5 يوليو 2020

من فضلك اختار القائمة العلويه من القوائم داخل لوحة التحكم

الخلفية التاريخية لانقلاب 1997 الأبيض في تركيا (2)

الخلفية التاريخية لانقلاب 1997 الأبيض في تركيا (2)
zaman

بقلم: محمد عبيد الله

برلين (زمان التركية) – تحدثنا في مقالنا السابق الذي حمل عنوان “نظرة شمولية لمحاولات القضاء على الكوادر الوطنية الديمقراطية في تركيا (1)”، عن تطورات قضية انقلاب 1997 الناعم والإفراج عن مدير أمن إسطنبول حسين تشابقين، ورسائل التهديد المشفرة المتبادلة بين تنظيم “أرجنكون” وأردوغان. وسنحاول في هذا المقال وما سيليه من سلسلة مقالات تقديم رؤية شمولية أو بانورامية لمحاولات أرجنكون – أردوغان الرامية إلى تصفية الكوادر الوطنية الديمقراطية في تركيا بدعوى انتماءها إلى حركة الخدمة، اعتبارًا من أيام قضية الانقلاب الأبيض في عام 1997 حتى يومنا.

الخلفية التاريخية لانقلاب 1997 الأبيض:

الخدمة جمعت حول طاولتها كل الأيدلوجيات

شهدت تركيا في 28 فبراير/شباط من عام 1997 انقلابًا سمي “انقلاب ما بعد الحداثة”، في ظل الحكومة الائتلافية بين كل من حزبي الرفاه الإسلامي بقيادة الراحل “نجم الدين أربكان” والطريق القويم برئاسة السيدة “تانسو تشيلّر”. ومع أن الانقلاب استهدف الحكومة المدنية في الظاهر، غير أن المجتمع المدني بكل أطيافه كان قد تضرر أكثر من الحكومة. ولعل أكبر ضرر ألحقه هذا الانقلاب هو تدميره لتلك “البيئة السلمية الحوارية” التي تشكلت في تركيا في التسعينات بفضل إسهامات كل النخب والمثقفين والسياسيين المنتمين إلى شتى الأفكار والأيدولوجيات والمؤسسات الفكرية ومنظمات المجتمع المدني، بينها حركة الخدمة.. البيئة التي كانت تتمكن فيها “الأقطاب المتضادة” من الاجتماع حول طاولة بحث واحدة لمناقشة قضايا إنسانية واجتماعية وسياسية ووطنية ودينية بكل حرية، ويتصافح فيها الكاتب المثقف العلماني الكمالي البحت “توكتاميش آتيش” مع الكاتب الصحفي الإسلامجي الراديكالي “عبد الرحمن ديليباك”، وقادة الأحزاب اليمينية مع نظراءهم من الأحزاب اليسارية، والكتاب الأكراد والعرب والأرمن مع زملاءهم الأتراك، وممثلو الدين المسيحي واليهودي مع ممثلي الدين الإسلامي أو العلماء المسلمين، على أساس الاحترام المتبادل وقبول كل طرف موقف الطرف الآخر كما يُعرف ويقدم نفسه. وأفضل دليل على ذلك مئادب الإفطار واجتماعات منتدى “آبانط” الشهيرة التي أقامتها حركة الخدمة بالتعاون مع كل الأطراف المذكورة أعلاه، وكان أردوغان وعدد كبير من السياسيين الحاليين من كل الأحزاب البرلمانية من بين من شاركوا في هذه الفعاليات.

الأجواء السلمية أزعجت نظام الوصاية العسكري

لكن نظام الوصاية العسكري القائم على الأقليات بصفة رئيسية، وله داعمون في الجيش والمخابرات والأمن والسلك البيروقراطي والمجال المدني من المجموعات “المارقة” التي لا ترغب الخضوع للدستور والقوانين مثل جميع المواطنين الآخرين، وتريد أن تكون موارد تركيا تحت الأرض وفوقها حكرًا عليها، كان منزعجًا من هذه الأجواء السلمية الحوارية، لأن بقاءه ودوامه كان منوطًا باستمرار حالة الاستقطاب والانقسام في المجتمع التركي بجميع أطيافه وطوائفه. ولذلك قامت مجموعة عسكرية قليلة من حيث العدد، قوية من حيث التأثير والنفوذ، ومعها سند من الأجنحة الأخرى في كل مؤسسات الدولة والحياة المدنية، بانقلاب عسكري ضد الحكومة المنتخبة من أجل إعادة تصميم السياسية والمجتمع معًا، وذلك بذريعة “مكافحة الرجعية”، التي كانت الورقة الرابحة في الانقلابات الثلاثة السابقة أيضًا.

حرب نفسية وضغوط

لكن الذي ميّز هذا الانقلاب عن نظيراته الثلاث السابقة أنه لم يكن انقلابًا عسكريًّا تقليديًّا استُخدم فيه الأسلحة والدبابات بصورة أساسية، وإنما تمثل في ممارسة “حرب نفسية” و”ضغوط” على الحكومة لإخضاعها لإرادة أصحاب نظام الوصاية وإنشاء مناخ ترويعي في المجتمع، حتى يتمكن المجلس العسكري الانقلابي من تنفيذ مشروعه المعد لألف سنة قادمة، بحسب تعبيره. وهذا الفارق جعل الرأي العام والباحثين أن يطلقوا على هذا الانقلاب “الانقلاب الأبيض” أو “الانقلاب الناعم” أو “انقلاب ما بعد الحداثة”.

وإذا نظرنا إلى التصريحات التي أدلى بها دورسون تيتشاك “الانقلابي”، رئيس دائرة “الحرب النفسية” في الجيش سابقًا، لصحيفة “حريت” في شهر مارس/آذار من عام 2016، فإنه من السهولة بمكان أن ننتهي إلى أن الهدف الحقيقي من هذا الانقلاب كان تصفية الكوادر “الوطنية الديمقراطية” بالدرجة الأولى. إذ قال دورسون تيتشاك في حواره مع تلك الصحيفة بالحرف الواحد: “الهدف الأساسي من انقلاب 28 شباط 1997 كان الرجعية المقصود بها حركة الخدمة 80%!”، على حد قوله. ولا يغيب عن البال أنه يشرّع الانقلاب بمكافحة “الرجعية”، ويختزل الرجعية في “حركة الخدمة” بصورة رئيسية، ويغلّف هدف القضاء على البيروقراطية الوطنية الديمقراطية المعارضة لنظام الوصاية العسكرية بالقضاء على الخدمة فقط، حيث أثرت نتائج هذا الانقلاب على كل البيروقراطيين الذين جمعهم القاسم المشترك “الوطنية والديمقراطية”، ولم تقتصر على المتعطفين مع الخدمة.

محاولات قديمة لإلصاق الإرهاب بالخدمة

ومن اللافت أن “أحمد دونماز”، الكاتب الصحفي المخضرم في موقع “TR724” الإخباري، يعيد جذور الجهود الرامية إلى إعلان حركة الخدمة تنظيمًا مسلحًا إرهابيًّا، للحصول على ذريعة تصفية الكوادر الوطنية الديمقراطية، من خلال تدبير انقلاب محكوم عليه بالفشل وإلصاق الجريمة بالخدمة، إلى أيام هذا الانقلاب. فيما يلفت أمره أوسلو، الخبير الأمني والكاتب الصحفي، الذي كان يكتب في جريدة “طرف” الليبرالية قبل إغلاقها، الانتباه إلى أن هذا الانقلاب كان يخطط للقضاء على “الفئة المحافظة” التي فتح الراحل طرغوت أوزال أبواب الدولة ومؤسساتها لها خلال فترة شغله منصب رئيسي الوزراء والجمهورية، بحجة مكافحة “الرجعية” التي تمثلت في حركة الخدمة 80%، بحسب تعبير رئيس دائرة الحرب النفسية.

لكن كانت هناك مشكلة جذرية استمرت سنوات – ولا تزال – ألا وهي العجز عن إلصاق “الرجعية” والعنف” و”الإرهاب” بحركة الخدمة، تمهيدًا لإعلانها حركة إجرامية وإرهابية، من أجل تصفية هذه “الكوادر الوطنية” ذات خلفيات مختلفة، تحت مسمى تصفية الدولة من هذه الحركة. ذلك لأن الخدمة عُرفت منذ نشأتها الأولى بتركيزها على العلم والمعرفة من خلال فتح معاهد التحضير الجامعي والمدارس والجامعات الخاصة في تركيا وكل أنحاء العالم، والتزامها الصارم بمبدإ السلم والحوار ونبذ العنف بكل أشكاله، مهما كانت الذرائع أو المبررات، وانفتاحها على “الآخر” في الداخل والخارج.

كولن رائد الحوار والتسامح في تركيا والعالم

وكان الأستاذ كولن أطلق بعد عام 1990 حركة رائدة في الحوار والتفاهم بين معتنقي الأديان والأفكار الأخرى اتسمت بالمرونة والبعد عن التعصب والتزمت والتطرف، لتجد خلال مدة قصيرة صداها في تركيا أولاً وفي العالم لاحاقًا. ووصلت هذه الحركة إلى ذروتها بالاجتماع الذي عقد عام 1998 بين كولن والبابا في الفاتيكان إثر دعوة البابا لـه. ذلك لأن الأستاذ كولن آمن بأن العالم أصبح بفضل تقدم وسائل الاتصالات الحديثة قرية صغيرة عالمية بحيث لن تحقق أي حركة قائمة على الخصومة والعداء والعنف أي نتيجة إيجابية، ولا بد أن يكون الحوار والإقناع السبيل الأوحد لنشر المعتقدات أو الأفكار. لذلك نراه يؤكد في كل خطاباته ومحاضراته ودروسه أن الإسلام ليس قائماً على الإرهاب، ولا يمكن تجويزه مهما كانت الذرائع والمبررات، بل أعلن أنه “لا يمكن أن يكون المسلم إرهابيًّا، كما لا يمكن أن يكون الإرهابي مسلمًا”. وهذه الرؤية السلمية لكولن صعّبت كثيرًا خطة خصومه لإلصاق تهمة الإرهاب بحركة الخدمة التي تستلهم فكره.

لذلك كان نظام الوصاية العسكري يبحث عن طريق ناجع لإعادة الدولة إلى “الأقليات” أو “الزمرة الحاكة” التي تمثلت بشكل أساسي في القوميات الأجنبية والفئات المعادية للدين، بعد أن خرجت من أيديها بفضل سياسات طرغوت أوزال وعدنان مندريس من قبله. ولهذا العجز اكتفت هذه المجموعة الانقلابية في المؤسسة العسكرية المرتبطة بتنظيم أرجنكون بإجراء انقلاب “محدود” أو “ناعم” فقط انتهى بإسقاط الحكومة الائتلافية في تركيا، وطرد عدد كبير من الموظفين في جهاز الأمن والمؤسسة العسكرية بصفة خاصة بحجة “الرجعية” أو “الانتماء إلى حركة الخدمة”.

وكان العسكريون الانقلابيون تذرعوا بمجموعة دينية تطلق على نفسها “عجزي مندي” وتزعم انتماءها إلى “حركة النور” التي تنحدر منها حركة الخدمة أيضًا، وتلفت الانتباه بمظاهرها الاستفزازية لتنفيذ مخطط الانقلاب. وهذه المجموعة كانت من صنع بؤرةٍ داخل المخابرات الوطنية داعمةٍ لنظام الوصاية العسكري، واختفت تماماً بعد الانقلاب، لأنه لم يعد لها حاجة بعد أن أدت دورها! وكان الجنرالات الانقلابيون يؤكدون أنهم أعادوا الدولة إلى جذورها “العلمانية” (أي إلى الأقليات) وأن هذه الفترة ستستمر ألف عام.

العسكر يتهم كولن بالسعي لتأسيس دولة الشريعة

وكان الإعلام الداعم للانقلاب نشر مقاطع فيديو تتضمن مقتطفات من الدروس التي ألقاها الأستاذ كولن في أوقات ومناسبات مختلفة، وأخرجها عن سياقها ليتسنى له اتهام حركة الخدمة بـ”الرجعية” ومحاولة تقويض “العلمانية” عبر اختراق مؤسسات الدولة. وكان كولن ينصح في هذا الدرس لمحبيه من الموظفين العموميين بأن يلتزموا الحيطة والحذر لكي لا يُشعروا أنفسهم على “البؤر المظلمة” التي تسترت في أعماق الدولة ولا تستسيغ وجود “أي شخص له أدنى صلة بالدين” في المؤسسات الرسمية. إلا أن الجناح العسكري الانقلابي الذي كان وضع كل ثقله على السلطة السياسية أثار زوبعة في الفنجان واستغل نصيحة كولن هذه في الاستشهاد على اختراق أجهزة الدولة من قبل حركة الخدمة. وكان الكاتب الصحفي الراحل توكتاميش آتيش الذي لم يكن يشكّ في علمانيته أحد من الذين خرجوا معترضين على هذا الاتهام، وأكدوا أن هذه النصيحة إن دلت على شيء فإنها تدل على مدى الضغط الذي كان يمارسه نظام الوصاية على “الفئة المحافظة” والمتدينة الملتزمة بمتطلبات دينه وأخلاقه، وأشاروا في الوقت ذاته إلى إعلان ويزر العدل الأسبق (1994 – 1995) من حزب الشعب الجمهوري “محمد موغلتاي” على الشاشة التلفزيونية أنه قام بفصل أكثر من 5 آلاف شخص “متدين” من شتى المؤسسات والهيئات الرسمية، بينهم متعاطفون مع حزب الرفاه وحركة الخدمة والجماعات الإسلامية المختلفة، ووظّف مكانهم ممّن ينتمون إلى فكرهم العلماني اليساري المتطرف و”الطائفة العلوية” على وجه الخصوص. وفي مثل هذا السياق، كان كولن وجه المتعاطفين معه بصفة خاصة، والمتدينين بصفة عامة، بأن يتجنبوا إظهار هوياتهم الدينية في المؤسسات الرسمية وإثارة حفيظة العسكر العلماني حتى لا يتعرضوا للنفي أو الطرد من الوظيفة كما حدث أثناء وتيرة الانقلاب الناعم بدءًا من عام 1997.

“شرذمة قليلة أجنبية اخترقت الدولة وليست الخدمة”

وفي إطار رده على مزاعم اختراق أفراد حركة الخدمة لمؤسسات الدولة، قال كولن بأن تشجيع أي إنسان لأفراد شعبه على دخول بعض مؤسسات بلاده في إطار القانون لا يمكن تسميته بـ”الاختراق”، حيث إن المشجَّعين على دخول هذه المؤسسات هم أفراد الشعب التركي ومواطنو الدولة التركية، والمؤسسات هي مؤسسات هذا الشعب وهذه الدولة. ومن ثم لفت إلى نقطة مهمة بقوله: “إن الاختراق الحقيقي في تركيا جرى فعلاً في فترة معينة على أيدي شرذمة قليلين مِمَّن ليسوا من الأمة التركية. فالذين يتهمون اليوم أبناء الأمة التركية باختراق دولتهم ربما يسعون للتستر على اختراقهم الحقيقي للدولة التركية. ولعل قلقهم نابع من أن أبناء هذه الأمة لاحظوا اختراق هذه المجموعات الأجنبية لمؤسسات دولتهم. فالأتراك لا يخترقون مؤسسات دولتهم، بل الدخول إليها والتوظيف فيها من حقوقهم الطبيعية، فهم يستطيعون أن يدخلوا إلى السلك السياسي والقضائي والجيش والاستخبارات والخارجية في إطار القوانين والمراسيم الخاصة بتلك المؤسسات الرسمية دون أي مانع”.

ونفهم من التصريحات الأخرى لكولن أنه لا ينفي حقوق الأقليات في تركيا أبدًا، ولا يرى بأسًا في توظيف الأجانب في مؤسسات الدولة، بل هو الذي التقى ممثلي القوميات والطوائف والأديان السماوية في تركيا والعالم، ومن ثم قاد الحركة التي تدعو إلى الحوار والتعايش السلمي بينهم، وإنما هو يعترض على عمل بعض هذه الأقليات لصالح الدولة التي تنتمي إليها “عرقيًّا” أو “فكريًّا” على نحو يخالف مصالح الشعب التركي والدولة التركية.

أجاويد “اليساري” يقاوم العسكر ويدافع عن كولن

وعلى الرغم من ضغوط المجموعة الانقلابية من الجناح العسكري والإعلام المتعاون معها على الأستاذ كول، ومطالبتها بإغلاق مؤسسات حركة الخدمة التعليمية في الداخل والخارج، أو تسليمها إلى الدولة، وفتح المدعي العام تحقيقًا في تصريحاته المذكورة، إلا أن زعيم حزب اليسار الديقراطي “بولنت أجاويد” الذي بات رئيس السلطة السياسية بعد ذهاب الحكومة الائتلافية بضغوط عسكرية خلال فترة الانقلاب الأبيض تدخل في الأزمة ودعا إلى معالجة الأمر بهدوء، بدلا من فتح الموضوع للنقاش على المحطات التلفزيونية، كما دافع عن كولن ومؤسسات الخدمة التعليمية بقوله: “مدارس الخدمة تنشر الثقافة التركية حول العالم، وتعرف تركيا بالعالم. هذه المدارس تخضع لإشراف متواصل من السلطات”.

الانقلابيون يحرضون أوزبكستان على حركة الخدمة

وكان الجناح الانقلابي في الجيش حرض حكومة أوزبكستان ضد حركة الخدمة من أجل تضييق الخناق عليها هناك وجميع دول وسط آسيا، مدعيًا أن هذه الحركة كما أنها تخترق مؤسسات الدولة في تركيا من أجل تحويل النظام القائم من “العلماني” إلى “الإسلامي”، كذلك تقوم بحركة الاختراق ذاتها في جميع الجمهوريات التركية المنفصلة عن الاتحاد السفيتي الروسي. غير أن أيًا من تلك الجمهوريات لم تعر بالاً لهذه المزاعم سوى دولة أوزبكستان، وعندها تدخل رئيس الحكومة التركية بولند أجاويد أيضًا وقال: “الرئيس الأوزبكستاني لديه مخاوف غير مبررة تتعلق بتركيا. تركيا لا تتدخل في الشؤون الداخلية لأوزبكستان. لا يمكن أن نسمح بالإساءة إلى العلاقات بين البلدين بسبب مخاوف غير ضرورية”. لكن أوزبكستان لم تقتنع بما قال أجاويد وقررت إغلاق عدد من المدارس التابعة لحركة الخدمة.

وقد تزايدت ضغوطات الجناح العسكري الانقلابي على الأستاذ كولن لدرجة أنه أعلن أنه مستعد لتقديم توصية لمن يشرفون على المدارس والجامعات المتوحة بتشجيع منه في داخل تركيا وخارجها ليسلموها للدولة ويضموها إلى المدارس الرسمية، شريطة الحفاظ على جودة ومستوى التعليم فيها، تفاديًا لمشاكل أكبر، ولكي لا يتحول الانقلاب الناعم إلى انقلاب عسكري دموي يعود بالبلاد إلى سنوات مظلمة عاشتها تركيا سابقًا.

كولن يغادر إلى أمريكا للمعالجة وتهدئة الأوضاع في تركيا

وفي ظل هذه الأجواء الخانقة، ونظرًا لتلقيه دعوة من زملاءه المقيمين في الولايات المتحدة بمعالجة مرضه المتفاقم يومًا بعد يوم، اتخذ كولن قراراً بمغادرة تركيا إلى أمريكا عام 1999، الأمر الذي لعب دورًا في تهدئة الأوضاع في تركيا إلى حد معين. لكن السلطات التركية فتحت دعوى بحقه في 22 أغسطس 2000 بتهمة “تشكيل منظمة إرهابية غير مسلحة”، و”التحريض على هدم الدولة العلمانية لتأسيس دولة الشريعة”، لكن المحكمة قضت بعد 8 سنوات من هذه التهمة بتبرئة ساحته، ثم وافقت المحكمة العليا على القرار باتفاق آراء أعضاءها.

الانقلابيون يعاقبون أجاويد لدعمه كولن

لم يغفر الجناح العسكري الانقلابي لبولنت أجاويد، الذي شغل منصب رئيس الوزراء من 11 يناير 1999 حتى 18 نوفمبر 2002، دفاعه المستميت عن كولن، على الرغم من علمانيته ويساريته الصارمة، لاعتقاده بمعقولية ونافعية أفكار كولن وأنشطته لتركيا والعالم. إذ تبين من خلال قضايا “تنظيم أرجنكون”، التي انطلقت في 2007 ولا تزال مستمرة حتى اليوم، أن العسكريين الانقلابيين أحاطوا أجاويد برجاله، وعملوا على تدهور حالته الصحية من خلال الأدوية التي قدمها له أطباؤه. فقد ورد بين الاتهامات الموجهة إلى “محمد خبرال”، عميد مستشفى جامعة “باشكنت” في العاصمة أنقرة، في إطار قضية أرجنكون، منع معالجة أجاويد، عندما تلقى علاجًا في هذا المستشفى. وفي ظل تدهور حالته الصحية، وتحت وطأة الضغوط السياسية والعسكرية اتخذ أجاويد أخيرًا قرارًا بتقديم موعد الانتخابات النيابية لتجرى في تشرين الثاني/نوفمبر 2002 وينهزم حزبه “اليسار الديمقراطي” أمام حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان، ويعتزل الحياة السياسية حتى وافته المنية في 2006.

وأود أن أذكر هنا، كجملة استطرادية، بأن طرغوت أوزال كان من بين السياسيين الذين قدموا دعمهم علنًا للأستاذ كولن ومشاريع حركة الخدمة، وقد توفي جراء “التسمّم الغذائي” على أيدي المجموعة الانقلابية ذاتها، كما كشفت الفحوصات الطبية التي أجريت على رفاته، وذلك عقب زيارة أجراها إلى دول وسط آسيا المنفصلة عن روسيا، وأكد لجميع رؤساء الحكومات الذين التقاهم أنه “متكفل لمدارس الخدمة”.  (سنتطرق إلى هذا الموضوع لاحقًا)

وكما يلاحظ مما سبق، فإن الاتهامات التي تسوقها اليوم السلطة السياسية المدنية بقيادة أردوغان ضد حركة الخدمة هي نفس الاتهامات التي كانت تسوقها ضدها قديمًا “الزمرة الحاكمة الأجنبية” في أساسها، والمتمركزة في المؤسسة العسكرية في جملتها، ولا فرق بين تلك القديمة وهذه الحديثة إلا في المسميات والمصطلحات، كالرجعية قديمًا والكيان الموازي حديثًا، بل نرى أن أردوغان نفذ مخططات تلك الزمرة فعلاً عندما أعلن حركة الخدمة إرهابية وأغلق كل مؤسساتها في تركيا وعدد من بعض الدول الأفريقية والعربية.

يتبع..

 

Attakallum2

مقالات ذات صله

Nile Center