إسطنبول (زمان عربي) – واجهت تركيا الكثير من الانتقادات بسبب إعادة الحكومة لهيكلة الوظائف في جهاز الشرطة عقب التحقيقات في عمليات الفساد والرشوة في 17 و25 ديسمبر/ كانون الأول 2013.
وقد استُهدف رجال القضاء والشرطة الذين تسلموا مهامهم في التحقيقات في هذه العمليات، فازدادت التصفيات في جهاز الشرطة بحجة ما يسمى بـ “الكيان الموازي”، إضافة إلى اعتقال الكثير من قيادات ورجال الشرطة استناداً إلى تقارير أعدها المفتشون الذين عينتهم الحكومة بدلاً عن الأدلة الملموسة، ووافق على هذه الاعتقالات أغلبُ القضاة في محاكم الصلح والجزاء التي أسستها الحكومة حديثاً، وأطلق عليها الرئيس رجب طيب أردوغان “محاكم ذات مهمة خاصة” أو ” المشروع”.
وشرعت الحكومة ووسائل الإعلام الموالية لها، بعد ذلك، في حملة سوداء لإهانة رجال الشرطة وتشويه صورتهم لدى الشارع التركي، من خلال إلصاق تهمة التخطيط ومحاولة “الانقلاب” والإطاحة بالحكومة من خلال عمليات الفساد والرشوة المصطنعة.
واحتوت تقارير المفتشين على اتهامات لا تحصى، وهناك من يدعي أن هذه التقارير تمّ إعداداها بتعليمات صادرة عن وزير الداخلية “أفكان علاء”، وكانت هذه التقارير أساس تهمة التنصت غير القانوني وانتهاك الأسرار الشخصية وتزوير الوثائق وتسريب المعلومات والتجسس التي تسنَد إلى رجال شرطة أماطوا اللثام عن التنظيمات السرية المتلغلة في أعماق الدولة مثل شبكة “أرجنيكون” وأشرفوا على قضايا انقلابية كقضية “باليوز” (المطرقة الثقيلة)، وانقلاب 28 فبراير/ شباط، ونفذوا عمليات مهمة ضد تنظيم القاعدة وحزب الله واتحاد الجماعات الكردية وحزب العمال الكردستاني ومنظمة السلام والتوحيد الإيرانية، ومن ثم تم إخضاعهم للتحقيق الإداري والقضائي.
وعقب التهديدات التي أطلقها الوزير علاء بقوله: “سنتحاسب معهم”، أصدر القضاة “المنتخبون” المعينون في محاكم الصلح والجزاء قرارات الاعتقال لعشرات من رجال الشرطة وزجهم في السجن استناداً إلى تقارير المفتشين المذكورة لا الأدلة الملموسة، ولكن قضاة محاكم الصلح والجزاء في كل من أنقرة وإزمير وأنطاليا لم يأبهوا بالادعاءات الواردة في تقارير المفتشين وقرّروا الإفراج عن رجال الشرطة المعتقلين، وبرّروا حكمهم بأنهم كانوا يؤدون مهامهم المحدّدة بالدستور والقوانين.
واللافت للنظر هو أن تقارير المفتشين التي تمّ إرسالها إلى كل المحافظات في البلاد تحوي عبارات متطابقة تماماً، ولا يتغير فيها شيء إلا أسماء رجال الأمن في تلك المحافظة، لذلك أطلق سراح جميع رجال الشرطة في جميع المحافظات ما عدا إسطنبول، فلا يزال 47 شرطيًا معتقلين وينتظرون الإفراج عنهم.
ولما فشلت المحاولات الرامية إلى تضليل الرأي العام بخصوص رجال الأمن في مدينة أضنة جنوب تركيا، الذين فتّشوا الشاحنات التابعة للمخابرات الوطنية التى يدعى بأنها محملة بالسلاح، عمدت وزارة الداخلية هذه المرة إلى إرسال التقارير نفسها إلى محاكم إسطنبول وأدرنة وإزمير وأنقرة، ومن بعدها بدأت عمليات الاعتقال، لكن عندما قدم المحامون للمحاكم وثائق تحتوي على قرارات المحكمة التي تبين الأسباب القانونية المسوغة لتنصت موكليهم على متهمين في إطار قضايا مختلفة بطلت استراتيجية الوزارة.
ورأت المحاكم في كل المحافظات، باستثناء إسطنبول، أن تلك الادعاءات لا أساس لها ولا داعي لاعتقال رجال الشرطة، أما قرارات الاعتقال الصادرة عن محاكم إسطنبول التي أسّست خصيصاً لهذا الأمر، باعتراف كبار المسؤولين في الحكومة، فقد أثارت نقاشاً حاداً واسع النطاق لدى الرأي العام لكونها بعيدة عن كل البعد عن المبادئ القانونية الموضوعية.
ففي يوم الثلاثاء الماضي، حدثت عملية تشويه ممنهجة ضد رجال الشرطة في أنقرة، وكان المستهدف الرئيسي هو رئيس دائرة في الاستخبارات الأمنية عمر ألتي بارماك، وفريقه البالغ عددهم 17 أمنياً، حيث طالبت النيابة العامة باعتقالهم، استناداً إلى تقارير المفتشين ذاتها، ولكن المحكمة رفضت هذه التقارير المختلَقة، ولم تجد هيئة المحكمة أي مبرر لاعتقالهم وحكمت على الادعاءات بأنها لا أساس لها من الصحة، وأكدت أن رجال الشرطة قاموا بواجبهم، أي وصفت اتهامات النيابة العامة لرجال الشرطة بأنها من مهامهم القانونية وأداؤها في إطار القوانين ليس بجريمة.
ويرى الحقوقيون ورجال القانون أنه يجب إطلاق سراح رجال الشرطة البالغ عددهم 51 شرطيًا، الذين اعتُقلوا بتهمة “التنصت غير القانوني” و”انتهاك الأسرار الشخصية” و”التجسس”، التهم نفسها التي برّأت كل المحاكم ما عدا إسطنبول قيادات ورجال الأمن المتهمين بها.

















