تقرير: علي عبد الله التركي
أنقرة (الزمان التركية) شهدت السنوات العشر الأخيرة تذبذبًا واضحًا في العلاقات التركية الألمانية؛ إذ كانت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل من وضعت عائقًا أمام عضوية تركيا الكاملة في الاتحاد الأوروبي باقتراحها منحها “الشراكة المميزة” بدلاً من العضوية الكاملة، مع أن الحكومة التركية كانت تجري في ذلك الوقت إصلاحات في طريق انضمامها للاتحاد الأوروبي، لكن ميركل نفسها قدمت لتركيا طوق النجاة في أعقاب أزمة اللاجئين بالحفاظ على علاقاتها، رغم أن تركيا كانت معزولة في ذلك الوقت على المستوى العالمي بسبب انتهاكها لأبسط حقوق الإنسان.
وأجرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، على مدار حكمها للبلاد 12 عامًا، 9 زيارات لتركيا، 6 منها في العام ونصف الأخير فقط، من أجل التوصل إلى اتفاق مع تركيا بشأن ملف اللاجئين السوريين، وتجنب حدوث أي أزمات جديدة، وأخيرًا انتهى شهر العسل الألماني التركي بعد اعتقال السلطات الألمانية للأئمة الأتراك المقيمين على أراضيها بتهمة التجسس والتخابر، لترد عليها السلطات التركية باعتقال مراسل صحيفة دي فيلت “Die Welt” الألمانية دنيز يوجال.
لم تقف ألمانيا مكتوفة الأيدي أمام قرار اعتقال الصحفي دنيز يوجال، رغم الجهود الدبلوماسية التي بذلتها، إذ أقدمت على ردٍ قاسٍ من خلال إلغاء ومنع إقامة أي حملات انتخابية أو مؤتمرات أو اجتماعات للمسؤولين الأتراك مع الجالية التركية على أراضيها بشأن الاستفتاء الدستوري المرتقب، مما أدى إلى مزيد من التوتر في العلاقات بين البلدين.
من جانبها أعربت الحكومة الألمانية، في بيان رسمي أمس الاثنين، عن غضبها الشديد من تصريحات المسؤولين الأتراك، وعلى رأسهم الرئيس رجب طيب أردوغان والتي وصفوا فيها قرار ألمانيا بـ”الممارسات النازية”.
وأوضحت ميركل أنها تعارض قرار إلغاء الاجتماعات، وأكدت أن تشبيه هذه الخطوة بالنازية وصف في غير محله ولا يمكن الدفاع عنه بأي حال، كما أنه سيؤدي إلى عدم مبالاة النازيين بالجرائم التي يرتكبونها في حق الإنسانية.
وبعد إلغاء ألمانيا المؤتمر الذي كان من المقرر انعقاده بحضور وزير العدل التركي بكر بوزداغ ووزير الاقتصاد بهاد زيباكتشي، في اللحظات الأخيرة بحجة دواع أمنية، فضَّل زيباكتشي ترك الباب مفتوحًا بين البلدين في تصريحاتٍ له داخل الفندق في ولاية “كولن” الألمانية، بحضور ما يقرب من 350 شخصًا، إذ وصف ألمانيا المتهمة بممارسة أساليب النازية بـ”الدولة الصديقة” قائلًا: “لقد تسببت زيارتنا في إحداث ضغط بسيط، كنا نريد استخدام حقنا في لقاء ما يقرب من مليون ناخب، وأشكر الشعب الألماني على الجهود التي قدمها من أجل استخدامنا لهذا الحق”.
كان من المتوقع أن تبدأ التوترات في الهدوء، إلا أن ألمانيا ألغت مؤتمرًا لوزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي السابق تانير يلديز أيضًا، كان من المقرر أن يلقي يلديز كلمته الأولى في ولاية “هيسن” إلا أن الاتفاق الموقع مع القاعة ألغي في اللحظات الأخيرة، ثم تمكن في آخر لحظة في مدينة كلشتر باخ.
وأشار بعض رواد مواقع التواصل الاجتماعي من المعروفين بانتمائهم لحزب العدالة والتنمية إلى أن الخطأ يرجع لمنظمي تلك الفعاليات، موجهين انتقاداتٍ للحكومة الألمانية بممارستها الازدواجية من خلال عدم إلغائها فعاليات الحملات الداعية لرفض التعديلات الدستورية.
ومن المنتظر أن تصدر رسائل من شأنها تخفيف التوتر بين البلدين، خلال اللقاء المرتقب بين وزيري الخارجية خلال الأسبوع المقبل، إلا أنه لا يظهر في الأفق تقارب خلال الفترة المقبلة، بعدما انتشرت ادعاءات حول إلغاء لقاء آخر خاص بالاستفتاء كان من المقرر عقده في ولاية “هامبورغ” الألمانية” بحضور وزير الخارجية التركي “مولود جاويش أوغلو”.
مستقبل العلاقات
تحظى تركيا بحجم تبادل تجاري كبير مع ألمانيا يصل إلى 35 مليار دولار، بالإضافة إلى وجود نحو 1.4 مليون ناخب تركي في الولايات الألمانية المختلفة، بينما يرى الخبراء والمتخصصون ضرورة عدم جرّ العلاقات التاريخية بين البلدين في الصراعات السياسية اليومية.
وبعد إتباع كل من هولندا والنمسا ألمانيا وإصدار قرار بمنع إقامة أي فعاليات خاصة بالاستفتاء على أراضيهما، تتجه الأنظار إلى الرئيس أردوغان وأي دولة ستكون الهدف القادم لاتهاماته.
لا يظهر في الأفق أي دلالات على أن العلاقات بين أنقرة وبرلين من الممكن أن تشهد تحسنًا خلال الأيام المقبلة، ومن المتوقع أن تشهد الفترة المقبلة موقفًا قويًا من المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل تجاه تركيا خصوصًا مع اقتراب موعد الاستفتاء على التعديلات التي تزيد صلاحيات أردوغان الذي تزداد كراهيته يومًا بعد يوم داخل المجتمع الألماني.
يذكر أن المواطنين الأتراك المقيمين في الدول الأوروبية المختلفة يواجهون خطر التهميش والإقصاء نتيجة تصريحات غير مسئولة تصدر من أردوغان.
وأصبح هذا الموضوع مدارًا للسخرية بين بعض رواد الإعلام الاجتماعي، حيث لفتوا إلى أن أردوغان رغم أنه وجه انتقادات لألمانيا بسبب منعها مؤتمرات وزرائه، لكنه بعد هذه الانتقادات استقل سيارته الألمانية الصنع “مرسيدس” وغادر المكان ليواصل برنامجه!، كما قالوا إذا استمرت الخلافات السياسية بين البلدين، فهل سيتخلى أردوغان ووزرائه ونواب البرلمان عن السيارات الألمانية الفارهة ذات وسائل الحماية والتكنولوجيا المتقدمة مرسيدس S600؟















