سوعات كينيكلي أوغلو
تهدد السلطوية وأعمال الفساد والفرض المتزايد للعناصر الدينية على المجتمع، المستمرة خلال العامين الأخيرين، على وجه الخصوص، الثروة البشرية التي تحتاجها تركيا.
تناولت وجبة الغداء منذ أيام مع رئيس سابق لمؤسسة فكرية كبيرة في واشنطن، وكان أول ما قاله لي: “بالله عليك ماذا يحدث في تركيا؟ يتصل بنا كل يوم العديد من الرجال القيمين والمهمين، لهم شواهد دراسية معتبرة وخبرة عالية في اختصاصات مختلفة يسألوننا عن إمكانيات العمل أو عن طريقة مناسبة للمجيئ إلى هنا؟”. حاولت أن أوضح الأمر للرجل قدر المستطاع، ولكن للأسف هناك واقعة يشهدها المجتمع حاليًا ألا وهي الهجرة العلمانية؛ حيث أن القلقين مما يحدث في تركيا وتخفق قلوبهم لذلك، ولديهم الامكانيات باتوا يتخيلون مستقبلهم خارج تركيا، ويطلق على هذه الظاهرة في اللغات الأوروبية “هروب الثروة البشرية” ، فما معنى هذه العبارة المنمقة؟
هذه العبارة تعني أن الأطباء والمهندسين والأكاديميين والمتعلمين من أبناء بلادنا قد ضجروا من الوضع الاستبدادي الراهن ومن الفوضى المتصاعدة في البلاد، وبدأوا يبحثون لأنفسهم عن مستقبل خارج تركيا، وبصفة عامة يهاجرون إلى الخارج، وهذا ما يحدث بالفعل.
يسعى أولئك الذين يُطلق عليهم لقب ذوي الياقات البيضاء، أصحاب المناصب الإدارية، الذين يعملون في الشركات العالمية إلى الحصول على وظائف في مكاتب تلك الشركات خارج تركيا، كما أن الذين لديهم القدرة على عمل استثمارات يقومون بشراء المنازل أو يؤسسون شركاتهم، ويسعون للبحث عن سبل الإقامة في دول أخرى بطرق شرعية، ومنهم من يذهب لأقاربه بالخارج ويحاول العيش هناك، ومنهم أيضًا من يذهب للخارج بعقود عمل مؤقتة ويكون همه الوحيد هو الحصول على إقامة دائمة.
وهناك إقبال ملحوظ على طلبات البطاقة الخضراء للولايات المتحدة، وبالمختصر المفيد هذا يعني أن أصحاب الأعمال الإدارية ملّوا من تركيا ويرغبون في الهجرة من وطنهم، ويبحثون عن مستقبل أفضل، ولايريدون أن يربوا أبناءهم في دولة تُدار بهذه الصورة.
وتشير الأبحاث إلى أن الدول التي ليست بها استقرار سياسي، وتوجد بها إدارات سلطوية تنخفض فيها الثقة في الحكومة والدولة، كما أن الناس في مثل تلك الدول يبدأون البحث عن أشياء جديدة لكي يمكنهم أن يعيشوا مستقبلا أفضل، لذلك يقررون الهجرة إلى الأماكن التي يجدون فيها حياة واعدة وأكثر أملا .
واليوم، إن لم يكن لديكم رابطًا طبيعيًا وثيقًا مع الحزب الحاكم بشكل من الأشكال، ولم تبايعوه أو لم تقدموا لأحد من رجال الحزب الهدايا، فمعنى ذلك أنه ليس لكم مستقبل في تركيا، وبمعنى آخر ليست لكم امكانية الارتقاء أو النشاط الاجتماعي لا في القطاع الخاص ولا في قطاع العام، كما أن كون النظام التعليمي في حالة من الترهل والركود يزيد الطين بلة في هذه الفترة، إذ أننا نرى أن التعليم ضعيف حتى في المدارس الخاصة، ولا شك في أننا جميعًا قلقون بشأن إذا ما كان أبناؤنا سيجدون عملا أم لا وإذا ما كانوا سينافسون على الساحة العالمية أم لا وإذا ما كانوا قادرين على تأسيس حياة كريمة أم لا.
وفي الوقت الذي كانت فيه تركيا تشهد هروب رأسمال بشري في عقود السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، فقد شهدت أيضًا في الفترة ما بين 2007 و2011 ظاهرة هجرة أدمغة معاكسة، بمعنى أن الكثير من الأتراك الذين يعيشون خارج تركيا ظنوا أن الأوضاع في الدولة أصبحت جيدة وعادوا إلى تركيا مرة أخرى، وبالطبع كان هذا مؤشرا مهما على كسب الموارد البشرية بنسبة كبيرة، وساعد ضرب الأزمة العالمية اقتصاد الغرب في هذه الفترة أيضًا. إلا أن ما نراه الآن هو عودة هذا المورد البشري المهم والخطير إلى الخارج مرة أخرى، ولاسيما في أن فرض الاستبداد والسلطوية وأعمال الفساد والعناصر الدينية المتصاعدة على المجتمع والمستمرة في العامين الماضيين على وجه الخصوص، يهدد رأس المال البشري الذي تحتاجه تركيا، كما يجعل فئة كبيرة من المتعلمين وأصحاب العقول يهاجرون من الدولة، وحدث ذلك في الماضي بسبب عاملين رئيسيين هما الاقتصاد والفرص، أما الآن فنلاحظ أن الهجرة تحدث بسبب عدم اتفاق الأيدلوجية بين أفراد المجتمع والدولة، كما أن الاستقطاب والتهميش المتأججين في الآونة الأخيرة يعملان على زيادة وتيرة هروب رأس المال البشري.
ولاتنظروا إلى وسائل الإعلام التي أصبحت غالبيتها تحت سيطرة الدولة؛ إذ أن التوقعات المعقودة على تركيا سلبية للغاية، وإلا ما الذي يجعل كل هذا الكم من الناس المحنكين وتعلموا جيدا أن يتركوا منازلهم وأعمالهم وأنظمتهم ويبحثون عن المستقبل في ديار الغربة؟ هذا الوضع يعطي لنا إشارات تحذير مقلقة بخصوص مستقبل تركيا، ومع الاعتقاد بأنه لن يحدث تغيير في الآليات السياسية في تركيا، فلا مفر من أن هجرة الأجيال الواعدة ستستمر.

















