القاهرة (زمان التركية)_ بقلم: ماهر المهدي
إن الخليج العربي، أو الخليج الفارسي –من وجهة النظر الإيرانية– يجد نفسه على صفيح ساخن الآن، في مواجهة التوتر الحاد بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، بشكلٍ ربما لم يسبق له مثيل. وللتوتر في هذا الخليج عناصر كثيرة تتعلق بالعديد من الفاعلين أيضًا. ولذلك، قد تقفز مسألة سيطرة إيران على الجزر الثلاث: أبو موسى، وطنب الكبرى، وطنب الصغرى، إلى سطح الاهتمام. فالجزر الثلاث تقع في موطن حيوي في مضيق هرمز –وفقًا للتقديرات المتخصصة– بحيث تلعب دورًا هامًّا في أمن المضيق البالغ الأهمية في حركة تجارة البترول، فضلًا عما قد تمتلكه من مقدرات طبيعية تعذَّر الكشف عنها خلال عقود طويلة من السنين.
إن التقدم الدولي التكنولوجي الحالي –متضامنًا مع الاحتياج الاقتصادي المتعاظم– قد مكَّن الإنسانية من الرؤية بعيون مختلفة، الأمر الذي ضاعف الأهمية الاستراتيجية لكل متر من الأرض مهما كانت ظروفه. وتكفي نظرة سريعة إلى جزيرة جرينلاند ذاتية الحكم، الخاضعة لسيطرة الدنمارك، وصراع الولايات المتحدة الأمريكية للاستحواذ على الجزيرة، سواء بطريق “الشراء من الدنمارك” التي أعلنت “سخافة العرض”، أو مباشرة من الشعب الجرينلاندي الذي يرفض غالبيته أيضًا الهوية الأمريكية، أو بطريق التهديد والترهيب. تكفي هذه النظرة السريعة للانتباه إلى استفاقة الدول المختلفة إلى الأهمية الخطيرة التي يمكن أن تتعلق بالأرض، حتى ولو كانت بعيدة، باردة، خاوية من البشر والحركة الاقتصادية، ونائية عن الإقبال البشري في الماضي والحاضر. فالأيام تغيِّر قدرات الإنسانية، وتضيف إلى معرفتها، وتغيِّر نظرتها إلى الأشياء تغييرًا دراميًّا لم يتصوره الكثيرون على مدار السنين.
تضع طهران يدها على الجزر الثلاث المشار إليها عاليًا منذ نوفمبر 1970، عقب الانسحاب الإنجليزي من الجزر التي احتلتها منذ عشرينيات القرن الماضي. وتطالب الإمارات العربية المتحدة إيران بإعادة الجزر الثلاث إليها، على أساس انتماء الجزر إلى إمارة الشارقة، ولكن إيران تؤكد تبعية الجزر لها منذ القرن السادس قبل الميلاد، أي قبل عدة قرون من ميلاد دولة الإمارات العربية المتحدة. ولم تدَّخر دولة الإمارات جهدًا في الدفاع عن حقوقها ورؤيتها؛ فلجأت إلى مجلس التعاون الخليجي، وإلى جامعة الدول العربية، وإلى الأمم المتحدة، للاستعانة بالدعم الإقليمي –على مستوى الخليج– كما لجأت إلى جامعة الدول العربية للاستعانة بالتأييد الإقليمي –على مستوى الدول العربية– ولجأت إلى الأمم المتحدة للاستعانة بالتأثير الدولي على إيران.
ولكن إيران لم تتراجع خطوة واحدة عن التمسك بانتماء الجزر المتنازع عليها إليها، بل ذهبت إلى اتهام الإمارات بالتدخل في شؤونها الداخلية، والاعتداء على قواعد القانون الدولي المتعلقة باحترام سيادة الدول المستقلة ووحدة أراضيها، وعدم احترام مبادئ ميثاق الأمم المتحدة المتعلقة بحسن الجوار. بل تحاول إيران تحجيم هذه المطالبة الإماراتية بقوة، ووضعها في مواجهة “الخطر الإسرائيلي، وخاصة العدوان الإسرائيلي على غزة”، وأهمية التعاون الإسلامي الجماعي بديلًا عن التفرق والانقسام الإسلامي، وفقًا للجدلية الإيرانية.
وخلف الكواليس يؤمن الإيرانيون بأن “نزاعات الحدود هي نزاعات أبدية قد لا يُرجى تسويتها أبدًا”.
⸻



