حول احتمال اتباعه “نهجاً إسلامياً” من خلال تمسكه بمبدأ الديمقراطية والحرية للجميع من جهة، وتعهّده بتغيير الدستور “العسكري الانقلابي” بدستور مدني ديمقراطي يمكِّن كل فرد من ممارسة حقوقه الشخصية، ويمنح المجتمع المدني الحرية المطلوبة والدعم اللازم من جهة أخرى.

وأدرج أردوغان انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي ضمن إستراتيجياته وأولوياته، لكن ذلك لم يبق حبرًا على الورق كما كان عند الحكومات السابقة، بل طبق ذلك فعلاً عندما أطلق مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد عام 2005، عقب نجاح حكومته في تنفيذ 8 بنود من حزمة إصلاحات بين أعوام 2001 – 2004 من أجل الانسجام مع معايير الاتحاد. ولعل تحدِّي أردوغان الاتحاد في إطار تعليقه على تماطله في مفاوضات الانضمام بقوله: “نحن نؤمن من صميم قلوبنا بمعايير كوبنهاجن الأوروبية، ولن يختلف الأمر في حال رفض انضمامنا إلى الاتحاد الأوروبي أو قبوله، فإننا عندئذ سنطلق على تلك المعايير التي نؤمن بها وندافع عنها ’معايير أنقرة‘ ونمضي قدمًا في هذا الطريق من دون تراجع”، دليل كافٍ على مدى قبوله بالمعايير الغربية.

انفتاح تركيا على الخارج

بهذه الأسس والمنطلقات بدأت تركيا في ظل حكم أردوغان تحلّق في السماء عالياً بأجنحة “الديمقراطية” و”الحرية” و”الاقتصاد” بصورة غير مسبوقة، في الداخل؛ والانفتاح على المنطقة القريبة والبعيدة بـ”القوة الناعمة” التي تمثلت في ”العلاقات التجارية والثقافية” و”علاقات الجوار”، في الخارج، بعد أن كانت منغلقةً على ذاتها سابحةً في محيطها الداخلي فقط. كانت تركيا تنفتح على الخارج بهذا العمق لأول مرة منذ تأسيس الجمهورية بحيث صنعت خلال مدة قصيرة ما يسمى ”النموذ التركي”، الذي كان يعني في جوهره “النهج القادر على تحقيق التوافق بين المبادئ الإسلامية والمعايير الديمقراطية”، لدرجة أن بعض الدول الغربية كانت تقدم إدارة أردوغان نموذجًا لدول المنطقة الأخرى. إذ كانت تستطيع التفاوض مع جميع الدول المجاورة، عملاً بمبدأ “صفر المشاكل مع الجيران”، بما فيها إسرائيل وفلسطين وسوريا وأرمينيا، بل كانت تتوسط من أجل المساهمة الفاعلة في تسوية القضايا الشائكة بينها باعتبارها “وسيطاً” أو “حكماً”، كما كان في القضية الفلسطينية والملف النووي الإيراني.

جهود المجتمع المدني في الديمقراطية والاقتصاد

أما المجتمع المدني في هذه الفترة فلم يكن متأخرًا عن السلطة السياسية، بل كان متقدمًا عليها في كثير من المجالات، خاصة القطاع الاقتصادي. ذلك أن كلاً من جمعية رجال الأعمال والصناعيين الأتراك (توسياد)، الذي كان يضم الشركات التركية الكبرى التقليدية، وجمعية رجال الأعمال والصناعيين المستقلين “موصياد” الموالي لحكومة أردوغان، واتحاد رجال الأعمال والصناعيين الأتراك “توسكون” القريب من حركة الخدمة، استغل انفتاح تركيا على المنطقة جيدًا، وقام بتطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية مع الدول المجاورة على نحو غير مسبوق.

جاءت حركة الخدمة في مقدمة منظمات المجتمع المدني التي ساندت “المشاريع الديمقراطية والاقتصادية” لحكومة أردوغان، بل لم تبق في مقام الداعم فقط، وإنما أخذت بزمام المبادرة وبذلت كل جهودها لتوسيع دائرة مشاريعها الرامية إلى إرساء دعائم السلام والحوار والتعايش، إلى جانب مشاريعها التعليمية والاقتصادية، في كل شبر من أرض تركيا وكل أنحاء العالم. تتبين جهودها المضنية في هذا المضمار إذا علمنا أنها استطاعت فتح مدارس وجامعات في 170 دولة، وأن اتحاد توسكون وشركات تعليمية تابعة لحركة الخدمة كانت وصلت إلى مناطق نائية في القارة الأفريقية بحيث لم تكن فيها قنصليات وسفارات تركية بعدُ.

محاولات أردوغان لتأسيس الدولة المدينة

كانت تركيا تعيش “ربيعًا” من كل النواحي وعلى كل الأصعدة، كما قال أردوغان، بفضل التوافق بين السلطة السياسية والمجتمع المدني لأول مرة في تاريخ الجمهورية الحديثة. يؤكد أغلب المحللين أن الجهود الرامية إلى تأسيس “الدولة المدنية” كسبت زخمًا كبيرًا في الفترات الأولى من حكم أردوغان، بعد أن وضعت لبناته الأولى حكومات الأحزاب اليمينية بدءًا من تسعينات القرن الماضي.

كان إلغاء قانون حالة الطوارئ المطبق في مناطق شرق وجنوب شرق تركيا ذات الأغلبية الكردية في نوفمبر 2002، قبل أن يمضي شهر واحد على وصول حزب أردوغان إلى السلطة؛ وسنُّ المرسوم الذي يقضي بالسماح للقنوات التلفزيونية والإذاعات بالبثّ باللغات المختلفة التي يستخدمها المواطنون في حياتهم اليومية، بما فيها اللغة الكردية، في 18 ديسيمبر 2002، والسماحُ بفتح دورات اللغة الكردية في عموم البلاد بعد أن كان محظورًا، من أهم الخطوات المتخذة في سبيل إعادة الحياة الطبيعية لهذه المناطق الكردية. وفي 8 حزيران 2004 بثّت قناة تي آر تي (TRT) برنامجًا باللغة الكردية تحت اسم “ثروتنا الثقافية” لأول مرة في تاريخها، وذلك في إطار التناغم مع معايير الاتحاد الأوروبي.

وهذه الخطوة وأمثالها أدت إلى إبراز حلول مدنية مدروسة طويلة المدى والتخلي عن الحلول العسكرية الصرفة في تسوية القضية الكردية التي أصبحت مشكلة مزمنة ويستغلها تنظيم أرجنكون وأمثاله لإثارة الفوضى والبلبلة وتوجيه الحكومة في إطار أهدافه.

وفي إطار جهود إضفاء “الطابع المدني” على مؤسسات الدولة، وترسيخ دولة القانون، وإخضاع كيانات وعصابات مارقة، خاصة تلك التي توغلت في أعماق المؤسسة العسكرية مثل أرجنكون، للقانون والدستور،  كما هو الحال في الدول الديمقراطية، أجرت حكومة أردوغان في 15 يناير 2003 تعديلات على مجلس الأمن القومي تنص على مشاركة نواب رئيس الوزراء ووزير العدل في اجتماعات المجلس باعتبارهم أعضاءه، بالإضافة إلى التعديلات التي أجرتها في 7 أغسطس 2003 والتي تقضي بإمكانية توليّ المدنيين منصب الأمانة العامة للمجلس. وكذلك أصدرت حكومة أردوغان قرارًا غيرت بحكمه “سرية” لائحة الأمانة العامة لمجلس الأمن القومي، وجعلت الأمانة مؤسسة تابعة لرئيس الوزراء من الناحية الإدارية. والخطوة المهمة الأخرى في هذا الصدد هي إلغاء محاكم أمن الدولة المكلفة بالتحقيق في الجرائم التي تتعلق بأمن الدولة الداخلي والخارجي والتي كانت تعمل منذ عام 1973.

افتخر أردوغان– وبحق – على مدى سنوات طويلة بأنه من ألغى قانون حالة الطوارئ في شرق وجنوب شرق تركيا، وأضفى الطابع المدني على المؤسسة العسكرية، وأخضع رقاب الكيانات المارقة للقانون والدستور.

رئيس أركان “ديمقراطي” يمنع انقلابات ضد أردوغان

ومن حسن حظ أردوغان أن الجنرال حلمي أوزكوك المعروف بتوجهاته الديمقراطية مَنْ تولى منصب رئاسة الأركان العامة في عهده، وتعامل مع حكومته بتناغم وانسجام، بدءًا من تسلّم المنصب في 28 آب / أغسطس حتى 28 آب / أغسطس 2006. إذ لم يخضع لضغوطات واستفزازات تنظيم أرجنكون لإحداث انقلاب عسكري أو ممارسة ضغوط على الحكومة، بل فوق ذلك كشف عن المخططات الانقلابية لبعض الفئات العسكرية المرتبطة بأرجنكون، وأدلى بشهادته في إطار قضية أرجنكون فيما بعد. كما أنه سمح للنيابة العامة العسكرية بالتحقيق مع بعض الجنرالات الذين تورطوا في أعمال فساد أو خرجوا عن إطار الأوامر والأعراف العسكرية. ولأن أوزكوك تجنّب التدخل في السياسة طيلة 4 سنوات من مهمته، مقارنة برؤساء الأركان السابقين، فإنه أصبح في مرمى سهام انتقادات أرجنكون والكتاب القوميين المتطرفين “الطورانيين”.

وبحسب ما ورد في يوميات قائد القوات البحرية الجنرال “أوزدان أورنيك”، التي كشفت عنها مجلة “نقطة” الأسبوعية الإخبارية في 29 مارس 2007، فإن الجنرال أوزكوك عارض في عهده مخططات الانقلابات العسكرية الأربعة التي أطلقوا عليها “ساريكيز” (Sarıkız) أي البنت الصفراء، و”آي إيشيغي” (Ayışığı) أي ضوء القمر، و”ياكاموز” (Yakamoz) أي ومضة، و”ألديفين” (Eldiven) أي القفاز، وحال بذلك دون تعرض العملية الديمقراطية للانقطاع مرة أخرى. وفي أثناء إدلاءه بأقواله بصفته “شاهدًا” في قضية أرجنكون، أكد الجنرال أوزكوك أنه كان على علم بمخططتي “آي إيشيغي” و”ياكوموز” الانقلابيتين، وأنه استدعى قائد قوات الدرك آنذاك “شنار أرويجور”، الذي اعتقل فيما بعد في إطار قضية أرجنكون، واستفسره عما إذا كان هناك مخطط من هذا القبيل. ولما نفى وجود هذا النوع من المخطط حذره قائلاً: “على الرغم من ذلك، فإن دعوتكم رؤساء الجامعات والصحفيين كثيرًا إلى مقر قيادة قوات الدرك سيترك انطباعًا خاطئًا لدى الرأي العام!”.

التوجه الديمقراطي للجنرال أوزكوك جعله هدفًا للكيانات المارقة، وعلى رأسها أرجنكون. فقد كتبت مجلة كرونيكل (Chronicle ) الفصليّة الشهيرة حدوث محاولات اغتيال ضد رئيس الأركان الجنرال أوزكوك في أثناء هذه المخططات الانقلابية التي استهدفت كلها حكومة أردوغان. وأفادت المجلة أن محاولة اغتيال أوزكوك المخططة في 3 شباط 2004 باءت بالفشل عندما غير مسار الطريق الذي سلكه وبفضل التدابير المتخذة. وتطرق أوزكوك إلى هذه الادعاءات قائلاً: “قد يتعرض أشخاص يشغلون مناصب مهمة لمثل هذه المحاولات، ويتخذ زملائي المسؤولون عن أمني بكل التدابير اللازمة، ولا يخبرونني بها في كثير من الأحيان، تفاديًا لحدوث ارتباك. وقد قام زملائي بتغيير مسار طريقي من وقت لآخر في تلك الفترة”.

وكانت تقارير صحفية كتبت أن الجنرال أوزكوك ما كان يأكل في مطعم رئاسة الأركان ويحضر طعامه من منزله خشية التسمّم، وما كان يذهب إلى مستشفى أكاديمية “جولهانه” الطبية العسكرية ليخضع لفحوصات طبية. أكد الجنرال أوزكوك صحة الأخبار الخاصة بإحضاره طعامه من منزله، ولكنه برر ذلك بأنه كان يفضّل الأطعمة الخفيفة المعدَّة في منزله على الأطعمة الثقيلة المقدمة في مطعم رئاسة الأركان العامة.

جهود تحويل “الربيع التركي” إلى خريف!

التوافق بين السلطة السياسية المدنية والمؤسسة العسكرية، إلى جانب أغلبية الشعب بفصائله الإسلامية والعلمانية والديمقراطية والليبرالية على حد سواء، وفتحُ أبواب الدولة للفئات المتدينة المحافظة المحرومة على سنين طويلة، وانتقالُ الدفة الاقتصادية رويدًا رويدًا من شركات إسطنبول الكبرى التقليدية إلى ما سمي “نمور الأناضول الاقتصادية”، وبعبارة أردوغان “الربيع التركي”، أزعج تنظيم أرجنكون وحلفاءه الداخليين والخارجيين إلى حد كبير، فباتوا يعملون على إحداث بلبلة وفوضى وعدم استقرار من أجل تقديم حكومة أردوغان غير قادرة على تأمين البلاد وإدارتها. لذا شرعوا في البحث عن طرق لاسترجاع المواقع السياسية والاقتصادية التي فقدوها خلال العقدين الأخيرين. ففي يوم 15 نوفمبر 2003، شهدت تركيا ما سجلته صفحات التاريخ “هجمات إسطنبول”؛ إذ قامت شاحنتان مفخختان بتفجير معبدين يهوديين في إسطنبول أسفر عن مقتل 28 شخصًا، أغلبهم من الأتراك، وإصابة ما لا يقل عن 300 آخرين. بعد خمسة أيام فقط من هذين التفجيرين جاءت عملياتان مشابهتان لهما في 20 نوفمبر، حيث انفجرت شاحنتان مفخختان أيضًا في مقر بنك “أتش أس بي سي” (HSBS) والقنصلية البريطانية، مما أفضى إلى مصرع 30 شخصًا وإصابة 400 آخرين. وقد قتل في هذين التفجيرين العديد من البريطانيين أيضًا، منهم القنصل العام البريطاني “روجر شورت”، ولكن أغلب الضحايا كانوا من الأتراك.

في أقل من أسبوع حصد –للأسف- الإرهاب أرواح 59 شخصًا، بما فيهم الانتحاريون الأربعة، وأصاب أكثر من 750 شخصًا. وقد أعلنت جماعة تركية إسلامية راديكالية مرتبطة بتنظيم القاعدة، تطلق على نفسها اسم “فرسان الشرق الإسلامي الأكبر” (İBDA-C)، مسؤوليتها عن التفجيرات. وهذا التنظيم الذي يرتدي “ثوبًا إسلاميًّا” من التنظيمات الفرعية التي استخدمها منذ القديم تنظيم أرجنكون في إدارة عملياته المشبوهة، مثل نظيريه حزب الله “التركي” و”تحشية” الإسلاميين!

والهدف الرئيس من هذه التفجيرات كان تلطيخ صورة حكومة أردوغان التي بدأت تقدم نموذجًا ناجحًا يجمع بين الديمقراطية والإسلام، وتقديمَ المسلمين في تركيا وكأنهم “قتلة” و”أعداء” للأجانب والأقليات المنتميات إلى الدين المسيحي واليهودي. من الواضح أن هذه الخطوة كانت تتقاطع مع مصالح القوى الكبرى التي تريد تركيا متخلفة صغيرة منغلقة على ذاتها. وكثير من المحللين آنذاك من أمثال “علي بولاج” و”أحمد تاشجتيران” من الجناح الإسلامي، والشقيقين المثقفين الليبراليين أحمد ومحمد ألطان، والكتاب الصحفيون الليبراليون المعروفون دوليًّا “حسن جمال” و”شاهين ألباي” وعلي بايرام أوغلو”، وغيرهم لفتوا إلى التوقيت الحساس لهذه العمليات، إذ كانت حكومة أردوغان أعلنت عزمها على ضمّ تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، معتبرة ذلك أكبر عائق أمام صراع محتمل للحضارات، نظرًا لأنها، أي تركيا، كانت في حال حصولها على العضوية ستحطم الانطباع النمطي السائد حول كون الاتحاد اتحادًا مسيحيًّا، وستشكّل نموذجًا حيًّا لتعايش حضارتين مختلفتين جنبًا إلى جنب في وئام وانسجام. ولذلك كان تنيظم أرجنكون يعارض بشدة دخول تركيا إلى الاتحاد، وانفتاحها على العالم الخارجي، ويوظف في ذلك الخطابين القومي والإسلامي الذين يريان ويقدمان الاتحاد، والغربَ بشكل عام “تكتلاً صليبيًا” لا يمكن التعايش معه. لأن أرجنكون يعلم أن تركيا المنفتحة على العالم أو العضوة في الاتحاد الأوروبي يعني مزيدًا من الديمقراطية ومزيدًا من سيادة القانون، وهو الأمر الذي يضيق الخناق على أمثاله من التنظيمات الخارجة عن القانون والدستور ويسلب منها امتيازاتها القانونية والاقتصادية.

مساعي هدم التحالف بين أردوغان والمجتمع المدني

دعم الأوساط الديمقراطية والليبرالية ومنظمات المجتمع المدني، وعلى رأسها حركة الخدمة، إلى جانب الاتحاد الأوروبي، لحكومة أردوغان في مشاريعها الديمقراطية والاقتصادية، شكّل أكبر عائق أمام محاولات الكيانات المارقة لإحداث البلبلة والفوضى وعدم الاستقرار لفرض سيطرتها على الحكومة. لذا نرى أن تنظيم أرجنكون كرّس جهوده لتحطيم ذلك التحالف حول المبادئ والمشاريع بين حركة الخدمة وحكومة أردوغان، وأطلق مجددًا دعاية سوداء ضد حركة الخدمة، وبدأ يمارس الضغط على رجاله في الحكومة والمؤسسة العسكرية من أجل اتخاذ موقف معارض من حركة الخدمة. ونتيجة هذه الضغوطات لم يجد أردوغان وجميع أعضاء الحكومة آنذاك بداً من التوقيع على قرار “مكافحة حركة الخدمة وعرقلة أنشطتها في الداخل والخارج” خلال اجتماعٍ لمجلس الأمن القومي عام 2004، أي بعد عامين من وصول أردوغان إلى الحكم في تركيا.

وقد ورد في قرار مجلس الأمن القومي، الذي كشفت عنه لـ”لرأي العام” لأول مرة جريدة “طرف” في عام 2013، أن “فعاليات حركة النور وفتح الله كولن كانت ضمن القضايا التي تم نقاشها في مجلس الأمن القومي المنعقد في 24 حزيران 2004، وقد توصل الأعضاء إلى ضرورة إعداد خطة عمل لمكافحة أنشطتهم في الداخل والخارج، وقرروا إبلاغ الحكومة بقرار التوصية المتخذ في هذا الصدد”.

لم تنقطع مبادرات تنظيم أرجنكون إلى الدفع بتركيا إلى الفوضى وعدم الاستقرار لإعادة تصميم الحكومة والمجتمع المدني مجددًا وفق أهدافه، وبدأ يلعب على وتر “القومية” ويوظف القوميين الأتراك والأكراد المتحمسين المندفعين، على الرغم من أن معظم قادته كانوا ينحدرون من أصول غير تركية وكردية. ففي شهر مارس 2005 أطلقت مجموعة حملة تحت مسمى “العلم التركي” استمرت أشهرًا طويلة في عموم تركيا على خلفية انتشار مزاعم إحراق مواطنين أكراد العلم التركي. وخلال مدة قصيرة تحولت الحملة إلى قتل معنوي استهدف كل المواطنين الأكراد لدرجة أن الذين تجنبوا تعليق العلم التركي على شرفات ونوافذ منازلهم ومحلاتهم اتهموا بالخيانة. بل أدت هذه الحركة الاستفزازية إلى ممارسة قتل ونهب جماعي ضد المواطنين الأكراد في مدن كبيرة، في مقدمتها باليكسير ومرسين وأضنة وإسطنبول وإزمير وساكاريا وطرابزون وبيلجيك. وكانت السلطات الأمنية كشفت آنذاك أن المدعو “علي كوتلو” من كان يقود وينسّق هذه العملية الاستفزازية. وهذا الشخص كان عضوًا في جمعية تدعى “اتحاد القوى الوطنية” وتعمل ضمن تنظيم أرجنكون، كما أن الشخص المذكور خضع فيما بعد للمحاكمة في إطار قضية أرجنكون التي انطلقت بعد عامين من هذه الأحداث التحريضية.

وكما أن تنظيم أرجنكون وظّف اليساريين واليمينيين وحزب العمال الكردستاني اليساري “الاشتراكي” وحزب الله الكردي “الإسلامي” في ارتكاب أحداث الشغب والفوضى في سبعينات وثمانينات القرن المنصرم، من خلال تسليحهم بالأسلحة عينها، كما ذكرنا في مقالاتنا السابقة، فإنه سعى أيضًا لتضييق الخناق على حكومة أردوغان من خلال توظيف أجنحته التركية والكردية اللاعبة بورقة “القومية العنصرية” وإحداث شقاق وصراع بين عامة الأتراك والأكراد.

إلا أن رئيس الحكومة أردوغان استقبل في 10 آب / أغسطس 2005 مجموعة من المثقفين الذين دعوا حزب العمال الكردستاني إلى ترك السلاح في مقر رئاسة الوزراء، ووصف لأول مرة المشكلة أو القضية الكردية بأنها “مشكلة ديمقراطية” يمكن حلها بمزيد من الديمقراطية فقط. وفي 12 آب / أغسطس 2005 أجرى زيارة إلى مدينة ديار بكر ذات الأغلبية الكردية، وقال في خطاب ألقاه هناك للمواطنين الأكراد: “إن المشكلة الكردية ليست مشكلة جزء من هذه الأمة فقط، وإنما هي مشكلة جميع أفراد هذه الأمة، بما فيهم الأتراك. لذا سنقوم بحل هذه المشكلة بمزيد من الديمقراطية وحقوق المواطنة وتوفير الرفاهية الاقتصادية”.

خلق فوضى عارمة لزعزعة حكومة أردوغان

هذه المقاربة في حل القضية الكردية كانت غير مسبوقة بل “ثورية”، لذا استاء منها تنيظم أرجنكون الذي استغل هذه القضية دائمًا في إعادة تصميم الدولة والأتراك والأكراد الذين يشكلان أهم عنصرين فاعلين في بلاد الأناضول، وزاد من ضغوطاته على الحكومة من خلال اللعب على ورقة المشكلة الكردية. فقامت مجموعة بإلقاء قنبلتين يدويتين على دار “أوموت” للنشر المملوك للعنصر السابق في حزب العمال الكردستاني المدعو “سفري يلماز” في بلدة “شمدينلي” التابعة لمدينة حكاري الواقعة في المثلث التركي العراقي الإيراني ذات الأغلبية الكردية في 9 نوفمبر 2005، مما أسفر عن مقتل المواطن المدعو “محمد زاهد كوركماز” وإصابة 7 آخرين بجروح. ولجأ المهاجم إلى إحدى السيارات الواقفة في موقع الحادثة للفرار، إلا أن المواطنين أوقفوا السيارة وأنزلوهم منها وحاولوا قتلهم لولا تدخل القوات الأمنية. وبعد أن فحصت الشرطة هذه السيارة عثرت على ثلاث بندقيات طويلة الماسورة من نوع “كلاشنيكوف”. ولما انتشرت ادعاءات تقول بأن السلطات أطلقت سراح المتهمين بعد أن زعموا أنهم عناصر من الدرك يعملون لصالح وحدة المخابرات الدركية جيتام (JITEM)، خرج أهالي المدينة إلى الشوارع وأضرموا النيران في نقطة تفتيش للشرطة، وأدت الأحداث إلى مقتل مواطن آخر يدعى “علي يلماز”، فضلاً عن جرح 33 شخصًا آخر. بالإضافة إلى أن نائب حزب الشعب الجمهوري من مدينة حكاري “أسعد جانان” تعرض لإطلاق نيران أثناء تفتيشه في السيارة المذكورة أصابت شخصًا آخر بجانبه أفضى إلى قتله في مكان الواقعة أيضًا.

لم تهدأ أحداث هذه العملية الاستفزازية التحريضية المدروسة جيدًا، ففي الساعة الثامنة من صباح اليوم التالي من العملية تجمع حوالي 500 شخص من المحتجين أمام مركز الأمن في البلدة، فقاموا بتخريب الأسلاك الكهربائية وأعمدتها وبنوا منها سياجًا في وسط الطريق وأضرموا النيران، وتورطوا في أعمال شغب في أماكن مختلفة من البلدة، مما أدى إلى عسكرة الأجواء وبناء مراكز أمنية في نقاط معينة من البلدة للسيطرة على الأوضاع. وفي غضون الساعة التاسعة ألقى رئيس البلدية من حزب الشعوب الديمقراطي الكردي “صالح يلديز” كلمة على المحتجين المحتشدين دعاهم فيها إلى الهدوء والسيطرة على أعصابهم قائلاً: “عليكم الهدوء والحيطة والحذر، وإلا تصبحون مجرمين متهمين مع أن الحق معكم، فإننا أمام مؤامرة كبيرة ونواجه حادثة تضاهي حادثة عصاية “يويكسك أوفا” أو “سوسورلوك”، في إشارة منه إلى ممارسات أرجنكون في تسعينات القرن الماضي وبداية الألفية الثالثة.

وفي 15 نوفمبر 2005 حدثت اشتباكات في بلدة “يوكسكوفا” التابعة لحكاري أيضًا بين مجموعة من المواطنين الذين احتجوا على أحداث شمدينلي وفرق الأمن، تمخضت عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 16 شخصًا بجروح، 7 منهم من أفراد الشرطة.

وكشفت التحقيقات الأمنية أن السيارة التي حاول المهاجمون الفرار بها تحمل اللوحة المعدنية رقم (30 AK 933) ومسجلة باسم قيادة قوات الدرك في المدينة، وتم العثور على ثلاثة كلاشنيكوفات، ومواد تستعمل في صناعة القنابل، وسترات عسكرية وشرطية، وعديد من الخرائط وصور تعود لبعض المسؤولين الأكراد. وكذلك عثرت القوات الأمنية في صندوق السيارة على 4 كراسات تضمّ ثلاث قوائم تتضمن أسماء 105 أشخاص تصنفهم كـ”خطير”، و”مليشيا” و”موالٍ للدولة”، ووثيقة تحتوي على صور تعود لـ18 عضوًا في حزب المجتمع الكردستاني، إلى جانب رسومات وخرائط وبطاقات هوية. ولم يستطع النائب العام استكمال عملية التفتيش في السيارة نظرًا لإطلاق نيران عليها من جهة مجهولة تسببت في مصرع مواطن آخر يدعى “علي يلماز”، وإصابة خمسة آخرين كانوا يراقبون عملية التفنيش بجروح مختلفة.

القبض على رجال قوات الدرك متلبسين بالجريمة  

أصدرت النيابة العامة قرارًا باعتقال كل من الرقيب “تانجو شاويش” بتهمة “إطلاق النار على الشعب” أثناء قيام النائب العام بعملية التفتيش في السيارة و”التسبّب في مقتل المواطن علي يلماز”، والمدعوِّ “ويسل آتيش” بتهمة “إلقاء قنبلة على المكتبة / دار أوموت للنشر”. غير أنهما تم إخلاء سبيلهما فيما بعد قيد المحاكمة، على خلفية الضغوطات التي مارسها تنظيم أرجنكون عبر رجاله في الجيش والأجهزة الأخرى، دع عنك توسيع نطاق التحقيقات وتعميقها للكشف عن خيوط هذه المؤامرة الخطيرة للغاية التي استهدفت الإيقاع بين الأكراد والأتراك، وبالتالي وضع حكومة أردوغان في موقف حرج، ومنع تطبيقها الحلول المدنية لتسوية القضية الكردية المزمنة. والتصريح الذي أدلى به القائد العام لقوات الدرك “ياشار بويوك آنيط” والذي شهد فيه لصالح “علي كايا” المتورط في العملية الاستفزازية قائلاً: “إنني أعرفه.. فهو شاب طيب!”، لعب دورًا كبيرًا في توجيه سير التحقيقات وتهريب بعض المجرمين من السلطات العدلية.

وتضمنت مذكرة الادعاء التي حررها المدعي العام فرهاد ساري كايا الذي وصفه الرأي العام حينها بـ”الشجاع” لإقدامه على اتهام بعض العسكريين دون خوف، اتهامات خطيرة وجّهها لقائد قوات الدرك بويوك آنيط، بينها  “التدخل في عمل القضاء والتأثير عليه” من خلال قوله المبرّئ لعلي كايا المتورط في العملية “إنه شاب طيب”، و”تأسيس تنظيم إجرامي” عندما كان موظفًا في مدينة ديار بكر ذات الأغلبية الكردية، و”التزوير في الوثائق” و”سوء استخدام المنصب”. ومن ثم أعدت النيابة العامة في مدينة فان شرق تركيا ملفًّا أرسلته إلى الأمانة العامة لرئاسة الأركان العامة وطالبت فيه بفتح تحقيق حول الجنرال بويوك آنيط وعدد من الضباط المرتبطين بالأحداث.

تركيا كانت تعيش أيامًا تاريخيّة بكل معنى الكلمة، إذ لم يسبق أن شهدت مطالبات بفتح تحقيق حول أدنى شخصية عسكرية فضلاً عن قائد عسكري رفيع المستوى. إلا أن هذا الطلب اصطدم بمقاومة عنيفة من الجهات العسكرية وبعض الأوساط العلمانية، منها حزب الشعب الجمهوري، إذ اعتبر رئيسه آنذاك “دنيز بايكال” إقحام اسم قائد قوات الدرك في أحداث شمدينلي “محاولة انقلاب على الجيش” من خلال استخدام جهاز القضاء.

قضت الدائرة الثالثة لمحكمة الجنايات في مدينة فان بأن “عصابة”، تتكون أعضاؤها من ثلاثة أشخاص فقط، تقف وراء هذه العملية التحريضية، وأنزلت على ضابطي الصف “علي كايا” و”أوزكان إلدنيز” و”ويسل آتيش” عقوبة السجن 39 عامًا و10 شهرًا، دون أن تتعرض لصلاتهم الأخرى، الأمر الذي عدَّه الرأي العام سعيًا للتستر على هذه الأحداث الفظيعة والمخططين الحقيقيين لها. واعترض المتهمون على القرار لدى الدائرة الأولى لمحكمة الجنايات العليا التي أحالت بدورها الملف إلى الدائرة التاسعة للمحكمة العليا المكلفة بالنظر في قضايا الإرهاب والتنظيم والأعمال التي تمسّ وحدة البلاد. وهذه الأخيرة ألغت القرار وطالبت بنقل القضية إلى المحكمة العسكرية، نظرًا لأن المتهمين قاموا بتلك الأعمال “ضمن المهام المسندة إليهم في إطار مكافحة الإرهاب!”، على حد قولها. ولما رفضت محكمة الجنايات في مدينة فان إرسال الملف الخاص بالقضية إلى المحكمة العسكرية مخافة إغلاقه فتحت السلطات تحقيقًا بحقّ المدعي العام فرهاد ساري كايا.

التصريحات التي أدلى بها أردوغان في 7 مارس 2006 والتي قال فيها: “أستنكر بشدة الجهود الرامية إلى الإيقاع بين الحكومة والجيش” تدل على أنه كان على دراية بالمؤامرة المحاكة ضده، لكن الخروج من هذا المأزق لم يكن سهلاً. فقد وافقت الدائرة الثالثة من محكمة الجنايات في 7 مارس 2006 على لائحة الاتهام التي أعدها ساري كايا وتتهم القائد العام لقوات الدرك الجنرال بويوك آنيط بـ”تشكيل تنظيم إجرامي، وسوء استخدام المنصب والتزوير في الأوراق الرسمية والتدخل في عمل القضاء”، وكذلك طالب الحبس المؤبد بحق كل من علي كايا وأوزجان إيلدنيز ووسيل آتيش، المتورطين المباشرين في العملية الاستفزازية لـ”قيامهم بالأعمال التي تهدد أمن البلاد ووحدتها، والقتل العمد ومحاولة القتل والاتفاق على ارتكاب جريمة”.

أبدى الجناح العسكري مقاومة نادرة أمام المحكمة والسلطة السياسية التي كانت تريد الكشف عن كل خيوط هذه المؤامرة، خوفًا من أن تؤدي مثل هذه التحقيقات إلى إحداث تأثير الدومينو في السلك العسكري. لذا نرى أن رئيس الوزراء أردوغان استقبل في 24 مارس 2006 في مقر رئاسة الوزراء قائد قوات الدرك الجنرال بويوك آنيط الذي ورد اسمه في أحداث شمدينلي، واستمر اللقاء حوالي ساعة ونصف. وأكد أردوغان في تصريحات أدلى بها بعد يوم من هذا اللقاء أن الجنرال برئيء من التهم الموجهة إليه وليس له أي علاقة بأحداث شمدينلي التحريضية.

طرد مدعٍ عام نال من المحصنين قانونيًّا!

وفي 20 نيسان 2006 أنهى مجلس القضاة والمدعين العامين الأعلى تحقيقاته بحق المدعي العام فرهاد ساري كايا الذي أعد مذكرة الاتهام الخاصة بأحداث شمدينلي، حيث قرر فصله من وظيفته ومنعه من مزاولة مهنته مرة أخرى، بدعوى أنه “انتهك شرف وكرامة المهنة وخرج على لوائح وقواعد التوظيف العام”، على حد تعبيره.

هذا القرار أحدث هزة في الساحة السياسية وأقلق الأوساط الديمقراطية التي كانت تعتبر القضية فرصة ذهبية للتخلص من بقايا الدولة العميقة أو تنظيم أرجنكون الذي كان يسعى للحفاظ على حصانته القانونية مهما ارتكب من جرائم. واعتبر بعض المحللين أن هذا القرار يدل على صفقة جرت خلف الأبواب، انطلاقًا من أنه جاء في أعقاب لقاء أردوغان مع الجنرال بويوك آنيط مباشرة. إلا أن هذا القرار لم يكن موضع اتفاق بين أعضاء الحزب الحاكم وأركان الحكومة، إذ نرى أن نائب حزب العدالة والتنمية من العاصمة أنقرة “أرسونماز يارباي” نوّه بأن كلاً من وزارة الداخلية ووزير العدل “جميل تشيتشاك” ورئيس الأركان العامة حلمي أوزكوك ومجلس القضاء الأعلى أخطأوا في طرد المدعي العام ساري كايا. وما قاله وقتها رئيس البرلمان التركي “بولنت آرينتش” من أن “هذا القرار عقوبة ثقيلة تجرح الضمير، وتضعف الشعور بالعدل، وتلقي ظلاً على بعض السلطات والمسؤولين. ولا بد أن أعبّر عن حزني لهذا القرار”، يدل على الشرخ الكبير الذي أحدثه القرار في الحكومة وآليات قرار الدولة.

وبعد هذا التهاون الحكومي في الموقف نجد أن المحكمة العسكرية في مدينة فان قضت بإخلاء سبيل كل المتهمين “الموظفين” رغم ضبطهم متلبسين بالجريمة، وذلك في الجلسة الأولى من المحاكمة التي عقدت في 14 ديسمبر 2007.

وبعد اللجوء إلى محكمة المنازعات صدر القرار الأخير في هذه القضية في 10 يناير 2012، أي بعد 7 سنوات من الأحداث، ولم يشمل إلا المتورطين المباشرين في العملية التي حققت أهدافها في الإيقاع بين الحكومة والعسكر والشعبين التركي والكردي. حيث قضت المحكمة بحبس العسكرييْن، والعضو السابق في حزب العمال الكردستاني المتعاون معهما، 39 عامًا و10 أشهر، دون التطرق إلى الأيادي الخفية التي دبرت هذه المؤامرة الرهيبة باسخدام المعدات والأسلحة الرسمية.

يؤكد أغلب المحللين أن قضية شمدينلي كانت فرصة ذهبية ثانية لتوجيه الضربة القاضية لبقايا عصابة أرجنكون وتطهير أعماق الدولة من هذا الكيان الخارج على القانون والدستور، بعد أن افتضح أمرها بفضيحة “سوسورلوك” في عام 1996 التي تناولنها في مقال سابق لنا حمل عنوان “كفاح تركيا للتخلص من “أخطبوط” الدولة العميقة -4”. لكن عدم تحلي حكومة أردوغان بالشجاعة بما فيه الكفاية تسبب في ضياع هذه الفرصة، بل أدى إلى تقدُّم هذا الكيان غير القانوني على السلطة السياسية بخطوات عديدة للأسف الشديد.

kanun

مقالات ذات صله