آدم جونش
لاشك في أننا نواجه صعوبة بالغة من الآباء بشكل كبير في موضوع “تدريب الآباء والأمهات”. إذ يمكن القول بأن الدور الذي تسنده بنية الأسرة التقليديّة في مجتمعاتنا إلى الذكور يجعلهم شيئا فشيئا أشخاصًا غير مبالين أو منتبهين بمن حولهم. ذلك أنه إذا ما انتبهتم ستجدون أن الذكور الذين تجاوزوا سناً معينةً في بلادنا لا توجد في وجوههم تعابير أو إيحاءات. لدي صديق هولندي يعمل الآن معلما في تركيا، وكان قد وجه إليّ في وقت سابق سؤالا مثيراً للانتباه، حيث قال: “ثمة شيء يسترعى انتباهي، الناس في تركيا لا يستخدمون تعابير الوجه، ما هو سبب ذلك؟ هل لا يستخدمونها لأنهم لا يرغبون في استخدامها، أم لأنهم عاجزون عن استخدامها يا تُرى؟”.
في الحقيقة، الإجابة على هذا السؤال بسيط للغاية؛ وهو أننا، نحن الأتراك، غير قادرين على استخدام تعابير الوجه.
إن موهبة استخدام تعابير الوجه تُكتسب لدى الطفل منذ نعومة أظفاره. وإن السمة الأكثر وضوحًا على الأطفال الذين يعيشون مشاعرهم وأحاسيسهم على طبيعتها هي؛ ابتساماتهم بلا قلق أو غم. وعلى العكس من ذلك فإن السمة الأكثر وضوحًا على الأشخاص الذين تخلصوا من هموم الحياة ومتاعبها بشق الأنفس ووصلوا إلى مرحلة البلوغ دون أن يعيشوا طفولتهم هي تعابير وجوههم الشاحبة. ذلك أن سيماء أمثال هؤلاء الأشخاص عادة ما تكون عابثة ومملة، فضلا عن أن الومضات والبريق يودع مآقيهم بعد فترة من الزمان إلى أن تظهر أعينهم في صورة خافتة بلا لمعان.
ومن ثمّ فإن عدم القدرة على استخدام تعابير الوجه يعتبر في علم التربية مؤشرا على حالة الإذلال والذم المستمر التي شهدها الشخص في طور طفولته.
التقاني أب وأم مصاب ابنهما بالقلق، وبدأ الأب يسألني قائلا: “أستاذي، إن الحالة المحقّرة هذه لأبني تزعجني كثيرًا وتجعلني أكاد أصاب بالجنون”.
إن ذلك الشخ الجالس أمامي كان أبا ذا قوة وتحكم. وكان صارما لدرجة أن زوجته كانت تراقب حركات فمه أثناء حديثه خشية أن تقول شيئًا خاطئًا ويوبخها على قولها أمام أناس أغراب.
تجاذبنا أطراف الحديث في أمور شتى من الحياة إلى أن أصبحنا أصدقاء. وما أن سنحت الفرصة لي حتى قلتُ له “ما هذا الوجه العبوس يا سيدي”. وواصلت قائلا “منذ أن أتيت والابتسامة لم تزر وجهك. عليك أن تعلم أنك تجعل بوجهك العبوس هذا من يجالسونك ويعيشون معك يشعرون بضيق في أنفسهم، أرجوك أن تبتسم قليلا، لقد ضاق صدري أيضا”.
علت وجهه الدهشة والغرابة قليلا.. ثم حاول أن يوزع ابتسامات غامضة.. بيد أن الابتسامة لم تنسجم مع وجهه.
من ناحية أخرى، راحت زوجته تدافع عنه قائلة “أستاذي، لا تنظر إلى وجه زوجي العبوس فهو في الحقيقة إنسان طيب”.
غير أنني كنت أتحدث عن ضياع التعابير والتباشير في وجهه التي تجعل الإنسان يمل ويكل أمامه ولم أكن أتحدث عما إذا كان رجلا طيبا أم لا.
وليس من السهل أن يبتسم شخص عبوس الوجه؛ إذ إن بعض الناس يرى أن الابتسامة أمر لا يناسبه، والبعض الآخر لا يبتسم خشية أن “تهتز مهابته وسلطته”. مع أن الهيبة أو المهابة هي أن يكون الإنسان مسموع الكلمة وليس أن يبدو عبوس الوجه. وإن رجلا فقد الهيبة في كلامه، لا يكون سيدا بل يكون جبارا. فإن تأثير أب سيد في أسرته مكنون في كونه حكيما، وأن يكون في نظر أفراد أسرته ميناء آمنا لهم وفي محياه المبتسم الذي يحببه إليهم. والاستماع إليه يجعل من حوله يتخلصون من همومهم وغمهم الذي يشغل أذهانهم بلا داع.. وتنشرح صدورهم ويرتاحون إليه.
إن الأشخاص السلطويين يغضبون بسرعة.. ويرون قوتهم في شدة غضبهم.. وإن الباعث إلى سماع كلامهم ليس هو حنانهم أو عطفهم بل الخوف والذعر منهم.. فضلا عن أن العلاقة التي يؤسسها الأب الجبار مع أبنائه لا تكون علاقة آمنة بل تكون علاقة مقلقة.
ولهذا السبب فإن السمة الأكثر وضوحًا على أبناء الأباء السلطويين هي؛ أن الأمور التي تعتلج صدورهم مختلفة تمامًا عما يبدر منهم من أفعال وتصرفات، وكذلك الميل إلى الكذب. ذلك أن الكذب في مرحلة الطفولة ليس سوى محاولة حماية الطفل نفسه. وعلى الوالدين اللذين لديهما أولاد يكذبون أن يخجلوا من أنفسهم بدلا من خجلهم من أولادهم.
وبينما كنت أتحدث عن هذه الأمور، راح الأب الذي جاءني في شكوى ابنه يذرف الدمع من عينيه، ثم قال “لقد تحدثت عن أبي يا أستاذي”.
نعم! ما قاله كان صحيحًا.. لأن ابن الشخص الذي يكون والده سلطويًّا؛ عادة ما يكون ضعيفًا، فالشخص الذي نشأ على الضعف يصبح في كبره غير آبه بمن حوله.
إن دواء عدم الاهتمام هو؛ العطف والحنان.. العطف على الطير والنمل والأزهار والزوجة والأطفال.. واعلم أنه إذا لم تستيقظ الرحمة والعطف في قلب الشخص فلن تتولد الابتسامة على وجهه.












