18 أغسطس 2019

من فضلك اختار القائمة العلويه من القوائم داخل لوحة التحكم

تركيا: “الأردوغانية القديمة” وتصاعد “القومية الإسلامية”

تركيا: “الأردوغانية القديمة” وتصاعد “القومية الإسلامية”
gazeteciler

(زمان التركية)ــ نشر موقع صحيفة (أحوال تركية) تقريرا حول تحالف تياري الإسلام الراديكالي والقومي، وهي الأيدلوجية التي لجأ إليها مؤخرا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من سعيا لكسب الانتخابات المقبل ةفي عام 2019.

وجاء في تقرير (أحوال تركية) بقلم الكاتب محمد عبد القادر خليل، الآتي:

تتصاعد التحولات في حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، ولم يعد يعبر عن نسيج من التيارات التي تتسم بالتجانس وتعدد ألوانها السياسية، وإنما غدا يشهد تحولات دراماتيكية قائمة على تحالف تياري الإسلام الراديكالي والقومي المتطرف.

هذا التحالف لا يستهدف محض إخضاع الدولة، وإنما تطويع المجتمع أيضا، عبر خطوط عريضة يصوغها خطاب قومي – إسلامي يسعى إلى نزع شرعية الأيديولوجية الكمالية لصالح أيديولوجية يمكن أن يطلق عليها “أردوغانية قديمة” تعمل على استعادة ماضٍ بأدوات تبدو في ظاهرها جديدة، غير أنها لا تنسجم مع هوية الدولة الثقافية، ولا مع طابعها السياسي الحديث.

هذه الأيديولوجية تقوم على عمل متواصل من أجل محاصرة “الكمالية” التي تستند إلى عنصري العلمانية – والقومية، من خلال تحالف بديل يقوده الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان بين التيارات القومية والإسلامية، انطلاقا من أن ذلك مثَّل العنصر المؤثر في سياسات الإمبراطورية العثمانية منذ مطلع القرن التاسع عشر.

وظف أردوغان من أجل ذلك خطابا قوميا يميل إلى الشعبوية، يستند إلى دغدغة المشاعر، ويلعب على وتر القومية، والتمايز الحضاري عن الآخر. هذا الخطاب بدا مؤخرا متزامنا مع تصاعد أدوار الأحزاب القومية على الصعيد الأوروبي.

بيد أنه في الحالة التركية تعلق، من حيث المضمون، بتصاعد الخطاب القومي، وتدشين تحالف وثيق بين حزبي العدالة الحاكم والحركة القومية المعارض، ومن حيث المظهر والشكل الخارجي، فقد تجسد في ملابس حرس القصر الجديد للرئيس التركي، ونمط الأداء الإعلامي والإنتاج الدرامي، كما عكسته مفارقة قيام عدد ملحوظ من قيادات حزب العدالة بإطلاق شواربهم، على الطريقة القومية التركية.

هذا السلوك عبَّر عن تصاعد حضور ظاهرة “القومية الإسلامية”، سيما عقب فشل تحالف الأردوغانيين مع “الغولانيين” (نسبة إلى أتباع حركة فتح الله غولن)، كما ارتبط ذلك بمحاولة أردوغان استعادة علاقاته بما يطلق عليه “الدولة العميقة”، بعد فشل تسوية القضية الكردية في يوليو 2015، وبروز المقاربة العسكرية في التعاطي مع حزب العمال الكردستاني PPK، والنهج الأمني للسيطرة على المعارضة السياسية.

كما تنامي هذا التحول الدرامي، بعد محاولة الانقلاب في يوليو 2016، حيث بات “خطاب المؤامرة” حاضرا في مختلف الخطب السياسية لقادة العدالة والتنمية، في ظل الحضور القومي الكردي المتصاعد في الجوار الجغرافي المحيط بتركيا في سوريا والعراق.

توازت عملية الدمج بين التوجه القومي المتصاعد والإسلامي المتجذر، مع مسعى التأسيس لحكم ديكتاتوري، ذي مرتكزات قومية، يقوم على حكم رجل واحد بواسطة حزب واحد، غدا يعبر عن كونه حزبا قوميا بقدر كونه إسلاميا.

استدعي ذلك تكتيك عدم إعلان معاداة الحركة الكمالية، وإنما تهميشها بتفكيك تركيباتها، أخذا في الاعتبار أن الزهو القومي الكمالي تأسس على انتصارات أتاتورك منذ عام 1919، حينما قاد العمل العسكري لاستعادة أراضي الأناضول لأحضان الدولة الوليدة عام 1923، ومنحها السيادة على مضيقي الدردنيل والبوسفور، بعد صراع مرير مع المحتل البريطاني، واليوناني، والأرميني.

تبني أتاتورك مفهوم القومية التركية متأثرا بكتابات المفكر التركي، ضياء كوك ألب، الذي سعى إلى إحياء روح القومية التركية المبنية على أساس اللغة التركية والعمق الثقافي – بل والإثني – التركي.

وتوظيفا لكون القرن التاسع عشر مثَّل قرن الدولة القومية، تبنّى أتاتورك مفهومين أساسيين مُنِحَ من خلالهما الشرعية الجديدة التي شيد عليها هذه الدولة، حيث القومية، والعلمانية.

بيد أن توجهات حزب العدالة أظهرت النزعة القومية عبر تضمين مرحلة أتاتورك في التاريخ الأبعد، حيث هزيمة البيزنطيين على يد السلاجقة الأتراك عام 1071، وهو تاريخ مقدس لدى القوميين المتطرفين، والأتراك الإسلاميين، كما يشمل ذلك أيضا معركة فتح اسطنبول عام 1453.

استهدف من ذلك إعادة تعريف الكمالية، وفي الوقت نفسه إعادة تقييم أفكار أتاتورك، بحسبانها لا تمثل انقطاعا عن الماضي، وإنما امتدادا له، بما يعنيه ذلك من إهمال مبدأ العلمانية الأتاتوركية، وتضمين ميراث أتاتورك في سردية إسلامية تضم الرموز الدينية والقومية.

ارتكز ذلك على عدد من المحركات الرئيسية: أولها: إدراك أردوغان أهمية العلاقة التكافلية بين الإسلام السياسي والمحرك القومى، لأن القومية التركية متأصلة فكريا ووجدانيا لدى قطاع واسع من الأغلبية التركية في البلاد.

وثانيها، تعلق بكون حزب العدالة والتنمية يأتي من خلفية أيديولوجية ترتكز على “ميللي غورش” أو “الرؤية القومية”، التي تقوم على البعد عن الغرب لصالح استعادة قيادة دول العالم الإسلامي، ونسج خطوط تواصل مع دول “العالم التركي”، وفق رؤية لا تقوم على استنهاض أمة تشغل فيها تركيا مكانة متساوية إلى جانب الأمم الإسلامية الأخرى، وإنما تفوقها.

كما يتأسس ثالث المحركات على تحالف القوميين والإسلاميين الأتراك، وفق ما أطلق عليه في تركيا نظرية “التوليف الإسلامي” التي تعود إلى

سبعينيات القرن الخالي، وهى نظرية طورها مجموعة من الأكاديميين أصحاب الرؤى المحافظة بهدف مواجهة تنامي انتشار الأفكار الماركسية في المجتمع التركي.

هذه النظرية تعززت بعد انقلاب عام 1980، حيث عملت الإدارة العسكرية للدولة على تعزيز الهوية التركية، عبر خليط استطرادي للرؤى القومية المتطرفة والعثمانية الإسلامية، التي تعبر عن الإسلام السني، لتعزيز حضور القومية التركية في ثوب إسلامي يطلق عليه “الطورانية”.

هذا فيما ارتبط رابع المحركات بتصاعد الهوية القومية لدى حزب العدالة والتنمية بفعل تأثره بالعديد من الشخصيات التركية التاريخية كنجيب فاضل قيساكروك، الشاعر والمفكر الإسلامي التركي، الذي تبني توجهات معارضة للغرب، وحاول عبر أشعاره وكتاباته التي دعا أردوغان إلى تدريسها، استنهاض الماضي الإمبراطوري للدولة.

انعكس ذلك في كتابات وتصريحات أغلب قيادات حزب العدالة والتنمية، وما أنتجته من أدبيات حاولت إعادة صياغة الحديث حول الدور التركي من منظور الجغرافيا السياسية للإسلام السياسي، والحق التاريخي المتصل بإرثها العثماني، وفق تعبيرات الكاتب جنكيز تشاندار.

مع ذلك، ثمة عنصران حاكمان لمسار ظاهرة “القومية الإسلامية” المتصاعدة في تركيا، الأول يتعلق بأن إخفاق تجربة حزب العدالة والتنمية قد يرتبط بالتداخل بين الفكر الإسلامي المتشدد والقومي المتطرف، خاصة أن الأيديولوجية القومية التي تبناها حزب “الاتحاد والترقي” الحاكم في أواخر عهد الإمبراطورية العثمانية، عجَّلت، وفق أغلب الأدبيات، بزوال سلطته، وانهيار الحكم العثماني.

والعنصر الثاني يتعلق بأن تصاعد خطاب أتاتورك القومي لا يمكن إغفال أنه تأثر بمحاولة الاغتيال التي تعرض لها عام 1926 في مدينة أزمير، على نحو وظفه لتعزيز سيطرته على الدولة.

هذا السيناريو استنسخه أردوغان، عقب محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، ليتشكل مشهد قد لا تتوقف تبعاته الدرامية، في الحالة الأردوغانية المشدودة إلى الماضي، على حدود تركيا وتطوراتها المحلية فحسب، وإنما قد تطول ارتداداته مناطق مجاورة في مراحل لاحقة، وربما يفسر ذلك اعتماد تركيا على “القوة الخشنة” على أكثر من ساحة جغرافية مجاورة.

 

kanun

مقالات ذات صله