أورهان كمال جنكيز
إن الحالة النفسية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان تشبه الحالة النفسية للفنان إدوارد نورتون في فيلم” نادي القتال”، الذي يظن أن أحدا حاول قتله بينما هو نفسه الذي كان يقوم بإدخال المسدس في فمه ويوشك أن يضغط على الزناد ليطلق النار على نفسه .
وكان نورتون يعتقد أن كل شيء فعله هو في الأصل من صنع تايلور دوردن (الذي يجسد شخصيته الفنان براد بيت في الفيلم)، البطل الذي نسجه في خياله، حتى آخر لحظة في الفيلم، وقد فطن نورتون، وهو يضغط على زناد المسدس، الذي ظن أن تايلور أدخله في فمه، أن اليد التي ضغطت على الزناد يده هو لا غير.
أما أردوغان فيعتبر أن نتائج السياسيات التي ينتهجها بنفسه بطريقة مباشرة هي عبارة عن مؤامرات ضده من الداخل والخارج، ويقدمها إلى المجتمع على هذا الأساس.
[one_third][box type=”shadow” align=”alignleft” ]لا يتورع السيد أردوغان عن الحديث عن مذاهب الناس والمساس بها بالسوء، ويتهم الجميع، فيما عدا نفسه بطبيعة الحال، بالعنصرية والتحريض على الفتنة.. في البداية، يضع معيار التدين والمحافظة على القيم الدينية كمعيار أوحد لتعيين الموظفين في مؤسسات الدولة وهيئاتها، ثم يتهم جماعة الخدمة، التي أصبح لها ثقل في القطاع العام نتيجة للمعيار الذي وضعه بنفسه، بتشكيل “دولة موازية” داخل الدولة.[/box][/one_third]وقد رغب أردوغان في استخدام قوة الشرطة في قمع التظاهرات البريئة التي نظمها شباب لحماية الأشجار في متنزه جيزي بارك بإسطنبول صيف عام 2013، حتى يكونوا عبرة لغيرهم ، حتى لا يتجرأ أحد على المسّاس بمشروعاته العملاقة، وعندما انطلق المتظاهرون إلى الشوارع، وصفهم بـ”النهّابين”، وردّ عليهم باستخدام قوة شرطة أكثر وأشد من الأولى، وعندما خرجت الأحداث عن مجراها الطبيعي، أخذ يتهم غيره ويقول إن هذه التظاهرات خططت لها منظمة” أوتوباور” في صربيا، وأن “لوبي الفائدة” قد حرّض الناس على التظاهر ضد حكومته.
لا يتورع السيد أردوغان عن الحديث عن مذاهب الناس والمساس بها بالسوء، ويتهم الجميع، فيما عدا نفسه بطبيعة الحال، بالعنصرية والتحريض على الفتنة.. في البداية، يضع معيار التدين والمحافظة على القيم الدينيةكمعيار أوحد لتعيين الموظفين في مؤسسات الدولة وهيئاتها، ثم يتهم جماعة الخدمة، التي أصبح لها ثقل في القطاع العام نتيجة للمعيار الذي وضعه بنفسه، بتشكيل “دولة موازية” داخل الدولة.
شخص آخر يمسك بالمسدس
أقدم السيد أردوغان على تعطيل النظام القانوني في تركيا في سبيل التستر على تحقيقات الفساد التي تجريها النيابة، ثم سرعان ما يقدّم لنا جميع المتهمين في قضية تنظيم أرجينكون الانقلابي على أنهم ضحايا للمؤامرة، وذلك من أجل أن يبرهن على أن تحقيقات الفساد مفتعلة، وفي نهاية المطاف تبدأ محاكمة جماهير نادي بشيكتاش بتهمة “تنفيذ انقلاب ضد الحكومة”.
يصدر الرئيس أردوغان تعليمات بطرد مئات الصحفيين والمراسلين من وظائفهم، وتبدأ فترة مظلمة في حياة الإعلاميين، ثم يبادر إلى اتهام كل الهيئات الأجنبية التي توجه انتقاداتها إلى تركيا فيما يتعلق بحرية الصحافة، بأن لديها أجندات سرية.
على الرغم من حالة السكون والهدوء المعلنة منذ عامين في منطقة جنوب شرق الأناضول، فإن الحكومة التركية لم تقدم على أية خطوة دستورية في سبيل تحقيق السلام مع الأكراد، ويريد أردوغان أن يجعل من حل القضية الكردية “مفتاحًا” يستعين به لفتح قفل أحلامه بتحول تركيا إلى النظام الرئاسي في الحكم، وعندما تخرج الأمور عن مسارها الطبيعي، يتهم الجميع فيما عدا نفسه.
نحن نعيش في عالم من الخيال الذي أبدعه أردوغان؛ إذ يجب على الجميع في تركيا أن يتهموا أنفسهم وبعضهم البعض بسبب المشكلات الحاصلة وجميع الأزمات الواقعة، أما هو فليس له أدنى مسؤولية فيما يحدث من حولنا.
يظن أردغان مثل إدوارد تايلور أن السلاح الذي يمسكه بيده، يسك أحد غيره به ،لكن قصتنا الواقعية تختلف اختلافًا بسيطًا عن القصة التي تناولها الفيلم الشهير، ألا وهي أن السلاح الذي يمسك به أردوغان موجَّه للشعب التركي بأسره، في هذه البلاد التي أصبحت ممزقة في ظل سياسة الاستقطاب التي تنتهجها الحكومة باستمرار.

















