مراد يتكين
إذا كان الرئيس الأمريكي باراك أوباما، الذي يفقد القوة تجاه الحزب الجمهوري، يريد اتباع سياسة أكثر تأثيرا في المنطقة، فلا يمكن له أن يجازف بأن يخسر تركيا؛ إذ إن الطلبات المتبادلة بين حكومتي أنقرة وواشنطن واضحة، ويبدو أن كل واحد منهما يخطو خطوة إلى الأمام للتقارب ويتوافقان من جديد.
أعلنت نتائج الانتخابات المرحلية للكونجرس الأمريكي التي أجريت أول من أمس ويبدو أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما سيركز على السياسة الخارجية التي تحتل المكانة الهامة وهي المتبقية في يده من أجل جلب نتائج انتخابات الرئاسة في 2016 لصالح الحزب الديمقراطي مقابل ضغط الجمهوريين في الكونجرس.
ويمكننا أن نرصد ذلك في ثلاث ساحات: في الشرق الأقصى- الصين، وفي أوروبا- روسيا، والسياسة المتعلقة بالعراق وسوريا في الشرق الأوسط، وطبعًا عندما نذكر العراق وسوريا، يتبادر على الفور إلى الأذهان تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، والمسألة الكردية، والعلاقات مع تركيا وإيران.
دخل رئيس ديمقراطي، في الماضي القريب، في منافسة في السياسة الخارجية المؤثرة مع الجمهوريين، وباءت حملة الرئيس جيمي كارتر في أزمة إيران والرهائن قبل ثلاثين عاما بالفشل الذريع، ولم تمح حتى الآن آثارها، ولذلك فهناك سبب كافٍ للقلق.
وثمة حقيقة ينبغي لأوباما أن يواجهها ويتقبلها؛ وهي ضرورة النظر لسوريا والعراق على أنهما ليستا مجالين منفصلين في السياسة (وبالتالي للحرب) عقب ظهور تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” على السطح.
أمّا العناصر المؤثرة على الساحة العراقية والسورية، التي تشكلت جرّاء ضغوط داعش التي لا تحدها حدود فهي:
الحكومة العراقية: إن حكومة حيدر العبّادي التي تولت القيادة خلفا لحكومة نوري المالكي، الذي يُقال إنه مهد الطريق أمام نمو داعش بسبب ردة الفعل الكبيرة التي نشأت بين السنة، ليست لها سيطرة إدارية كافية على أي شيء، بما في ذلك المنطقة الجنوبية الشيعية.
أمّا المنطقة الشمالية فهي تُركت فعليّا لحكومة إقليم كردستان الذي يحكمه مسعود بارزاني منذ سنوات، حيث قام بارزاني، بإذن من تركيا، بإرسال قوات البشمركة إلى عين العرب (كوباني) السورية، وأصبحت في حكومة كردستان في وضع المشرف على القوات الكردية التي تحارب تحت مراقبة منظمتي الاتحاد الديمقراطي والعمال الكردستاني في سوريا.
وداعش له نفوذ في المناطق الوسطى والغربية، والمنطقة الشيعية في الجنوب، تحت حكم المالكي (بصفته نائبا لرئيس الجمهورية)، كما ترد في وسائل الإعلام الدولية أن الشخص المتحكم في زمام الأمور في منطقتي بغداد والبصرة هو قاسم سليماني قائد فرقة القدس التي تعتبر جهاز العمليات الخاصة للحرس الثوري الإيراني.
الحكومة السورية: ليس لبشار الأسد سيطرة أونفوذ قط على جزء كبير من دولته، في حين أن نفوذه يظهر في المناطق التي تحيط بمنطقة دمشق ولبنان وساحل البحر المتوسط والمناطق التي يعيش فيها العلويون والنصيريون والسنة العلمانيين، أما في الشمال على الحدود التركية فهناك مناطق مقسمة في يد الجيش السوري الحر، وجبهة النصرة، ومنظمتي الاتحاد الديمقراطي PYD والعمال الكردستاني PKK وداعش؛ وجنوب البلاد نحو العراق تحت سيطرة داعش أصلا.
الحكومة الإيرانية: تسعى إيران لعدم فقدان السيطرة في منطقتي بغداد والبصرة بالعراق – حتى لو انقسمتا – نظرا لاحتمال سقوط نظام الأسد في سوريا، وعلى هذا النحو، قد تتشكل منطقة شيعية واسعة من إيران إلى المناطق التي فيها الكثافة الشيعية من السعودية والإمارات على ساحل الخليج، ومع ذلك لا تريد إيران أن يفقد خط الوصول إلى البحر المتوسط من خلال طريقي سوريا ولبنان، ولذلك ترى المناطق ذات الحكم الذاتي الكردي على أنها حواجز سنية، ولهذا تحارب بكل ما أوتيت من قوة ضد داعش.
السعودية: إن المملكة العربية السعودية التي ساعدت في إسقاط الإخوان المسلمين في مصر، تواجه الآن منظمات من نوع داعش الآخذة في التوسع ، إلا أن هذا المنظر قد يكون خادعًا كما حدث من قطر والكويت، والعلاقات السعودية الإيرانية ليست مستقرة إذ تتحسن تارة وتسوء أخرى، وقامت مؤخرا بإبرام اتفاقية مع فرنسا لتسليح الجيش اللبناني بقيمة 3 مليارات دولار تهدف إلى تقويته ضد كل من الجيش السوري والإسرائيلي.
الحكومة الإسرائيلية: في هذه الأيام يسكن شباك بنيامين نتنياهو في السياسة الخارجية هدفا تلو الآخر، وآخر نموذج على ذلك هو عدم إعطاء موعد في واشنطن لوزير الدفاع الإسرائيلي، زد على ذلك اعتراف السويد بدولة فلسطين قبلها بيوم.
وإسرائيل منزعجة من ظهور إيران في نفس الصف مع الولايات المتحدة الأمريكية فعليًّا في الحرب ضد داعش، كما تشعر باستياء من دفع موضوع البرنامج النووي الإيراني إلى الخلف، والذي يعتبر مهما لها أكثر من أي شيء آخر، كما ترى أن الشر الأهون هو بقاء “الشر الذي تعرفه” ،وهو الأسد بدلا عن احتمال سيطرة داعش أو أية جماعة إسلامية أخرى على المنطقة، ومن ناحية أخرى ترغب في أن تكون كردستان منطقة عازلة بينها وبين إيران.
الحكومة الروسية: إن روسيا التي تعتقد أنها انخدعت بحيلة الولايات المتحدة الأمريكية في ليبيا ووافقت عليها في الأمم المتحدة، وتقف الآن وراء نظام الأسد في سوريا وتدعمه، والهدف من ذلك ليس حماية قاعدتها العسكرية الموجودة في طرطوس على ساحل البحر الأبيض المتوسط، بل الأكثر من ذلك هو إخفاق مخططات الولايات المتحدة.
ولذلك تعتبر سوريا جزءا من الحرب الباردة على مستوى صغير خاضتها روسيا مع الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي ، والأجزاء الأخرى من تلك الحرب هي أوكرانيا ودول البلطيق.
وتركيا تقع في الوسط من تلك الحرب أي بين أوكرانيا في الشمال وسوريا في الجنوب، ورئيس الجمهورية التركي أردوغان لديه شرط أساسي وكأنه شرط وحيد من أوباما لكي تنضم تركيا بشكل أكثر فاعلية في الحرب ضد داعش، ألا وهو وضع إسقاط نظام الأسد في قائمة الأهداف، أما موضوع إقامة منطقة حظر للطيران وغيرها فهي المواد التفصيلية للعنوان الرئيسي المذكور .
ولاريب في أن ثمة مشكلات عديدة بين تركيا والولايات المتحدة في الآونة الأخيرة، مثل انتقادهم بوجوب أن يكون القضاء مستقلا وضرورة حرية الصحافة، والقصر الرئاسي الجديد لأردوغان الذي يسعى لإدارة تركيا بمفرده، المسمى بـ “القصر الأبيض” الذي عرفنا بعد ضغط كبير من حزب الشعب الجمهوري المعارض أن تكلفته وصلت إلى مليار و370 مليون ليرة تركية، والأنكى من ذلك هو تصريح نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن بأنه لم يقدم أي اعتذرات للرئيس التركي قبل زيارته المتوقع قريبا إلى تركيا، رغم صدور بيان مكتوب من البيت الأبيض بأنه قدم الاعتذار.
ولايكفي كل ذلك للحد من المطالب العسكرية للولايات المتحدة من تركيا، ووضعها في الخطة الثانية، جميع الحدود الشمالية للعراق وسوريا تبلغ إلى 1300 كيلومتر مع تركيا. وتركيا دولة عضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو) وهي تستضيف أجهزة رادار الإنذار المبكر للدرع الصاروخي للناتو، ويوجد بها قاعدة تشغيلية رئيسية (إنجيرليك) المجاورة لمحطة جيهان المفتوح فيها نفط العراق وأذربيجان على العالم.
وعلاوة على ذلك ما دامت تركيا كونها عضوا في الناتو وفيها مضيق البوسفور ومضيق الدردنيل وما زالت روسيا هناك، فهي ليست دولة يمكن التهور بفقدانها من وجهة نظر أمريكا، وما دامت المطالب العسكرية تنفذ، فليس من المهم هوية من يحكم تركيا.
وإذا كان أوباما سينتهج سياسة أكثر تأثيرًا في المنطقة، فهو لايرغب في تنفيذها بمعارضة تركيا ، وعلى ذلك يبدو أنه كلما يخطو خطوة يخطو أردوغان مثلها إلى الأمام ليلتقيا، ويتم التوافق بينهما.
وأردوغان يرى ذلك، وخطواته التي تثير النقاش في الداخل والخارج لايخطوها اعتمادا على فوزه في صناديق الاقتراع فقط، بل هو واثق أيضًا من أن الولايات المتحدة لاتستطيع التخلي عن تركيا.

















