محسن أوزتورك
أعلن الانقلابيون الذين نفذوا انقلاب 27 مايو/ آيار 1960 نظام الحكم الجديد وسموه بـ ” الجمهورية الثانية” لتركيا، واستمر الاستخدام لهذا الاسم على أياد أخرى حتى بعد نهاية ذلك النظام. وكلما يُقال “نحن نقوم بثورة” أو “يجب أن تكون هناك ثورة”، فكان من العادة أن تُمنح الثورة الجديدة رقمًا كما كان في فرنسا، الوطن الأم للثورات. وهذا هو المنطق التي يسير عليه من يطلقون “الجمهورية الثالثة” على الفترة التي يردد فيها حزب العدالة والتنمية الحاكم على اسماعنا اسم “تركيا الجديدة”؛ إذ أنهم يقولون “نحن الآن نقوم بثورة أيها السادة” بالفعل كما قال من قبل انقلابيو 27 مايو، إذ لا يمكن أن يتم عمل تغييرات راديكالية إلا من خلال تعليق القانون وبالخطابات البلاغية التي تتحدث عن الثورات والانقلابات فقط.
ومن أجل أن ينفذ الأصحاب الجدد للدولة الجديدة، مخططاتهم وقواعدهم، على وجه السرعة، فهم مضطرون للاتكاء على الانقلابات والثورات، بيد أن الانقلاب يحتوي على عدم المشروعية، بينما الثورة فلها معنى ساحر، ومن ثم فلتعش إذن ثورتنا المحافظة المتدينة من أجل إحداث تعاملات في ظرف يومين ولكي تمارس الدولة ضغوطاتها التي لا يقدر أحد على معارضتها أو يبحث عن قانون تستند إليها.
والتعاملات تعني عادات أو مواقف معتادة وشائعة منذ القدم في مكان ما أو لدى مجموعة ما أو ثقافة ما، كما تعني الإعادة باستمرار لنفس المواقف والتصرفات في المواقف المشابهة، على أن “تعاملات تركيا الجديدة” التي يرددها كل من رئيس الجمهورية التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء أحمد داود أوغلو، عبارة عن إجراءات الحزب الحاكم يمكن وصفها “بالفعلية” لمدة بضعة أعوام، أي أن الأمر مُطبق على أرض الواقع لكنه ليس بالضرورة أن يكون مذكورا ومنظما من قبل القانون الساري.
غير أن سياسة حزب العدالة والتنمية ليست وحدة متكاملة لديها صفة الاستمرارية والدوام منذ أن وصل الحزب لسدة الحكم في 2002 فيما عدا الإعلام الموالي للحكومة المنعوت باسم “الحوض المالي”، ولعل العام 2007 كان مرحلة جديدة للحزب، إلا أن الفترة ما بين 2011 و 2013 شهدت فواصل دراماتيكية، كما أن الأشياء التي يزعم أنها خاصة بتركيا الجديدة، تحتوي ما بعد العام 2011 بل مدة العام الواحد الأخير ، كما تروي فترة ابتعاد الحزب الحاكم عن الإجراءات التي كانت ينجزها طيلة 12 عامًا.
كان مفهوم “تركيا الجديدة” بدأ استخدامه بالتوازي مع انحدار مفهوم “الوصاية العسكرية”، وبدأت تردده مؤسسات فكرية مثل مركز الأبحاث السياسية والاقتصادية والاجتماعية التركي (SETA) في أنقرة بصفة دائمة، واعتبارا من عام 2010 كان من الممكن أن يحدث موقف جديد فعلا.
قالت دنيز أولكو أريبوغان وهي تنسحب من لجنة الحكماء المشكّلة للتعريف بمسيرة السلام الداخلي مع الأكراد، في جوابها على سؤال أحد الصحفيين وماذا عن “تركيا الجديدة”، قالت “هل هناك حقا “تركيا الجديدة”؟ أنا لم أفهم شيئًا” ، كما يرى البروفيسور مصطفى أردوغان أستاذ الدستور أن “تركيا الجديدة” ليست لها علاقة بالواقع مثل “اللغة الجديدة” التي وردت في رواية 1984 لجورج أورويل.
ويرى المحللون للأحداث المرتكزة على الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان أن “تركيا الجديدة” عبارة عن تركيا القديمة لكنها أُدخلت حيز التداول بشكل أسوأ تحت ستار مفهوم “تركيا الجديدة”، وعليه، ألم يكن إملاء أشياء مثل “تعاملات تركيا الجديدة” من قبيل الأشياء المتعارف عليها في الماضي، وما دامت تلك الأشياء مستخدمة، فما هو هذا التعامل يا تُرى؟
تعامل بمبدأ “لقد أصبحتَ مدنيًا بعد الآن”
يمكن تلخيص صراع الديمقراطية في تركيا على أنه صراع لسيطرة المدنيين على الدولة أو صراع العيش دون ظل ضغط الدولة، أن الحياة الاجتماعية لا يمكن لها أن تدور في محور الدولة، وكان من الضروري أن يسيطر المنتخَبون من طرف الشعب على الدولة من أجل إنشاء دولة تجعل الحياة المدنية في راحة وحرية كاملة، بينما كان مجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية DEİK مؤسسة تعمل تحت مظلة اتحاد الغرف والبورصات التركي TOBB إلى وقت قريب، تم إلحاقه بإحدى الوزارات من خلال حزمة القوانين القضائية التي قدمتها الحكومة ووافق عليها البرلمان التركي، وقال الوزير المعني بذلك إن مجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية أصبح الآن مدنيًا أكثر، وأصبحت المدنية في تركيا الجديدة تتحق عن طريق إلحاق جميع المؤسسات بالدولة وحملها ختم أو طابع الدولة.
بدأت ضرورة وجود الحياة المدنية التي لا تدخل في ظل الدولة أو تحتاج لدعمها تختفي عندما دخلت مفهوم “تركيا الجديدة”حيز التداول، وقامت الجمعيات والأوقاف المحافظة الدينية باللازم فيما يخص هذه المدنية حيث أنها وقعت بلا قيد أو شرط على الوثيقة المعلنة باسم “المطابقة الوطنية” التي كتبها مستشارو رئيس الوزراء وأُعلن عنها للرأي العام، والمدنية أصبحت تعني تنفيذ كل ما تطلبه أنقرة!
يقول أردوغان في كل مكان منذ بداية النقاش في إغلاق فصول التقوية التابعة لحركة الخدمة ومؤسسات غير حكومية أخرى حتى الآن: ” الدولة تكفيكم” ، الآن هناك دولة ولا شيئ غيرها! والمرجع الوحيد الذي يمكن الثقة به هو الدولة والمدنيون الذين تعاهدوا أو بايعوا الدولة فقط، أما الذين لم يدخلوا في هذا الإطار فلهم صفات جاهزة لنعتهم بها مثل: غير موثوق، خطير، جاسوس، خائن، محظور، أما الخيانة هي موضوع بحث مستقل…
التعامل بمبدأ “حذار أن تعارضني وإلا دمرتك”
قام أحد نواب حزب العدالة والتنمية بعمل دراسة لرصد بعض الأخطاء التي ارتكبها البعض أثناء أحداث حديقة “جيزي بارك” بإسطنبول العام الماضي، وأعدّ بها تقريرًا، وقدمه إلى زعيم الحزب وقال بدوره عن أحد المذكورين في ذلك التقرير: “سأنظر في أمره وسأصفي الحساب معه بنفسي اتركوه أنتم”.
لا يوجد فارق بين أن يكون واحد من داخل الحزب الحاكم أو خارجه، إذا أدلى أحد برأي يخالف لرأي الزعيم الكبير، وسيجد نفسه لا محالة خارج الباب مطرودًا، أو يجب عليه أن يحزم حقائبه وينتظر تدمير حياته.
قالت زوجة عبد الله جول الرئيس السابق لتركيا السيدة خير النساء أثناء حفل الوداع الذي نظمه في قصر الرئاسة “تشانكايا” بأنقرة، قاصدة وسائل الإعلام الموالية للحكومة: “إن ما تعرضنا له منهم من إيذاء وتهجم ربما لم يحدث حتى في أيام انقلاب 28 فبراير/ شباط 1997” ،ولم تصافح السيدة أبرز المسؤولين منهم (رؤساء التحرير) في هذا الإعلام. وحدث ما حدث بعدما فسر المسؤولون في الحزب الحاكم فوزهم بالانتخابات من خلال صناديق الاقتراع، بأنهم أصبحوا مثل الملكية وزعيم الحزب أصبح مثل ملك يتمتع بحق وصلاحية عمل كل ما يحلو له في أمور الدولة.
أومأ إدريس نعيم شاهين وزير الداخلية الأسبق، الذي استقال من حزب العدالة والتنمية، إلى فتح ملفات خاصة لكل واحد في الحزب، ولذلك فالجميع حريصون جدًا فيما يتحدثون أو يفعلون لأنهم يخافون مما قد يحدث لهم أو يحل بهم من مصائب إن أخطأوا.
ساد الرأي الذي يقول إن حركة الخدمة تعرضت لهجمات عنيفة من قبل الحكومة لأنها لم تبايعها، وتعرض لتهديد: “بإمكاني أن أعلن أنكم منظمة إرهابية إن شئت، أو أنكم سفراء للسلام وكل ذلك بوسعي” ،توضع الجموع الكبيرة وليس الأفراد تحت الضغوط، كثير من الجمل أثناء الحوارات الثنائية، يتعرض للمحو لأن صاحبها لا يرغب في تسجيله ونشره لأنه يخاف من عاقبتها أو ممن يحيطون به إذا قال الحقيقة المرة، فسياسة التخويف تستمر بشكل أكثر اتساعا وتأثيرًا مما كانت في تركيا القديمة.
التعامل بمبدأ “الاتحادية الجديدة”
لاتعرَف “الاتحادية” حتى الآن في الأدب بأنها كانت رمزا لمقاومة الضغوط في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، بل تعرف كثقافة سياسية كانت تنتهجها مجموعة سيطرت على إدارة الدولة بانقلاب وجرفتها إلى المصائب، إذ انها سيطرت على جهاز الدولة، ولم تصغ للقوانين والضمائر، ورأت أن تتبنى موقفا يعطي لنفسها حق عمل كل ما تريد، كما أنه من الواضح أنها لا تمت بأدنى صلة بسياستها هذه إلى الديمقراطية.
ويقول الكاتب المخضرم علي بولاج إن الاتحادية ظهرت من جديد بعد عام 2011 في نموذج حزب العدالة والتنمية، وتتم إدارة الأمور من قبل فريق محدود العدد، وعلى سبيل المثال؛ قد لا يتم إعلام الوزير في مشروع ضخم متعلق بوزارة التعليم، ولا ينبغي أن يتم إعلامه، تبين أن ثاني أقوى رجل في الدولة هو رئيس جهاز الاستخبارات في تركيا أيضا كما كانت العادة في الشرق الأوسط.
وأصبح من التعامل السائد التصرف مثل الجبابرة الذين لا يعترفون بالقوانين واستخدام قوة الدولة والإعلام اللذين يمسك بهما في يده كأداة للضغط، وإدارة الشعب عن طريق التخويف والقمع، وينبغي أن نذكر هنا مرة أخرى كلمات علي بولاج: “هناك مجموعة اتحادية تدير الحزب منذ 3 أو 4 سنوات”.
التعامل بمبدأ “الاعتذار من واجب من تعرض للضرب”
عندما وقعت فاجعة منجم سوما إحدى بلدات مدينة “مانيسا” غربي تركيا وأسفرت عن مصرع 303 عمال، كان في مكان الحادث وزير الطاقة نيابة عن الحكومة، وكان يشرف على انتشال الجثث من المنجم وعملية دفنهم، وكان ينبغي توقع تقديم وزير الطاقة استقالته سواء كان مسؤولا بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عن وقوع الحادث بسبب تبعية المناجم لوزارة الطاقة، غير أن الصحف والقنوات الموالية للحكومة بدأت تبث أشياء تستدر بها عطف المشاهدين وتحببهم في الوزير، حيث نشرت أخبارا مثل أن الوزير لم يكن لديه من الوقت حتى ليغيّر قميصه الذي يرتديه منذ يومين.
كان هناك بطلان في فاجعة سوما؛ أولهما العامل الذي أراد أن يخلع حذاءه خشية أن تتسخ النقّالة التي تحمله في سيارة الإسعاف، والأخر هو وزير الطاقة، قام رئيس الوزراء في ذاك الوقت، رجب طيب أردوغان، ومستشاره بضرب اثنين من المواطنين هناك من أقارب العمال باللكمات والركلات إلا أنه لم تأت منهما تصريحات بالاعتذار عما بدر منهما، وكان الذي قدم الاعتذار هو المواطن الذي تعرض لتلك الفعلة المشينة، وكان هذا تعاملا جديدًا، إذ كان الاعتذار واجب من يتعرض للضرب بعد الآن، وليس من ينهال على المواطن باللكمات والركلات.
التعامل بمبدأ “الأسرة المظلومة على كرسي الاتهام”
عاشت تركيا أكبر الأزمات السياسية في التاريخ، وهي التي بدأت في نواحي حديقة “جيزي” بميدان تقسيم في إسطنبول في نهاية شهر مايو/ آيار 2013 ثم أخذت تشتعل الأحداث يومًا بعد يوم، حيث كانت الحكومة ترغب في إعادة بناء الثكنة العسكرية التي كانت في ذلك المكان قبل أكثر من مائة عام، وكان تنوي أن تفتحها كمركز تسوق أو مقر سكني حسبما تريد، بمعنى أنها لم تكن تنوي إنقاذ الآثار التاريخية، إنما كانت تهدف إلى إقامة مبنى آخر، ونحن نعلم إلى أين آلت الاحتجاجات المتصاعدة التي عارضت ذلك المشروع، حيث أسفرت عن مصرع 10 أشخاص، كان من بينهم مواطن يُدعى “أدهم صاريسولوك” في مدينة أسكي شهير.
وفي الوقت الذي كان يتم فيه مقاضاة الأشخاص ورجال الشرطة الذين تسببوا في قتله، نشرت وكالات الأنباء صورا لأسرة أدهم الأسبوع الماضي وهي على كرسي الإتهام، وسرعان ما صدرت هذه الصور بطريقة تقلل من شأن الإجابات التي يتم البحث عنها للسؤال “ماذا حدث لتكون العائلة على كرسي الإتهام؟”.
التعامل بمبدأ “القضاء على بنك”
يعد بنك آسيا أحد أكبر المصارف غير الربوية في تركيا والعاشر من حيث الحجم على مستوى البلاد، إلا أن الحكومة تشن على البنك حملة ممنهجة للقضاء على حركة الخدمة التي تستلهم فكر الداعية فتح الله كولن، إذ أنها تقوم منذ عام بتعديلات قانونية تستحق إدراجها في المقررات الدراسية في مجالي القانون والأعمال المصرفية. وخططت الحكومة لشن حملة تهدف إلى إغراق بنك آسيا وإعلان إفلاسه عن طريق طلبها من بعض مؤسسات الدولة والشركات الخاصة والمقربة منها أن تقوم بإيداع أموال بمبالغ طائلة ثم سحبها على وجه السرعة ليلة العملية والضغط على بعض رجال الأعمال بسحب ودائعهم من البنك حتى يحدث شرخ وعجز في حركة المعاملات داخل البنك.
وبينما كان من الصعب للبنك أن يواصل معاملاته بعد سحب نحو 5 أو 6 مليارات ليرة تركية، جاء رد فعل واسع النطاق من المودعين (علم محبو حركة الخدمة بإيداع مبالغ تعادل ما تم سحبها من البنك وذلك كلف بعضهم بيع سياراتهم أو منازلهم أو بعض ممتلكاتهم لإيداع ثمنها في بنك آسيا حتى يتجاوز هذا البنك غير الربوي هذه المرحلة الصعبة) أفشل هذه الخطة الرامية للقضاء على البنك.
مجال الأعمال المصرفية هو بمثابة العمود الفقري للاقتصاد ولذلك نشر أي خبر يسيئ إلى البنوك يعتبر جريمة ولكن إعداد خطة لإغراق أحد البنوك، علنًا لا تعتبر جريمة.
نشرت وكالة الأناضول للأنباء التابعة للحكومة خبرا بأن مجلس تنظيم ومراقبة الأعمال المصرفية BDDK قام بمصادرة البنك بناء على المادرة رقم 72 من القانون، ونشرت الوكالات الأجنبية هذا الخبر، إلا أنه تبين عدم صحة الخبر في الأيام التالية، وعندما خاب سعيهم، أصدر أردوغان علنًا تعليمات بمصادرة البنك من طرف مجلس تنظيم ومراقبة الأعمال المصرفية أثناء كلمته في المجلس التنفيذي لجمعية الصناعيين ورجال الأعمال الأتراك TÜSİAD ، وقال في مقام آخر عن بنك آسيا: “من يحاول إغراقه لقد غرق أصلا وأعلن إفلاسه” ،وأثناء هذه التصريحات واصل بنك آسيا الارتفاع في المعاملات بالأوراق النقدية في البورصة، ولم تنته القصة عند هذا الحد، فبنك آسيا عازم على المقاومة والصمود، في الوقت الذي تتواصل فيه الحملات الرامية لإعلان إفلاسه.
التعامل بمبدأ “هل مَات أحد من قول الكذب”
إن الحقائق هي أول ما يختفي في الحالات الاستثنائية، زعم أناس في جبهة الحزب الحاكم أثناء أحداث حديقة “جيزي” قيام بعض المتظاهرين بشرب الخمر في أحد المساجد واعتداءات في منطقة كابتاش (ادعاء الإساءة إلى سيدة متحجبة وطفلها) وسطو على قصر دولمه بهشه، إلا أنه تبين عدم صحة كل هذه الادعاءات بعد مدة، لكنهم يستمرون في عرضها كأنها وقعت حقيقة.
وكان الكاتب سليمان جوندوز هو مَن كشف عن كذب شائعة شرب الخمر في أحد المساجد ونتيجة لذلك فقد عمله والعمود الذي كان يكتبه في صحيفة “يني شفق” الموالية للحكومة، وإن مثل هذه الشائعات كانت تحدث بكثرة في تركيا القديمة إلا أن الحكومة تواصل أعلى مستوياتها في الكذب والافتراءات منذ عام 2013 حتى الآن، ومنذ اندلاع هذه الأحداث حتى يومنا هذا بدأت تهب رياح الكذب بمعنى الكلمة من جهة الحزب الحاكم.
على سبيل المثال بثت القنوات الموالية لأردوغان كلمته وهو في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/ أيلول الماضي وكانت القاعة شبه خاوية من الحضور، بيد أن صحيفة “ستار” التركية الموالية للنظام نشرت في صبيحة اليوم التالي خبرًا على صدر صفحاتها وأظهرت في الصورة القاعة ممتلئة عن آخرها، هذه هي الأعمال الروتينية لوسائل الإعلام الموالية للحكومة، ولعل هذا المثال كان أبرأ وأخف الأعمال التي تقوم بها، فقد أبدت براعة في نقل الأخبار وتزييفها بعد أحداث الفساد التي ظهرت على السطح في 17 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، وذكرت في كل خبر لها معلومات جديدة معظمها لا صحة له تماما، وتجاوز عدد المانشيتات المئة مانشيت تمهيدًا لأرضية العمليات التي تشنها الحكومة، ونفى البيت الأبيض للمرة الأولى تصريحات رئيس دولة بناء على النقل الخاطيء للقاء الذي تم بين أردوغان وأوباما، وإن الظاهر في الإعلام عبارة عن انعكاس لموقف الحكومة، كان في تركيا القديمة مثل هذه الأكاذيب، وعمليات تستند إلى الأكاذيب؛ إلا أنها لم تشهد أو تسمع مثل هذه الأكاذيب والافتراءات في تاريخها قط.
التعامل بمبدأ “خونة للوطن”
يمكن تفسير تاريخ الجمهورية على أنه تاريخ “الخونة” من جهة؛كل من يعارض الدولة أو الذين يُنظر إليهم بأنهم محظورون من قبل النخبة، عليهم أن يختاروا صفة تناسبهم من الصفات المختلفة.
وخيانة الدولة تأتي على رأس هذه الصفات، وفي حقيقة الأمر كانت هناك تطورات جيدة كذلك،إذ اعتذر أردوغان عن مذبحة درسيم، التي وقعت بين عام 1937 و 1939 في منطقة درسيم، التي تسمى الآن تونجلي، والتي تقطنها أغلبية من العلويين في شرق من تركيا بعد أن نُسيت هذه الواقعة ورفعت ملفاتها إلى الرفوف المغبرة، وإذا كنّا نريد أن نعزز الديمقراطية فلا مفر من مواجهة الماضي، مثل محاكمة مسؤولي الانقلاب في كل من 12 سبتمبر/ أيلول 1980 و28 فبراير / شباط 1997، وحتى إن لم تظهر نتائج مرضية فهذه تعتبر خطوة طيبة في حد ذاتها، ولم تكن للدولة أن تفرض إدارة جبروتية على مواطنيها وإذا فعلت ذلك يجب على المسؤولين أن يتحملوا نتائج ذلك ويحاكموا يوما ما أمام المحاكم، يجب أن ينتهي عهد الدولة التي تنتهج سياسية التهميش لبعض المواطنين وتدخل في طي النسيان، لكننا نشاهد عكس هذا الاتجاه ابتداء من لحظة ظهور مفهوم “تركيا الجديدة”. وكلما رُددت على مسامعنا كلمة “الجديدة” نراها تعود إلى الوراء أكثر، وإن الذين يقومون بالأعمال المذكورة أعلاه ويبررون مفهوم الدولة الاستخباراتية إذ أصدروا قوانين المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العموم وجهاز الاستخبارات الوطني والإنترنت، ولو صرفنا النظر عن نعتهم للملايين من الناس بـ “الرعاع” و”الحشّاشين” و”الجواسيس”، فلا يمكن التغاضي عن انتهاجهم سياسية القضاء على بعض الكيانات الاجتماعية .
التعامل بمبدأ “مجلس الأمن القومي الجديد”
تأسس مجلس الأمن القومي مع انقلاب 27 مايو/ آيار 1960، ولعب دور رئاسة الوزراء الموازية في عهد “الوصاية العسكرية”، حيث أن أهم المسائل الأساسية كانت تتم مناقشتها في مجلس الأمن القومي، وكان يتم فيها وضع الخارطة السياسية الكبيرة للدولة، وكانت هذه هي القناة والطريقة كنت تستخدمها العسكر في إدارة البلاد، كما كان يُمنع تبادل الموضوعات التي يتم طرحها داخل المجلس والقرارات الصادرة عن اجتماعها، وكل ما يحدث هناك كان يبقى هناك ولو اشتعلت البلاد نارا، واستطاع حزب العدالة والتنمية في عهوده الأولى أن يدخل بعد التعديلات الصغيرة من الإصلاحات وذلك في إطار مفاوضات الاتحاد الأوروبي، وكان كيان مجلس الأمن القومي يعني وجود “دولة الأمن”، وكان إشارة رئيسية على انعدام الديمقراطية، وكان من الواجب ألا تكون تركيا دولة يخاف فيها الأعضاء المدنيون من الأعضاء العسكريين في مجلس الأمن الوطني، وفي الوقت الذي كان ينتظر فيه تعديلات جادة بعد عام 2011، استقر المجلس من جديد في مركز النظام.
ومن جهة أخرى، فإن جهاز الاستخبارات الوطني الذي كان أهم جهاز مؤسس لنظام الوصاية العسكرية، مر من مراحل حكم حزب العدالة والتنمية الثلاث دون إدخال أية إصلاحات عليه، ووصلت إلى يومنا هذا كما كان في أيام الانقلابات دليل على خصوصيات العهد الجديد. والآن هناك وعي لدى الرأي العام بأن الحزب الحاكم يسير على منهج “دولة الأمن”، وهذا ليس بالأمر المفاجئ، وبدأ جهاز الاستخبارات في تركيا ينال، بشكل غير مسبوق، ثناء ومدحا علنيا من الصحف والسياسيين، ومن يقول “وما المشكلة في أن أقوم بجمع معلومات لجهاز الاستخبارات وأنا أزاول مهنة الصحافة”، ولا يرون خطأ في ذلك، أصبحوا هم أبرز الصحفيين والكتّاب في تركيا في الآونة الأخيرة.
التعامل بمبدأ “عدم حل المشاكل”
أدت سيطرة أصحاب رأي وفئة سياسية معينة على الدولة بعد إعلان الجمهورية بوقت قصير إلى تهميش معظم فئات المجتمع؛ مثل المتدينين والأكراد والعلويين والليبراليين وغيرهم، والمسألة الكردية ظهرت في صور مختلفة في أوقات مختلفة، وظهرت منظمة حزب العمال الكردستاني الإرهابية PKK عقب التفاعل اليساري الثوري في عقد السبعينييات، ولعل الداعي الذي مهد الأرضية لظهور المنظمة الإرهابية هو بنية الدولة غير الديمقراطية، وهذه البنية جعلت وجود موجة إرهابية جديدة ضروريا لمواصلة البنية المعادية للديمقراطية سيرها في عقد التسعينييات أي حزب العمال الكردستاني وجعلها أكثر تفعيلًا وظهورًا على الساحة. وليس هناك خيار آخر للتخلص من المسألة الكردية التي قُتل بسببها 40 ألف شخص عبر 30 سنة سوى تمدن الدولة وترسيخ الديمقراطية في البلاد، مشروع الانفتاح الديمقراطي أصبح عقيما وغير مجد لأنه لم يكن هناك استعداد بما فيه الكفاية له، بدأت مفاوضات مسيرة السلام الداخلي بعد فترة حافلة بالصراعات الكثيفة، وكان لا بد من استغلال هذه الفرصة التاريخية حتى تسكت الأسلحة وحتى لا تبكي الأمهات، ومازالت هناك حاجة لاستغلال تلك الفرصة.
التعامل بمبدأ “عدم التفكير”
في السابق عندما كنا نستمع إلى الأشخاص الذين يدافعون عن الإجراءات العسكرية للدولة ، كنّا نقول “عما يتحدث هذا الرجل؟!”. ولم يتغير هذا الوضع في العهد الجديد كذلك، كل ما تغير هو زيادة عدد أمثال هؤلاء الناس فقط، المؤسسات الفكرية في تركيا لم يكن لها تاريخ قديم، وإن ازدياد عددها بشكل كبير كان يمكن أن يُنظر إليها بأنه سعي للبحث عن خيار سياسي لتركيا المتنامية، وبالفعل تم رؤيته هكذا، إلا أنه مع انتهاء الوصاية العسكرية لم تبق لتلك المؤسسات أي دور فعال غير أن تعمل كفريق دعاية للحزب الحاكم.
التعامل بمبدأ “عدم المراقبة”
تقوم هيئة المحاسبات بالرقابة الداخلية على مصاريف الدولة، وهذا يضم الأنشطة التي تقوم بها الحكومة أيضًا، إلا أن ميزانية الدولة تتم في العامين الأخيرين دون أن تمر على الهيئة على الرغم من وجود قانون يأمر بذلك، وتم اختلاق إعلام موال للحكومة لم نشهد له مثيلا من قبل في تاريخ الجمهورية التركية حتى لا تخضع الحكومة للرقابة الخارجية التي توفرها وسائل الإعلام.
بعد عملية كشف الفساد في 17 ديسمبر 2013 تعرضت المحاكم لإبطال مهامها في المراقبة من قبل الحكومة إذ تم تأسيس نظام قضائي ومناخ سياسي بحيث لا يسمح بمحاكمة المسؤولين في الدولة ومنع كذلك نشر الأخبار التي تتعلق بمثل هذه القضايا وكل ذلك يحدث في “تركيا الجديدة”، وفي “تركيا الجديدة” هذه يرى المسؤولون في الحكومة أن فوزهم بالانتخابات يعني أن لهم صلاحية في كل شيئ بما فيه الإخلال بجميع الحقوق والتدخل في كل شيئ وشأن أي أحد بلا منازع، ولهم الحرية الكاملة في ذلك لأننا الآن في “تركيا الجديدة”.
التعامل بمبدأ “الريع والتربح دون معاناة”
كانت تركيا قبل عقدين أو ثلاثة عقود تتنقل بين المركز 14 و15 و16 في تصنيفات أكبر الاقتصادات عالميًا، وفي الوقت الذي نما فيه اقتصاد العالم حظينا بنصيبنا من ذلك، وعليه زادت الدولة غنى ولكن لم يتغير مكاننا في الترتيب، ولم يظهر الاقتصاد في ظل عهد العدالة والتنمية مؤشرًا بالتراجع، غير أنه تم إنتاج ظروف جعلت الموارد التي تم إنتاجها تذهب إلى فئة معينة.
ووصلت القصة التقليدية المعروفة لتوزيع الموارد بيد الدولة إلى أعلى مستوياتها، لم يتشتت مفهوم التربح دون معاناة بشكل متهور إلى هذه الدرجة، فلا يخفى عليكم أحداث الفساد، وفي حقيقة الأمر فإن أحداث حديقة “جيزي” كانت نتاجا لولع التربح الذي لم يعرف له حدود.
التعامل بمبدأ “عدم عمل دستور جديد”
إن أكبر مطلب كان ينتظر من البرلمان الذي تشكل في أواخر 2011 هو إصدار “الدستور الجديد”، وتم تشكيل لجنة من أجل ذلك ولكن كان من الواضح أنها لم تكن تنوي إصدار دستور جديد أصلا، وتبين أن الشيئ الذي يفهمه أردوغان من الدستور الجديد هو نموذج رئاسة يهيمن الرئيس حسب ذلك النظام على كل شيئ ولا يخضع لأي مراقبة مطلقا. وكانت القوانين التي صدرت الواحد تلو الآخر من البرلمان جعلت الجميع يقول “إن شاء الله هذا المجلس لا يقوم بعمل دستور جديد”، ولا تزال تجعلنا نردد ذلك حاليًا.
إن الدستور الجديد يجب أن يكون بعيدا عن سيطرة مجموعة ذات امتيازات تدير الدولة كما يجب أن يكون متصفا بهويّة تجعله يلبي جميع متطلبات المجتمع وأن يكون بمثابة وثيقة تنص على العيش المشترك.
وهذه الفكرة المثالية كانت موجودة في مراحل مسيرة تحقيق الديمقراطية التي كانت تجرى ضد الوصاية العسكرية، إلا أنها أصبحت الآن في خبر كان، ومن الواضح أن فترة حكم الرجل الواحد (أردوغان) لا يمكن فيها إعداد دستور ينص على نطاق حريات أوسع إذ أنه (أردوغان ) لا يرى محظورات في دستور 12 سبتمبر/ أيلول الانقلابية كافية لإشباع رغبته في التحكم ، ويجب ألا يصدر الدستور الجديد في هذه الفترة إن أمكن ذلك.
التعامل بمبدأ “عدم اتباع قرارات القضاء”
“إن القانون في تركيا معلق”، كم مرة ينبغي أن نكرر هذه العبارة حتى يتسنى إدراك خطورة الموقف؟ إذ أنه في الوقت الذي كنا نتوقع فيه أن يكون القضاء مستقلًا في تركيا الجديدة، يكاد القضاء يدخل تحت لواء وزراة العدل عبر المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين بدعوى وحجة “الكيان الموازي”.
التعامل بمبدأ “الأحداث مجهولة الفاعل”
ليس من قبيل الصدفة أن يكون ظهور الأحداث مجهولة الفاعل وخروج إدارة الدولة عن الأعمال الروتينية وتجاوزها للقانون نتاج نفس التوقيت، وإذا تم التمسك بالقانون وانتهى دعم القوات شبه العسكرية لن تكون هناك أحداث مجهولة الفاعل، كما انقطع وقوع تلك الأحداث أثناء تحقيقات أرجينكون، وإن كانت سياسة” الكتاب الأحمر” لمجلس المن القومي استأنفت نشاطها في البلاد مرة أخرى، فعلينا أن نكون مستعدين لأن نسمع عن الأحداث مجهولة الفاعل من جديد.
التعامل بمبدأ “الظلم”
إننا نشهد نوعا من الظلم لم نشهد له مثيلا من قبل، وخاصة بعد تعاملات تركيا الجديدة التي تحدثنا عنها، حيث إن البيروقراطيين والصحفيين ورجال الأعمال وفئات المجتمع المدني يتم تصفيتهم تحت ضغوط شديدة وتحت سياسة الخوف.
وأضحت الديمقراطية والحرية والحقوق والعدالة وحقوق الإنسان مفاهيم تتعرض لعملية الإلغاء والانتهاك، ولا داعي لبذل جهد شاق لكي تكون أحد ضحايا هذه التصفية؛ فيكفي فقط أن تغرد بتغريدة على حسابك الشخصي في تويتر ضد الحكومة ليتم اعتقالك على الفور.

















