11 ديسمبر 2019

من فضلك اختار القائمة العلويه من القوائم داخل لوحة التحكم

ماذا حدث في 17 – 25 ديسمبر 2013 في تركيا؟

ماذا حدث في 17 – 25 ديسمبر 2013 في تركيا؟
gazeteciler

بقلم: محمد عبيد الله

برلين (زمان التركية) – نقدم إلى قرائنا الأعزاء اليوم التقرير الخامس لسلسلة التقارير التي بدأنا ننشرها منذ مطلع هذا الشهر تحت عنوان: “أسباب الخلاف بين كولن وأردوغان”، بغية تقديم صورة صادقة عن الأحداث التي عاشتها ولا زالت تعيشها تركيا منذ 5 أو 6 سنوات بصفة خاصة، لنحاول في النهاية القيام بتحليل موضوعي لهذه الأحداث دون انحياز إلى أي طرف في إطار قواعد الالتزام بالحق والحقيقة والإنصاف.

وكما سيتذكر متابعونا الأعزاء، فإننا تناولنا في التقرير الثالث من هذه السلسلة الذي حمل عنوان “أطول يوم في حياة أردوغان” تسجيلات المكالمات الهاتفية التي كان أردوغان يأمر فيها ابنه بلال بإخفاء ملايين الدولارات واليورو الموجودة في منزله. وعلى الرغم من أن أردوغان نفى صحة محتوى تلك التسجيلات، وزعم أنها ممنتجة لا تعكس الحقيقة، إلى جانب إنكاره كل التسجيلات الأخرى المنسوبة للمتهمين الآخرين من الوزراء وأبناءهم والإيراني المعتقل في الولايات المتحدة رضا ضراب جملة وتفصيلاً، إلا أن الأخير اعترف بصحة هذه التسجيلات، كما أن هيئة المحكمة الأمريكية حصلت على تقرير من لجنة خبراء أكد صحة تلك التسجيلات.

وفي هذا التقرير سنحاول رصد تفاصيل أحداث تحقيقات الفساد والرشوة وتداعياتها على الرأي العام والسياسة الداخلية والبيت الداخلي لحزب أردوغان.

ماذا حدث في 17 ديسمبر / كانون الأول 2013 في تركيا؟

في صباح 7 ديسمبر / كانون الأول 2013، أمر المدعيان العامان جلال كارا ومحمد يوزكيتش، بتنسيق من المدعي العام الشهير زكريا أوز، الذي سبق أن أشرف على قضية تنظيم “أرجنكون” الإجرامي الانقلابي، بإطلاق عملية كبيرة أصابت الجميع بالصدمة، أسفرت عن احتجاز 89 شخصًا، بينهم باريش جولر، ابن وزير داخلية تلك الفترة معمر جولر؛ وصالح كاغان تشاغلايان، ابن وزير الاقتصاد ظفر تشاغلايان؛ وعبد الله أوغوز بايركتار، ابن وزير البيئة والتخطيط العمراني أردوغان بايركتار؛ والمدير العام لبنك “خلق” الرسمي سليمان أصلان، واثنان من مشاهير عالم الأعمال علي آغا أوغلو والإيراني رضا ضراب، وعمدة بلدية “فاتح” في إسطنبول مصطفى دمير، وذلك بتهمة “الرشوة، وإساءة استخدام السلطة، والاختلاس في المناقصات العامة، والتهريب وتبييض الأموال”. ثم أصدرت المحكمة، بعد النظر في الأدلة، قرارًا باعتقال 26 شخصًا من المتهمين، بينهم أبناء الوزراء الثلاثة، ومدير بنك “خلق” سليمان أصلان، ورضا ضراب؛ في حين أن المحكمة قضت بإخلاء سبيل ابن وزير التخطيط العمراني بايركتار، ورجل الأعمال آغا أوغلو، وعمدة بلدية فاتح، قيد المحاكمة.

تدخل سافر في عمل القضاء

اعتبر رئيس الوزراء في ذلك الوقت أردوغان قضية الفساد والرشوة “عملية سياسية” تستهدف الإضرار بحكومته والاقتصاد التركي، بل وصفها بـ”محاولة انقلاب” يقف وراءها ما أسماه “الكيان الموازي”، قاصدًا به حركة الخدمة. ولذلك لم يتردد في اتخاذ تدابير يمكن عدّها “ثورية”، لتبرئة المتهمين وإفلاتهم من قبضة السلطات الأمنية والقضائية.

بدأ أردوغان يهاجم بشراسة في جميع خطاباته “الكيان الموازي” أو “الدولة الموازية”، غير أن هذه الكلمة أو المفهوم لم يكن مألوفًا لدى الشارع التركي، ولم يستخدمه أردوغان من قبل بحق حركة الخدمة، بل لم يتخذ موقفًا سلبيًّا – في العلن على الأقل – من هذه الحركة طيلة عقد كامل من حكمه، إن استثنينا الخلاف حول إغلاق “معاهد التحضير الجامعي” الذي نشب بين الطرفين قبل عدة شهور من تحقيقات الفساد، الأمر الذي أفضى إلى الارتباك والالتباس في الأذهان.

وانقسم الشارع تبعًا لذلك بين مؤيد لأردوغان في أطروحته ومعتبرٍ الكيان الموازي “حقيقة”، ومعارض له ومعتبرٍ إياه “وهمًا” يضعه أردوغان أمام شعبه ليتمكن من التستر على فساد حكومته!

وبعد يوم واحد من تحقيقات الفساد (18 ديسمبر 2013)، بادرت السلطات إلى عزل خمسة من مدراء الأمن، بمن فيهم المشرفون على التحقيقات، تلا ذلك عزل مدير أمن إسطنبول حسين تشابكين وتعيينه حاكمًا مركزيًّا (19 ديسمبر 2013)، بينما توسع نطاق حركة التغييرات في صفوف القادة والموظفين الأمنيين بصورة غير مسبوقة في اليوم الثالث، وذلك بدعوى أنهم لم يبلغوا هذه العمليات الأمنية المسؤولين الذين هم أعلى مقامًا منهم!

ومن اللافت أن حكومة أردوغان أصدرت في 21 ديسمبر 2013 مرسومًا يقضي بضرورة إبلاغ الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين، التحقيقاتِ والعملياتِ التي يقودونها، إلى كبار المسؤولين الإداريين (الحكوميين) في منطقتهم، المرسوم الذي اعتبره مجلس القضاء الأعلى، في بيان خطي، مخالفًا لمواد الدستور وقانون العقوبات، بالإضافة إلى مخالفته لمبادئ الفصل بين السلطات التنفيذية والقضائية والتشريعية، واستقلالية القضاء، وسيادة القانون، الضرورية التي لا يمكن أن تتخلى عنها أي دولة ديمقراطية في العالم، وأكد أن القضاء المستقل ضمان المرؤوسين ضد الرؤساء.

حقيقة الدعاء الذي تلاه كولن

بدأ أردوغان يستخدم لغة وصفت بـ”الخارجة عن قواعد المروءة والأدب والأخلاق”، ضد ملهم حركة الخدمة فتح الله كولن، بحيث استخدم في حقه ألفاظًا خطيرة من الناحية الدينية، إذ اتهمه بـ”النبي المزور”، ونعته بـ”مسودة عالم”، واعبره من طائفة “الحشاشين” بقيادة حسن صباح الإسماعيلي، وما إلى ذلك من الأوصاف والاتهامات التي استخدمها في خطاباته بعد تحقيقات الفساد والتي تجاوز مجموعها ألفًا، بحسب الإحصائيات الدقيقة.

أما كولن فقد رفض جميع مزاعم “الكيان الموازي” وتحدى أردوغان من خلال محاضرة ألقاها على محبيه في 21 ديسمبر 2013 قال فيها: “سأقول كلامًا لم أقله من قبل أبداً.. إني لا أعرف الأشخاص الذين يتعقبون مرتكبي الأفعال السيئة، (النواب العامين الذين يجرون قضية الفساد)، ولا أعرف واحدًا بالألف منهم، غير أن البعض ينسب القائمين على هذه الحملة إلينا (حركة الخدمة) ويرانا متعاونين فيها.. لذلك أنا أقول ولا أستثني نفسي؛ ’إذا كان من قام بهذه الحملة قد ارتكب أمرا مخالفًا لروح الدين الإسلامي، ومخالفا لمبادئ القرآن الكريم والسنة الصحيحة، ومخالفًا للقوانين الحديثة، ومنافيًا للديمقراطية، فأسال الله عز وجل أن يخسف بنا وبهم الأرض، وأن يملأ بيوتنا وبيوتهم نارًا، وأن يهدم على الجميع جدرانهم. ولكن إذا كان الأمر خلاف ذلك، بمعنى أن يرى البعضُ اللصوصَ ويتركونهم، ويهاجمون في نفس الوقت من يرشد عليهم ويكشف الغطاء عنهم، ويغمضون أعينهم عن الجريمة ويتهمون الأناس الأبرياء بارتكابها من أجل تشويه سمعتهم، فأسال المولى عز وجل أن يحرق عليهم بيوتهم، وأن يزلزلهم ويشتت شملهم ويمزق وحدتهم وأن لا يبلغهم الأمل”.

وهذا التحدي جعل أنصار أردوغان يسارعون إلى اتهام كولن بالدعاء على زعيمهم، لكن طلبة كولن نفوا ذلك واتهموا الطرف الآخر بتقليب ما قاله رأساً على عقب، وبتر الموضوع عن سياقه، أو بالاقتباس من كلامه ما يحلو لهم ويوافق هواهم، وهجْر ما يعارض رؤاهم وأفكارهم، وأكدوا أن أستاذهم لم يدعُ على أردوغان إطلاقًا، ولم يتعرض له في الكلام، بل إن كل مغزى كلامه كان ضد من يمارس الفساد والرشوة، ويأكل حق العباد أو من يسعى إلى التغطية والتستّر على ذلك، أيًّا كان، مما يعني أنه انتقد الصفات الذميمة بدون ذكر أسماء الأشخاص الذين يتصفون بها، وكأنه فصّل قميصاً وألبسه من يرتكب تلك الأفعال الذميمة دون ذكر أي اسم أو مؤسسة.

أردوغان يقيل وزراء “الفساد”

على الرغم من أن أردوغان زعم وجود كيان موازٍ داخل الدولة يريد الإطاحة بحكومته من خلال توظيف تحقيقات الفساد، إلا أنه اتخذ قرارًا بإقالة وزير شؤون الاتحاد الأوروبي أجامان باغيش من منصبه، كما أن وزير الاقتصاد ظفر تشاغلايان، ووزير الداخلية معمر جولر، ووزير البيئة والتخطيط العمراني أردوغان بايركتار أعلنوا استقالتهم من مناصبهم في 25 من ديسبر 2013 على خلفية تورط أبناءهم في أعمال الفساد والرشوة.

إلا أن شيئًا وقع لم يأخذه أردوغان في حسبانه، حيث ظهر الوزير بايركتار عقب ذيوع خبر استقالته على شاشة قناة إن تي في (NTV)، وصرح على الهواء مباشرة أنه من صلاحية رئيس الوزوراء أردوغان أن يقيل أي وزير شاء من منصبه، ويعمل مع أي وزير أراد، ثم استدرك قائلاً: “ولكن من غير الممكن أن أقبل ممارسته الضغوط عليّ أنْ “استقِيلوا وانشُروا بياناً يريحني”، ذلك أن مخطّطات الإعمار الموجودة في ملف التحقيقات الجارية (في إطار قضية الفساد)، معظمها قد تمّ تنفيذها بتعليمات صادرة من رئيس الوزراء”. ومن ثم طالب أردوغان بالاستقالة أيضًا، وفي الوقت ذاته أعلن استقالته على الهواء مباشرة من منصبه وحزبه والعضوية البرلمانية، الأمر الذي وضع أردوغان في موقف محرج جداً، ودل على أن الوزير لم يستقل بل أقيل من منصبه رغم أنفه.

وهذا الأمر تأكد عندما نُشر قرار الإقالة في الجريدة الرسمية بتاريخ 26 ديسمبر 2013، حيث جاء نص الخطاب الذي أرسلته رئاسة الوزراء إلى رئاسة الجمهورية كالآتي “نرجو الموافقة على إقالة وزير البيئة أردوغان بايركتار من مهامه طبقًا للمادة 109، مع فائق الاحترام”.

وهذا على الرغم من أن أردوغان زعم أن الوزراء الثلاثة عرضوا عليه استقالتهم منذ اندلاع أزمة الفساد، لكنه رفض استقالتهم في البداية.

وعلى خلفية استقالة ثلاثة وزراء، أعلن أردوغان تعديلا وزاريا في حكومته. ولعل أهم تغيير في هذا المجال جرى في منصب وزارة الداخلية، إذ عينت شخصيةٌ مثيرة للغاية معروفة بعلاقاتها الوطيدة مع “التيار الإيراني” في تركيا أَفْكَانْ علاء خلفًا لمعمر جولر.

أردوغان يدافع عن ضراب الإيراني

في تصريحات صحفية على متن الطائرة أثناء عودته من زيارة لباكستان في 26 ديسمبر 2013، وصف أردوغان ضراب الإيراني الذي كان الشخصيةَ المحورية في التحقيقات بـ”رجل أعمال محب للخير”، ودافع عنه قائلاً: “رضا ضراب له إسهامات في الاقتصاد التركي، فهو رجل أعمال يقوم بتصدير الذهب، ويشارك في العديد من الأعمال الخيرية”. كما ادعى أن مبلغ 4.5 مليون دولار الذي عَثرت عليه الشرطة في صناديق أحذية بمنزل مدير بنك “خلق” سليمان أصلان عبارة عن تبرعات لإنشاء مدرسة ثانوية للأئمة والخطباء!

وكانت القوات الأمنية اعتقلت (29 ديسمبر 2013) سيدة متقاعدة بسبب تظاهرها برفع صندوق أحذية من شرفة منزلها المطلّ على المنصة التي كان يخطب بها أردوغان في أحد لقاءاته الجماهيرية بمدينة مانيسا. ومنذ ذلك الحين بات التظاهر والاحتجاج برفع صناديق أحذية رمزًا يشير إلى “الفساد” و”السرقة” في تركيا.

ردود فعل حزب إسلامي

وجّه مصطفى كاملاك، رئيس حزب السعادة، المنحدر من حزب الرفاه المعروف بجذوره الإسلامية، الذي أسسه الزعيم الإسلامي الراحل نجم الدين أربكان، انتقادات لاذعة ضد طريقة تعامل أردوغان مع فضائح الفساد. فقد قال في تصريحات أدلى بها لقناة “أس تي في” (STV): “كان ينبغي على أردوغان أن يتقدم بالشكر والتقدير للنائبين العامين والشرطيين ويمنحهم جائزة ويعلنهم أبطالاً، وذلك لكشفهم النقاب عمّن مارسوا من أبناء الوزراء والموظّفين أعمال الفساد والرشوة، قبل أن تطاله الشبهات بالذات. فلو تصرّف أردوغان إزاء الفضيحة على هذا النحو لكانت كل المؤمرات – إن وجدت – باءت بالفشل ولما لحق باقتصاد الوطن أي ضرر”.

ومع أن كاملاك كان ينتمي إلى الجذور الفكرية ذاتها مع أردوغان، نظرًا لأن الأخير كان من تلامذة أربكان قبل انشقاقه عن حزب الرفاه وتأسيسه حزب العدالة والتنمية، إلا أنه اتهم زميله أردوغان بالمبادرة إلى اتهام المدعين العامين وإعلانهم “مجرمين”، والعمل على التغطية والتستّر على “القذارة الواضحة وضوح الشمس”، على حد قوله. واعتبر حملة أردوغان المضادة تدخّلاً في السلطة القضائية، وانتهاكاً لمبدأ الفصل بين السلطات الثلاث.

تطرق كاملاك أيضًا إلى الحجج والذرائع التي تشبّث بها أردوغان من أن الموظفين الأمنيين لم يبلغوا المسؤولين الذين هم أعلى مقامًا منهم قائلاً: “يقولون لماذا لم تبلغْنا النيابة العامة بهذه العمليات؟ أكان ينبغي عليها أن تتصل بالوزير وتقول ’يا سيدي الوزير، سنعتقل ابنكم، فلا تهرّبوه من العدالة!‘”.

وماذا حدث في 25 ديسمبر / كانون الأول 2013؟

في 25 ديسمبر / كانون الأول 2013 انطلقت عملية جديدة بأمر المدعي العام معمر أكّاش في مدينة إسطنبول، كان وقعها أشد من قضية الفساد الأولى التي بدأت قبل أسبوع واحد، حيث وُجِّهت إلى 96 شخصًا تهم عديدة، بينها “تشكيل وإدارة منظمة من أجل ارتكاب جريمة، وممارسات فساد في المناقصات العامة والتعاطي بالرشوة”. وأصدر المدعي العام قرارًا باحتجاز 41 شخصًا، ومن ثم قضت المحكمة بالاستيلاء على ممتلكات مجموعة من رجال الأعمال. بالإضافة إلى أن المدعي العام أمر باستدعاء بلال أردوغان، ابن أردوغان، لاستجوابه بصفته “متهمًا”، الأمر الذي قصم ظهر البعير!

وكتبت صحيفة “طرف” المعروفة بمواقفها الجريئة وتوجهاتها الليبرالية في 26 ديسمبر 2013 أن حملة الفساد الثانية كانت تكشف عن “فساد” بقيمة 100 مليار دولار في 25 مناقصة حكومية، ونوهت بصدور قرار باعتقال ضالعين به في خمس وزارات، بينها رئاسة الوزراء، بالإضافة إلى موظفين عموميين في دوائر الدولة المختلفة. وتضمن اتهام النيابة العامة أيضًا بيع أراضٍ عامة تبلغ قيمتها مليار دولار في الحقيقة بأقل من 460 مليون دولار، مما عرّض الدولة لخسارة تقدر بـ600 مليون دولار.

الأمن لا ينفذ أوامر النيابة العامة!

لكن شهدت تركيا حادثة لعلها الأولى من نوعها طلية تاريخها الطويل، حيث رفضت أجهزة الأمن – بأمر السلطة السياسية بطبيعة الحال – الاستجابة لأوامر النيابة العامة بالاعتقالات المذكورة، الأمر الذي أدى إلى أزمة إدارية في البلاد بكل معنى الكلمة.

سحب الملف من النائب العام

وبعد يوم واحد من انطلاق حملة الفساد الثانية، أصدر النائب العام معمر أكّاش بيانًا خطيًّا أوضح فيه الضغوطات التي مورست بشكل علني على القضاء عمومًا، وعليه شخصيًّا، من أجل إعاقة التحقيقات في قضية الفساد الثانية، وسحب الملف منه، وجاء في بيانه المطول ما يلي:

“لقد وجدت من الضرورة الإدلاء بالبيان التالي بسبب الضغوطات التي مورست من أجل إعاقة عملية التحقيقات في قضية الفساد التي كنت أشرف على إدارتها بالذات. إني أدير عملية التحقيقات منذ زمن طويل ضد عدد من الأشخاص المعروفين لدى الرأي العام، وبعضهم من الموظفين العموميين، وذلك بعد أن رُفعت بحقهم دعاوى تشير إلى ممارستهم الفساد والرشوة واستغلال النفوذ والتزوير والتهديد وغير ذلك من الجرائم المخالفة للقانون.

وقد تمّ الحفاظ على سرية التحقيقات طيلة هذه الفترة، لكن بعد تسريب الأمر إلى وسائل الإعلام وسعي البعض إلى طمس الأدلة التي تثبت تورّط الأشخاص المشتبه بهم قمتُ على الفور في 24 / 12 / 1913 بتقديم الملف الخاص بهذه القضية إلى النائب العام الأول طوران تشولاك قاضي، ووكيل النيابة أوكتاي أردوغان.

وفي محاولة للملمة الأمر ومنع المشتبه بهم من طمس أدلة تورطهم في قضية الفساد، تم على عجالة استصدار قرار بتنفيذ الحملة من القضاء المناوب، وأبلغتُ مديرية الأمن بضرورة تنفيذ القرار القاضي بتوقيف الأشخاص المشتبه بهم على الفور، خصوصًا بعد معرفتي من خلال متابعتي لبعض وسائل الإعلام وبعض المواقع الإلكترونية بأن هناك عدداً من الأسماء التي صدر بحقهم أمر الاعتقال يسعون جاهدين لطمس أدلة تلبّسهم بالجريمة.

وقد التقيت في مساء نفس اليوم بمبنى القصر العدلي في إسطنبول بقادة شعب الأمن التي أوكلت إليها مهام القيام بالحملة، إلا أنها رغم ذلك لم تنفذ الأوامر ولم تقم مديريات الأمن بأي إجراء.

أما اليوم (26 ديسمبر 2013) فقد فوجئت بسحب الملف المتعلق بهذه القضية مني، دون إبداء أي مبررات قانونية، لذلك فإن المسؤولية تقع اعتبارًا من الآن على عاتق النائب العام الأول في إسطنبول وعلى وكيله.

ومن هذا المنطلق، يجب على جميع زملائي القضاة وعلى الرأي العام أن يدركوا تمامًا بأنه تمت إعاقتي كنائب عام للدولة من إتمام مهامي في التحقيقات، وبناء عليه فإن النيابة العامة والشرطة المكلفين بإنفاذ القوانين مُنعوا من القيام بمهامهم الموكلة إليهم.

خلاصة القول إن المشرفين الأمنيين قد ارتكبوا جريمة بعدم تنفيذهم قرارات النيابة العامة، وبمنحهم الأشخاص المتورطين في أعمال الفساد فرصة الهروب وطمس الأدلة.

وأخيرًا؛ فإن هذه المرحلة التي نمر بها صعبة، لذلك فإني أهيب بكبار رجال القانون والحقوقيين أن يهبّوا للدفاع عن استقلالية القضاء”.

أردوغان يفصل “الأصوات المعارضة” من حزبه

وفي غضون ذلك، بدأت أصوات معارضة تتعالى من صفوف حزب العدالة والتنمية الحاكم، ما دفع أردوغان إلى اتخاذ تدابير لمنع حصول شرخ في صفوف حزبه وحكومته. فبعد أن استقال كل من نجم لاعب كرة القدم الشهير عالميًّا والذي تصدر قائمة الهدافين على المستوى التكي والأوروبي خاقان شكر، والخبير في الشؤون الأمنية إدريس بال، بعد أيام قلائل من بدء تحقيقات الفساد، اتخذ أردوغان قرارًا بإحالة كل من أرطغرل جوناي، الذي شغل منصب وزارة السياحة والثقافة، وأردال كالكان، وحلوق أوزدالجا الخبير في السياسة الخارجية، إلى لجنة التأديب، بهدف فصلهم من الحزب، وذلك على خلفية تصريحاتهم المنتقدة لطريقة تعامل الحكومة مع فضائح الفساد والرشوة. لكن هؤلاء النواب المعروفين بمعارضتهم لإغلاق “المعاهد التحضيرية الخاصة” أيضًا لم ينتظروا قرار اللجنة وأعلنوا استقالتهم من حزبهم في 26 ديسمبر 2013.

وكان أرطغرل جوناي، الذي لعب دورًا محوريًّا في انفتاح حزب أردوغان على شرائح علمانية وليبرالية عريضة، نظرًا لانشقاقه من حزب الشعب الجمهوري “العلماني”، قال في إطار تعليقه على قضية الفساد والرشوة وغسيل الأموال والتطورات الناتجة عنها: “لا ينبغي أن تكون الخطوة الأولى تغييرَ رجال القضاء، بل استقالة مَن وردت أسماؤهم في تلك الادعاءات، وذلك سعياً لتأمين سلامة قضية التحقيق ونزاهتها. ولا شكّ أنه من الخطأ الكبير توجيه الاتهامات ضد رجال الأمن والنواب العامين الذين كشفوا النقاب عن هذا الفساد، وأن قيامَ الشخص المتهم (وزير الداخلية) بتغيير كوادر الشرطة في مناطق مختلفة يعتبر تدخّلاً في القضاء وانتهاكاً للقانون وذنباً لا يغفره لا الخلق ولا الحق سبحانه وتعالى”.

“القلة الحاكمة تسيطر على أردوغان”

واتهم جوناي، في تصريحات له (29 ديسمبر 2013) أردوغان بتعيين أشخاص كانوا يتهمونه سابقاً ببيع البلاد كمستشارين له، في إشارة منه إلى “القلة الحاكمة” التي تؤثّر على قراراته، من أمثال “يكيت بولوت”، و”يالتشين أكدوغان” وغيرهما، القلة الحاكمة التي كان أشار إليها أيضًا وزيرُ الداخلية الأسبق “إدريس نعيم شاهين” عندما استقال من حزبه العدالة والتنمية في وقت سابق اعتراضاً على التدخلات الأخيرة في السلطة القضائية ونفي 555 شرطيًّا شاركوا في حملات الفساد.

وفي معرض رده على اتهام أردوغان المستقيلين من الحزب بـ”الخيانة”، قال جوناي: “إذا استطاع أردوغان إنقاذ نفسه من التوتر النفسي المسيطر عليه، ونظر إلى المرآة، فسيعترف حينها ضميره بأنه أخطأ في إطلاق وصف الخيانة على المستقيلين من الحزب. فقد وقفنا إلى جانبه في أصعب أيامه، وحذرناه من السير في هذا الطريق الخطير. وإذا اعتبر تحذيرنا هذا ضرباً من الخيانة؛ فأعتقد أن لديه مشكلة حادة تتعلق بالتصورات النفسية التي تخطر بذهنه”.

كالكان: مهمة الحكومة التصدي للفساد لا حمايته

بينما شرح أردال كالكان الأسباب التي دعته إلى الاستقالة من الحزب عبر تغريدات نشرها على حسابه في موقع تويتر قائلاً: “لقد انضممت إلى حزب العدالة والتنمية إبّان سيطرة العسكر على كل شيء، والتزمت قبل رئيس الوزراء أردوغان بموقف محدد وواضح من هذا الأمر، وهو أن الأحزاب السياسية أمر لا يستغنى عنه بالنسبة للنظام الديمقراطي. غير أن الأحزب السياسية ليست مزرعة لأي أحد يمكنه أن يوظفها فيما يحلو له، بمن فيهم رئيس الوزراء أردوغان، وإنما هي من الثمار والموجودات الاجتماعية التي زرعها الملايين من الشعب، وأن السبب الأهم لوجود الحزب والحكومة هو التصدي للفساد والرشوة والسرقة واللصوصية”. ثم اختتم بقوله: “هذا الشعب العظيم يدرك ويرى كل شيء، فليكن هذا الشعب هو الحكَمَ وصاحب القول الفصل، فالشعب التركي قادر على أن يحل المشاكل الحالية. إني أعلن استقالتي من حزب العدالة والتنمية، وليعلم الجميع أن الدنيا تلفّ وتدور، والشعب ليس مغفلاً، وطريقكم مسدود”، على حد تعبيره.

 

kanun

مقالات ذات صله