بقلم: مراد يتكين
هناك تطورات تلقي بظلالها على النظرة التفاؤلية لرئيس الوزراء أحمد داوود أوغلو، بدءاً من النقاشات الدائرة حول تأسيس أمانةٍ للرئاسة خاصةٍ بالزعيم الإرهابي عبد الله أوجلان، في محبسه بجزيرة إمرالي، وانتهاء بترك السلاح من قبل حزب العمال الكردستاني.
لكن عند النظر إلى بعض البيانات والتصريحات، ستجدون أن كل شيئ على ما يرام..
وكانت الحكومة قد أقدمت على خطوة شكّلت الأرضية القانونية للمحادثات الجارية مع الزعيم أوجلان القابع في محبسه، في اليوم ذاته الذي استصدرت فيه من البرلمان المذكرة الخاصة بسوريا والعراق
يزعم رئيس الوزراء أحمد داوود أوغلو بأنه من الممكن التوصل إلى حلّ للأزمة في غضون بضعة أشهر.
أما نائب حزب الشعوب الديموقراطية سري ثريا أوندر، فيذهب أبعد من ذلك ويحدّد شهر مارس/ آذار المقبل كنهاية للأزمة.
فهو من قرأ رسالة الزعيم عبد الله أوجلان في عيد الربيع في شهر مارس/ آذار نفسه قبل عامين.
ومن الممكن أن يقرأ هو أيضًا رسالة أوجلان في شهر مارس/ آذار المقبل من عام 2015؛ لتجدوا أننا دخلنا أجواء الصيف و”هبّت نسمات مناخ أقليم البحر المتوسط” بالمنطقة، كما قال الشاعر الكردي كمال بوركاي، وذلك في الوقت الذي انتشرت فيه الشائعات عن إمكانية لجوء حزب العدالة والتنمية للدخول في انتخابات مبكرة، وقد تكون في شهر أبريل/ نيسان المقبل بدلًا عن شهر يونيو/ حزيران الذي كان من المقرر عقدها فيه.
لكن عند النظر إلى بعض البيانات والتصريحات، لا نجد تلك الرسائل المتفائلة التي يحاول كل من رئيس الوزراء أحمد داوود أوغلو ونائبة حزب الشعوب الديموقراطية، سري ثريا أوندر، تقديمها للمجتمع التركي.
فعلى سبيل المثال، اتهم رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان، في أثناء زيارته إلى العاصمة اللاتفية “ريجا”، شريكا الحوار حزبا العمال الكردستاني والشعوب الديمقراطية، بعدم استيعاب عملية السلام.
كما قال نائب رئيس الوزراء، يالتشين أكدوغان، إن مسؤولية الأحداث الدامية التي شهدتها البلاد تنديدًا بما تعرض له الأكراد في بلدة كوباني السورية على يد داعش تقع على عاتق الزعيم الكردي أوجلان بسبب الرسائل التي أرسلها إلى أنصاره من محبسه.
وهناك أزمة تفجرت جراء النقاش الدائر حول الأسماء التي ستنضمّ إلى الهيئة التي ستعمل في “أمانة الرئاسة الخاصة بأوجلان” في إمرالي، والهيئة التي تشرف على إجراء مفاوضات السلام.
وفي الواقع فإن هذه الأمانة ستكون بمثابة منصب رئاسة حزب العمال الكردستاني بالنسبة لأوجلان في أمرالي.
وعندما شرع النائب الكردي أوندار، خلال مداخلته في أحد البرامج الحوارية على قناة ” سي إن إن تورك” “CNN Türk” مع الصحفي المخضرم جنيد أوزدمير، في شرح مِمّن ستتكون أمانة الرئاسة الخاصة بأوجلان المزمع تشكيلها، اعترض نائب رئيس الوزراء، بولنت آرينتش، مقاطعًا إياه قائلًا: “هذا لا يمكن..”. أي لا يمكن لأحد دخول السجن “من الخارج”، لأن أوندار قال “السياسي الكردي خطيب دجلة سيكون من بين أعضاء الأمانة” ،كما قال رئيس حزب الشعوب الديمقراطية، صلاح الدين دميرطاش، أن الحديث يدور الآن حول ضرورة وجود اسم يمثّل جبال “قنديل” ضمن الهيئة المشرفة على المفاوضات.
إن سري ثريا محادثته ممتعة، ويتمتع بروح فكاهية، ولكنه يعلم جيدًا أن هذه الأمور والقضايا لا يمكن أن تؤخد على محمل الدعابة؛ وهو ليس بعيداً عن الإحساس بالمسؤولية حتى يخرج ويقول ذلك إن لم يدُرْ حوله الحديث فعلاً.
فضلاً عن ذلك، فإن السلطة السياسية الحاكمة تعترض على أن يكون أوجلان “كبير المفاوضين” الأكراد في المفاوضات؛ ذلك لأنه إن عيّن العمال الكردستاني أحداً منهم كمفاوض، فإنه في هذه الحالة ينبغي للحكومة أن تعيّن أحداً يمثّله في هذه المفاوضات. فمن سيكون كبير مفاوضي الحكومة؟ هل هو رئيس المخابرات الوطنية خاقان فيدان، الذي لا يتمتّع بأية صفة سياسية، أم وزير العدل بكر بوزداغ، أم رئيس الوزراء داود أوغلو؟! من سيكون؟
وهذا هو الأمر الذي قال رئيس حزب الشعب الجمهوري المعارض كمال كيليتشدار أوغلو إنه يثير فضوله ويتطلع لمعرفة ما يتم تناوله في المفاوضات بين أردوغان سابقًا وداوود أوغلو حاليًا مع الزعيم الإرهابي أوجلان عبر جهاز المخابرات الوطنية أو بأية طريقة أخرى.
كيليتشدار أوغلو كذلك يقول بإمكانية إجراء كل دولة عمليات سرية. ولكن بعد مضيّ أشهر على انطلاق المفاوضات وبدء الحديث عن إقامة السلام بين الجميع كان من الضروري اللجوء إلى الشفافية، وكان من الضروري أن يكون البرلمان هو العنوان الوحيد لهذه الشفافية، فلو كانت الحكومة قد شرحت تفاصيل المحادثات بين الجانبين للمجلس، لكان من الممكن أن يقدم حزب الشعب الجمهوري دعمه أيضاً لهذه العملية.
ولكن هذه العملية لم تعد مقتصرة على الوضع في تركيا فقط بعد ظهور تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وقلبه لموازين القوى في شمال العراق وسوريا، والتطورات الأخيرة في بلدة عين العرب (كوباني). فعلى سبيل المثال، هناك قضية ترك السلاح من قبل العمال الكردستاني، إذ كان أردوغان قال إن نزع السلاح من الشروط الأولية للمفاوضات قبل أي شئ آخر. ولكنه الآن يقول للجميع: أنا أيضًا شريكٌ في هذه المعركة، وأحارب فيها. وإضافة إلى ذلك، انضمّ رئيس إقليم كردستان العراق “مسعود برزاني” إلى الصورة من خلال أزمة كوباني.
وعلى الرغم من تصريحات أردوغان التي أكد فيها أنه لا فارق بين تنظيمي حزب العمال الكردستاني، والاتحاد الديمقراطي، وقوله “إن تنظيمي العمال الكردستاني والاتحاد الديمقراطي، كيان واحد، وكلاهما إرهابي”، إلا أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما خرج معارضًا لكلامه قائلًا: “سنبدأ بتقديم الدعم لأكراد كوباني”، وقد حقّق ذلك بالفعل. نعم.. صحيح أن وقوع عدد من صناديق السلاح والذخيرة التي أسقطتها الطائرات الأمريكية على كوباني، في أيدي مقاتلي داعش، أعطت الفرصة لأردوغان ليقول “لقد قلت ذلك..”، إلا أن أنقرة أدركت أن واشنطن لن تقلع عن دعم قوة تحارب ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).
فبات رئيس الوزراء أحمد داوود أوغلو من الآن يقول بإمكانية اقتصار شرط نزع السلاح من العمال الكردستاني على امتداده في تركيا فقط، لكن قادة العمال الكردستاني الذين حولوا الحدود التركية إلى غربال بتسللاتهم المستمرة على مدى ثلاثة عقود من الزمن يعلمون جيداً أن هذه الحجة التي يقدّمها داود أوغلو إلى الشعب التركي كتفسير لما يحدث لن تقنع الشعب التركي أو لنقل أغلبه.
وهنا نعود مرة أخرى لقضية الانتخابات المقبلة
فالذراع السياسي- العسكري في جبال قنديل، والجناح الدبلوماسي – المالي لحزب العمال الكردستاني في بروكسل، كانا منذ فترة يزعمان بأن أردوغان وفريقه في حكومة حزب العدالة والتنمية كانوا يراوغونهم حتى إجراء الانتخابات التشريعية المقبلة دون الاستجابة لمطالب المنظمة الإرهابية، وقيادة العمال الكردستاني في كل من قنديل وبروكسل تعلم جيداً أنه لا يوجد في الأفق أي انتخابات جديدة عقب إتمام الاستحقاق الانتخابي المقرر في 2015 إلا بعد أربع سنوات.
وبالطبع فإن “الأمر يلين الحديد” عندما يتحدَّث الزعيم أوجلان، حيث إن داود أوغلو تمكّن من السيطرة على أحداث الشغب التي شهدتها البلاد مؤخراً تنديدًا بأحداث كوباني بتعليمات استصدرها من (أوجلان) وهو على دراية بقيمة ذلك.
لكن الحقيقة الواضحة هي أن أحد طرفي الخيط الذي يربط زمام الأمور في يد أردوغان، والطرف الآخر في يد أوجلان، ولكن أين موقف البرلمان التركي من تشكيل المستقبل الجديد لتركيا؟
وانطلاقاً من كل ذلك أزعم أن هناك أمورا لا تسير على مايرام في الحوار مع الأكراد، أشياء لم تستقرّ بعد، وآمل أن أكون مخطئًا في تحليلي.

















