لندن (الزمان التركية) – نشرت صحيفة الرأي اليوم الصادرة في لندن مقالا للدكتور حميد لشهب يحلل فيه الصراع بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وأوروبا ومحاولات أردوغان للادعاء بأن رفض الغرب لمشروعى الرئاسي الديكتاتوري ما هو إلا نوع من الكراهية للمسلمين والعداء للإسلام .. بينما اردوغان بتصرفاته يضع مسلمي المهجر في أوربا بتصرفاته أمام مدفع اليمين المتطرف فقط من أجل تضليل الداخل التركي بأن الغرب يحاربه لأنه يمثل الإسلام وأن هذا العداء هو عداء تاريخي لتركيا.. وفيما يلي نص المقال:
طبقا لدراسة مركز “فوروم بيو للدين والحياة العامة” Pew Forum on Religion&Public Life، وصل عدد المسلمين بأوروبا إلى ما يناهز 45 مليون نسمة. ويقدر عدد الأتراك بينهم بحوالي أربعة ملايين ونصف المليون، تقطن غالبيتهم ألمانيا والنمسا وهولندا وفرنسا وسويسرا.
وما يحدث حاليا من تقتيم صورة المسلم بالإتحاد الأوروبي على يد أردوغان وحملته “المسعورة” لكي يُصبح “الرئيس″ لا يمكن أن يؤطر إلا في خانة “كراهيته” للمسلمين جملة وتفصيلا، بل برهانا قاطعا على أن هذا الشخص يسبح في نرجسية خطيرة للغاية.
إذا تمعنا الأيام القليلة الماضية وإصابة أردوغان وحكومته الحالية “بجنون الإتحاد الأوروبي”، فإننا لا نفهم موضوعيا لماذا يهتم النظام الأردوغاني بصوت حوالي مليون ونصف المليون تركي في المهجر، ممن لهم الحق في التصويت، ويركز على ربحها لصالحه، في مقابل ما يناهز خمسين مليون تركي في عين المكان؟ أيتصور أي ناخب تركي، لا يهم أين يقطن، مجموع ما يُنفق على الرغبة في القيام بحملة دعائية لهذه الإنتخابات في صفوف الأتراك المهاجرين، أتعلق الأمر بطائرات تنقل وزرائه وحاشيتهم ومصاريف الإقامة وإيجار قاعات للخطابات الدعائية إلخ؟ والنتيجة هي أن كل “وزراء” أردوغان ومساعديه الأوفياء يجدون في كل بلدان الإتحاد الأوروبي أبوابا مغلقة، بل يُعتبرون أشخاص غير مرغوب فيهم. ومع ذلك “يستميت” النظام “الأردوغان” ويكرر المحاولات لكي “يغزو” أوروبا المتحدة، التي ترفض رفضا قاطعا أن تصبح بوقا له، وبانية لديكتاتورية واضحة المعالم.
وكان آخر تصادم لخدام اردوغان مع الإتحاد الأوروبي في هولندا بداية هذا الأسبوع. فبعدما رفضت السلطات الهولندية هبوط طائرة وزير خارجيته بمطار روتردام، تسللت وزيرة له إلى هولندا، آتية من ألمانيا، لكن السلطات الهولندية أرجعتها من حيث أتت.
الواقع أن هذه المحاولات تخفي بين ثناياها وجها آخر من وجوه أردوغان “المأساوية”. فكل إنسان متوازن لن يطالب الآخرين بفتح أبواب منازلهم له لـ “يتغيط” على راحته في بهو المنزل، بل كل من له كرامة يغادر بعد أول إغلاق لباب في وجهه. يكسب أردوغان من كل هذا “رأسمال سياسي”، يعتقد بأنه سيخدم سياسته ورغبته الملحة لتأسيس “ديكتاتوريته المريحة”، ولهذا الرأسمال مفعول المنوم المغناطيسي على أتباعه، ممن ابتلعوا جرعة كافية من الشعور الجماعي بالإضطهاد، الذي يوحي لهم به أردوغان في كل مرة، ويذكرهم بـ “أمجادهم” وصراعهم مع أوروبا، عازفا في نفس الوقت على أوتار دينية، ليُشعل فيهم فتيل “الجهاد” لصالحه.
ما يُلاحظ هو أن أردوغان عدواني في كلامه. يصبح بمثابة مدفع خطابي ويتفوه بأشياء لا تقبل أية اعتذارات، تماما كما يفعل المراهق عندما تنتابه نوبة من الغضب. ويسمي الأتراك حالات من هذا القبيل “ديليكانلي” (الدم الطائش أو الفائر). وهو اللقب الذي يلقبه به معارضوه، عندما يفقد السيطرة على سلوكه الكلامي. لا يعرف المرء بالضبط لأي سبب يزبد ويرغد ويفقد السيطرة على نفسه، بالضرب بكل الأعراف الدبلوماسية المعمول بها عالميا عرض الحائط. يبقى “قاسم باشالي”، كما يقول “خدمه” عندما يبحثون له عن أعذار لسلوكه. فـ “قاسم باشا” هو حي قديم في القرن الذهبي في ميناء إسطنبول، حيث وُلد أردوغان. في هذا الحي تعلم أن يكون أردوغان الذي لا يجب على المرء إغضابه. في هذا الحي الشعبي ترعرع أردوغان وخُتم سلوكه وتعلم فرض نفسه بالقوة الجسدية أو العنف اللفظي.
إذا ربطنا كل ما سبق ذكره بما يحدث حاليا لحملته الإنتخابية، فلا نستبعد إطلاقا بأن أردوغان في نرجسيته القوية قد يرتكب أكبر حماقة قد تخطر على البال. فشعوره بأن الكل قد تخلى عنه بالفعل: أمريكا، حلف شمال الأطلسي، الإتحاد الأوروبي، بل العالم قاطبة، سيقوده إلى اعتبار الكل خونة وسيحاول أن يبرهن للعالم على أنه يستطيع تحقيق أهدافه بالإعتماد على نفسه والرجوع إلى أحسن طريقة يتقنها للوصول لها: فبركة أحداث يستفيد منها. ويبقى الخاسر الكبير هو المسلم المقيم في أوروبا، لأن أردوغان أوهم الكل بأنه يمثل المسلمين.
بدأت قرارات دول الإتحاد الأروبي منع التجمعات الإنتخابية التركية بطريقة منفردة، لكنها أصبحت مع مرور الأيام شبه عامة: ألمانيا، النمسا، هولندا، وحتى سويسرا على الرغم من أنها ليست عضوا في الإتحاد. وقد ينتهي هذا الأمر إلى مناقشة مقترح رئيس الحكومة النمساوي كريستيان كرين، الذي دعا إلى “جواب مشترك للإتحاد الأوروبي” تجاه أردوغان.
الحال أننا تجنبنا إزاحة الإزار على مكون آخر للموضوع، يتمثل في كون أردوغان باستعطافه لصوت الناخب التركي المستقر في المهجر ورغبته العمياء في هذا الصوت، يستشعر كذلك الخطر المحدق به، ألا وهو تأكيد مختلف استطلاعات الرأي في تركيا، بأن نتيجة الإقتراع قد لا تكون في صالحه، لأن الناخب التركي منقسم على نفسه حاليا: نصف مقابل النصف الآخر. وفي هذا الجو الإنتخابي المشحون، يكون أي صوت إضافي لأردوغان “رحمة” له. يسيئ أردوغان إذن، بسابق نية وترصد، للمسلم الأوروبي إرضاء لنزوة ذاتية، ويبيع هذه الإساءة لأتباعه كـ “نصر” ضد الكفار، وينسى في حساباته أنه يضرب مصالح المهاجر التركي نفسه في الصميم وتركيا عامة، موهما بأن “العالم” “يكره” تركيا والإسلام والمسلمين بكرهه له. فبعدما نجح في تمزيق تركيا من الداخل، ها هو يعمل جاهدا على تمزيق صورة الأوروبي المسلم، في عز سلسة من الإنتخابات القادمة في عدد من الدول الأوروبية في سنة 2017. فقد وضع أردوغان “المجمر” بإتقان و”زند” الفحم، وما على الأحزاب العنصرية الأوروبية إلا طهي سياساتها العَدَائية ضد الأجانب عامة والمسلمين خاصة. وهذا أكبر خدمة يمكن لنظام متطرف مسلم أن يقدمها لزملائه المتطرفين الأوروبيين.
ملحوظة: هذا المقال وكل ماورد فيه يعبر عن رأي الكاتب الشخصي ولا يعبر عن سياسة جريدة الزمان التركية .















