مراد يتكين
أصبحت مساعدات الرئيس الأمريكي أوباما لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، التابع لحزب العمال الكردستاني في شمال سوريا، وسماحه لعبور مقاتلي البشمركة من شمال العراق إلى بلدة عين العرب (كوباني)، بمثابة حجة للموقف الجديد الذي تتبعه أنقرة تجاه ما يجري من أحداث (بعدما كان أردغان يرفض مرور مقاتلي البشمركة عبر تركيا قبل مكالمة أوباما)، وتبرير الحكومة لموقفها هذا أن حزب الاتحاد الديمقراطي غير مدرج ضمن قائمة “المنظمات الإرهابية” التركية! بمعنى أنه حتى وإن لم تجر المكالمة الهاتفية بين الطرفين، لكان مقاتلو البشمركة مروا عبر الأراضي التركية!
أكتب هذا ليسجله التاريخ: لم ينظم مؤتمر صحفي عقب انتهاء اجتماع مجلس الوزراء الذي عقد في 20 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري .
فهذه هي المرة الأولى بعد مرور سنوات على حكومة الائتلاف الثلاثي لرئيس وزراء تركيا الأسبق، بولنت أجاويد، التي لم يتم فيها الإعلان عن نتائج اجتماع مجلس الوزراء.
فلو كانوا قد فعلوا وقاموا بالتصريح بالتفاصيل، لوجهت الأسئلة لنائب رئيس الوزراء المتحدث الرسمي باسم الحكومة، بولنت آرينتش، ولكان مجبرًا على الرد عليها والإدلاء بالمزيد من التصريحات، وكان هناك احتمالات أن يترك بعض الأسئلة بدون إجابات، وهو الاحتمال الأكثر سوءًا.
وكانت بعض المعلومات والأنباء تواترت حول أن رئيس الوزراء، أحمد داوود أوغلو، بذاته سيدلي بتصريحات عن اجتماع مجلس الوزراء، خلال اجتماع الكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية الحاكم، الذي كان مقررا عقده أول من أمس الثلاثاء، الموافق 21 أكتوبر/ تشرين الأول، وكان المؤتمر سيستمر لساعات متأخرة.
[one_third][box type=”shadow” align=”alignleft” ] لم نستطع بعد استيعاب حالة الالتباس التي أصابت العقول في المجتمع التركي، نتيجة إعلان الحكومة التركية موقفا مغايرا ومخالفا تمامًا لموقفها قبل يوم واحد من المحادثة التليفونية بين أوباما وأردوغان، والتي أعلنت خلالها الحكومة التركية موافقتها لأمريكا فيما كانت تراه مستحيلا قبل يوم واحد .[/box][/one_third]بعد ذلك بدأت حملة إعلامية جديدة، من قبل الموالين الذين بدأوا يتخصصون في مجال الدعاية والبروبجاندا النفسية لرئاسة الوزراء، وبناء على ما ذكرت وسائل الإعلام هذه، فإن جميع المواطنين الأتراك بطوائفهم المختلفة، كانوا في انتظار تصريحات وإيضاحات بخصوص حزمة القوانين القضائية الجديدة التي تسعى حكومة أحمد داوود أوغلو لتمريرها عبر البرلمان، لتتحول إلى النمط الأكثر بوليسية وصلابة.
وكأن الشعب التركي لم يكن يتطلع لمعرفة المزيد من التفاصيل عن عملية الدعم المسلح الذي تقدمه الولايات المتحدة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، في مواجهة تنظيم داعش في شمال سوريا، أو تفاصيل ما أثير حول أن أنقرة “من الممكن أن تساعد قوات ومقاتلي البشمركة للعبور إلى سوريا”؛ وكأن الشعب التركي كان ينتظر معرفة تفاصيل وماهية ما ستجلبه حزمة القوانين الجديدة التي تعدها الحكومة منذ أشهر، وأصلاً كان يناقش مضمونها في الوسائل الاعلام منذ شهور.
وكأنه لم يكن هناك من يريد أن يتطلع لمعرفة التغيرات التي طرأت على الموقف التركي عقب المكالمة الهاتفية التي جرت بين كل من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الأمريكي أوباما، بعد أن كان موقف أردوغان هو عدم مشاركة تركيا ضمن قوات التحالف ضد “داعش” دون أن يكون من أهدافها إسقاط نظام الأسد والحذر من دعم حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي.
أفردت صحيفة” فاينانشال تامز” البريطانية مانشيتا للتعليق على المكالمة الهاتفية بين أردوغان وأوباما، بعنوان “تركيا تأخذ طريق الدوران للخلف عقب الضغط الأمريكي” ،كما تناولت هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” (BBC) أيضًا الموقف التركي، بينما علقت صحيفة” نيويورك تايمز” الأمريكية على الموقف التركي، برسم كاريكاتير يسخر من الرئيس التركي أردوغان، تصوره فيه يقف مرتديًا ثياب الرقص المولوي الصوفي بين داعش وأوباما؛ فلو كان مثل هذا الرسم نشر في الصحف أو وسائل الإعلام التركية لكان من المحتمل أن يصدر القضاء التركي المستقل حكم السجن ضد من رسم هذا العمل الساخر.
حسنًا.. نحن لا نقول كذلك، ولكن كان من حقنا جميعًا أن نفهم ما الذي تنوي أنقرة فعله، وما الذي يدور حول هذه القضية التي تمس أمن وسلامة تركيا كبلد وأمة.
فنحن لسنا كدولة الدنمارك، التي زعمت أن أحد مواطنيها بين مقاتلي داعش الذين تم الإفراج عنهم بعد مفاوضات مع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) مقابل الرهائن الأتراك الذين وقعوا في أسر داعش في الموصل، ولديها مخاوف من “أن يعود هذا الشخص إلى بلاده ويقوم بتفجير أحد الأماكن” وكتبت بذلك إلى الخارجية التركية، فلسنا في موقف يجعلنا أن نعرف كل شئ من الخارج.
ففي الوقت الذي توجه فيه وفد حزب الشعوب الديمقراطية في ساعات الصباح، إلى مقر محبس الزعيم الكردي عبد الله أوجلان، بجزيرة إمرالي، ليبشره بآخر التطورات في بلدة عين العرب (كوباني)، كان من الممكن أن يقول رئيس الجمهورية أردوغان شيئًا عن هذا الأمر في حديثه، فهو من تحدث مع الرئيس الأمريكي أوباما هاتفيا.
كلا، لم يدل أردوغان بأي تصريحات، حول هذا الموضوع، في خطابه الذي ألقاه.
ربما كان بوسع رئيس الوزراء، أحمد داوود أوغلو،أن يقدم أي تصريحات حول الأزمة على هامش تصريحاته حول القوانين الأمنية الجديدة، خلال اجتماعه مع نواب حزب العدالة والتنمية، إلا أنه لم يقل شيئًا كذلك، حتى أن الصحفيين لم يتمكنوا من اللحاق بالسيد رئيس الوزراء عند خروجه من المجلس لتوجيه الأسئلة إليه.
[one_third][box type=”shadow” align=”alignleft” ] على الرغم من تكرار كل من رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية لمقولة “إن حزب العمال الكردستاني الإرهابي وحزب الاتحاد الديمقراطي سواء بالنسبة لنا “، لم يتم حتى الآن إدراج الاتحاد الديمقراطي ضمن قائمة “المنظمات الإرهابية” في تركيا، ما معنى ذلك؟ معناه أن حزب الاتحاد الديمقراطي ليس مثل حزب العمال الكردستاني تماما كما يقال.[/box][/one_third]ووقعت المسؤولية على عاتق وزير الخارجية مولود تشاووش أوغلو الذي صرح قبل يوم قائلًا: “نحن نساعد قوات البشمرجة” ،إلا أن تشاووش أوغلو صرح خلال مشاركته في بث مباشر لأحد البرامج الحوارية على قناة “إن تي في” (NTV)، قائلًا: “لم تمر قوات البشمرجة حتى الآن” ،كما قال إن كلا من تركيا وأمريكا على وفاق في المسائل المتعلقة بداعش وسوريا وحزب الاتحاد الديمقراطي والجيش السوري الحر، وكأنه لم يكن أردوغان هو الذي أعلن رفضه للطرف الأمريكي قبل يومين في مسألتين.
لم نستطع بعد استيعاب حالة الالتباس التي أصابت العقول في المجتمع التركي، نتيجة إعلان الحكومة التركية موقفا مغايرا ومخالفا تمامًا لموقفها قبل يوم واحد من المحادثة التليفونية بين أوباما وأردوغان، والتي أعلنت خلالها الحكومة التركية موافقتها لأمريكا فيما كانت تراه مستحيلا قبل يوم واحد .
فلا توجد إشارة واحدة تشير إلى انتهاء حالة التشويش داخل حزب العدالة والتنمية وحكومته أيضا؛ ولم يكن وزير الخارجية تشاووش أوغلو، الذي نعرفه منذ سنوات طويلة، يبدو مستريحا، على شاشة قناة ” إن تي في”.
بيد أننا حصلنا أمس، على ثلاث تفاصيل من مسؤولين بالدولة، رفضوا نشر أسمائهم:
الأولى: أنه على الرغم من تكرار كل من رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية لمقولة “إن حزب العمال الكردستاني الإرهابي وحزب الاتحاد الديمقراطي سواء بالنسبة لنا “، لم يتم حتى الآن إدراج الاتحاد الديمقراطي ضمن قائمة “المنظمات الإرهابية” في تركيا، ما معنى ذلك؟ معناه أن حزب الاتحاد الديمقراطي ليس مثل حزب العمال الكردستاني تماما كما يقال.
الثانية: أن مفاوضات عبور مقاتلي البشمركة من شمال العراق إلى سوريا، بدأت منذ وقتٍ بعيد (نعم.. فقد كان لدينا معلومات مسبقة عن ذلك) ،وحتى لو لم يأت الاتصال التليفوني من الرئيس الأمريكي أوباما، لكانت تركيا في موضع التوافق على المساعدة في عبور البشمركة عبر أراضيها.
الثالثة: نعم.. تواصل الرئيسان الأمريكي والتركي هاتفيا في مطار إسطنبول عقب عودة أردوغان من رحلته إلى أفغانستان، لكن في الواقع، فإن أوباما طلب محادثة أردوغان أثناء تواجده في أفغانستان وأردوغان أجل المحادثة حتى وصوله إلى البلاد.
من الممكن أن تكون هذه التفاصيل مهمة، إلا أنها لم تساعدني لأفهم ما الذي تحاول أنقرة فعله.. ربما تكون ساعدتكم أنتم!
صحيفة “راديكال” التركية

















