عصمت بارقان
بات واضحا للعيان أن التحالف العسكري الدولي بقيادة الولايات المتحدة لمواجهة التنظيم الإرهابي الذي أطلق على نفسه “الدولة الإسلامية في بلاد العراق والشام” (داعش)، أو اختصارا “الدولة الإسلامية”، والذي ما زالت الدول الغربية تنعته بـ”التنظيم” وليس “الدولة”، للتقليل من شأنه، يسير نحو خسارة كبيرة وفادحة.
فعند النظر إلى طبيعة المناطق الجغرافية والمساحات التي يفرض تنظيم داعش الإرهابي سيطرته عليها، وقدرة مجموعات محاربي التنظيم على فتح ثلاث أو أربع جبهات قتال هجومية في آن واحد، بالإضافة إلى الوضع بالحسبان أن المناطق التي يسيطر عليها داعش مأهولة بالسكان، تتشكل أمامنا صورة واضحة لصعوبة الوضع، ومدى صعوبة إمكانية مواجهة التنظيم والقضاء عليه واستئصاله من تلك المناطق.
ويمكنكم أن تطلقوا على تنظيم داعش الإرهابي ما شئتم من الصفات والألقاب مثل: “غي مواكب لعصره” أو “رجعي” أو “وحشي همجي” أو “مخرب” أو “مرتكب جرائم ضد الإنسانية”.. فنعت مثل هذا التنظيم الإرهابي بمثل هذه الصفات شيئ طبيعي، ولا يكون ذلك خطأ، فهم يزعمون تطبيق “حكم إسلامي”، لم يكن له مثال ولا مرجعية في التاريخ الإسلامي، تحت راية دولة الخلافة التي أعلنوا تأسيسها في شمال العراق وسوريا، وينفذ التنظيم عددا من الجرائم التي تظهر وحشيته وهمجيته، مثل: استعباد النساء واستخدامهم لإشباع شهوات أعضائه، وقطع رؤوس المعارضين، وتنفيذ عمليات إعدام جماعية للآلاف، بالإضافة إلى إغلاق المدارس.. وغيرها من أعمالهم التخريبية والهمجية.
إن كل هذه الأعمال البربرية الهمجية تحدث أمام أعين الناس جميعًا، ولا يمكن التستر عليها، لذلك فإن لعن هذا التنظيم الإرهابي، لا ينبغي أن يكون عائقًا أو حائلًا أمام رؤيتنا بأن التنظيم لم يقابل بأي مقاومة أو معارضة تذكر، في المناطق التي يسيطر عليها.
فعلى الرغم من كل هذه المساوئ، إلا أن داعش قد يكون تكوينا عضويا نابعا من المناطق التي يفرض سيطرته عليها، لذا فإن ما يطلقون عليه عمليات مواجهة التنظيم، لا يمكن بأي حال من الأحوال، أن تقتصر فقط على العمليات العسكرية، فالوضع مشابه لما هو عليه في كل من أفغانستان وباكستان، فالعمليات العسكرية التي شرعت القوات الغربية في الدخول فيها ضد تنظيم “طالبان”، لم تسفر في أي وقت من الأوقات، عن نصر حققته هذه القوات، بل وزاد تنظيم طالبان قوة، حتى أصبح اليوم أكبر القوى الموجودة في تلك البلاد؛ ووضع داعش الآن يسير في الاتجاه نفسه.
ولهذه السبب أيضًا؛ فإن الوضع يستوجب أن يتم إضعاف التنظيم أولًا، وتخلله، ثم تتبعها استرايجية القضاء عليه من خلال استراتجيات سياسية أولًا. كما يمكن استخدام الاسترايجيات والأساليب العسكرية، إذا كان من دورها تسهيل عملية الوصل إلى هذا الهدف السياسي.
لايمتلك التحالف المكون بقيادة الولايات المتحدة استراتيجية سياسية، بل فلا توجد لديهم استراتيجية عسكرية في الأساس، فالآمال معقودة الآن على الغارات الجوية التي تشنها طائرات التحالف، وهجمات قوات الجيش النظامي في شمال العراق، وقوات البشمرجة الكردية، بالإضافة إلى هجمات الجيش السوري الحر الذي كاد أن ينقضي، وقوات الجيش النظامي العراقي المدربة على يد القوات الأمريكية، لم تستطع بعد الوقوف في مواجهة التنظيم، بالإضافة إلى قوات الجيش السوري الحر التي ستتلقى تدريبات، ثم ستجهز بالسلاح والذخيرة اللازمة، ليزج بها في ساحة القتال بعد ذلك.. (لاتمت يا حماري وأنا سأشتري لك علفا بقدوم الربيع فاصبر..)
إن الولايات المتحدة وبلدان التحالف لا توجد لديهم استراتيجية سياسية؛ ولكن ما يُطرح للتساؤل هنا، هل لدول المنطقة، والحكومة المركزية العراقية في بغداد، وحكومة إقليم شمال العراق (كردستان العراق)، والنظام السوري، والمجلس الوطني السوري، وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، الذي يحقق نجاحات في مواجهة داعش ببلدة عين العرب (كوباني) في شمال سوريا، أي استراتيجية سياسية مشتركة تضم المنطقة كلها، في مواجهة داعش؟
الإجابة: لا، لا يوجد..
فمع الأسف، فإن اللوحة التي ترتسم أمامنا حول أزمة داعش، توحي لنا برسالة مفادها “كُلُّ شَاةٍ سَتُعلّق من رِجْلِها”، أي أن الجميع يسير على مبدأ “نفسي.. نفسي”، لهذا السبب فإننا نكون قد دخلنا في مرحلة من الفوضى ستستمر لعشرات السنين على طول حدود تركيا الجنوبية.

















