تقرير: محمد عبيد الله
إسطنبول (الزمان التركية) – تضمنت مذكرة الاتهام الخاصة بمحاولة الانقلاب التي أعدتها النيابة العامة في مدينة إسطنبول بعد إجراء التحقيقات اللازمة اعترافات مثيرة تبرئ ساحة فتح الله غولن وحركة الخدمة من جريمة انقلاب 15 يوليو/ تموز 2016.
فقد أنهت النيابة العامة مذكرة ادعائها حول 17 شخصًا، بينهم صحفيون ومدعون عامون متهمون بالتورط في محاولة انقلاب 15 يوليو/ تموز 2016، وعلى رأسهم الكتاب المشهورون أحمد ألتان ومحمد ألتان وناظلي إليجاك.
وشملت مذكرة الادعاء بيانات صدرت من القوات المسلحة التركية أيضًا، مشيرة إلى أن بعض العسكريين المذكورين في تحقيقات النيابة لم يشاركوا في الانقلاب بشكلٍ فعّال ومباشر.
ونقلت مذكرة الادعاء تصريحات أحد الأشخاص “المعترفين” ويُدعى “حسن بولاط”، حيث زعم أنه كان مسؤولًا بحركة الخدمة عن مجموعة عسكرية في الجيش في الفترة بين عامي 1993-1994.
وقامت النيابة العامة بعمل بحث وتحرٍّ واستقصاء حول 47 اسمًا كشف عنها حسن بولاط هذا مع صورهم الفوتوغرافية، موضحة أن جميع الأسماء في رتبة “عقيد”، وأشارت إلى أن أغلبهم كانوا مرشحين للحصول على دورات “أركان حرب” للترقية إلى رتبة فريق أول.
وأجرت النيابة العامة بحثًا حول دور كل منهم في محاولة الانقلاب، اكتشفت خلاله أن اثنين فقط من 47 عقيدًا شاركوا في الانقلاب بشكلٍ فعال أو مباشر، وذلك في إطار انقيادهما للأوامر الصادرة من القيادة التي يتبعان لها.
كما فحصت النيابة العامة قائمة التعيينات التي أعدها مجلس الصلح الوطني العسكري المنفذ لمحاولة الانقلاب، مؤكدةً أن أيًّا من أسماء العقداء الـ47 لم يرد في تلك القائمة، ولم يحصلوا على أي وظيفة أو منصب بعد نجاح محتمل للانقلاب.
رغم هذه الحقائق التي وردت في مذكرة ادعاء النيابة العامة، إلا أنه يبدو أن السلطة الحاكمة في تركيا وكذلك أجهزة القضاء التابعة لها ستسمر في اتهام حركة الخدمة بالوقوف وراء المحاولة الانقلابية، وذلك لأن الرئيس أردوغان قال مؤخرًا بشكل صريح لا يدع مجالاً للشك والتأويل: “من الذي اعتقل الآلاف من العسكريين والشرطيين والموظفين وأودعهم السجن؟ نحن من اعتقلناهم باعتبارنا السلطة التنفيذية، ومن ثم أعلن القضاء حكمه في الموضوع”، التصريح الذي دل على أن القضاء بات مسيسًا لا يمكن الوثوق في قراراته.
اعتراف خطير حول تطبيق بايلوك للمحادثة
من جانبها أرسلت رئاسة أركان الجيش التركي قائمة مدونا بها أسماء ما يقرب من 800 عسكري، يزعم استخدامهم تطبيق بايلوك (Bylock) للمحادثة الذي تدعي حكومة حزب العدالة والتنمية أنه كان الوسيلة السرية لتواصل الانقلابيين فيما بينهم قبل وأثناء الانقلاب، وتعتقل استنادًا إلى ذلك عشرات الآلاف من المدنيين ولو لم تكن لهم مشاركة فعلية في الانقلاب. إلا أن تحقيقات النيابة العامة كشفت أن أكثر من 500 من هذه الأسماء العسكرية رغم أنهم كانوا ضمن مستخدمي هذا التطبيق إلا أنهم لم يشاركوا إطلاقًا في محاولة الانقلاب. وبناءً على ذلك يتضح أن ما يقرب من ثلثي العسكريين المتهمين باستخدام تطبيق بايلوك لم يشاركوا في محاولة الانقلاب.
لكن النيابة العامة قدمت تعليقًا مثيرًا للغاية على النتائج التي أسفرت عن تحقيقاتها، إذ قالت إن العسكريين التابعين لحركة الخدمة لم يشاركوا كلهم في محاولة الانقلاب، وإنما أخفوا أنفسهم من أجل الاستعداد لمحاولة انقلاب ثانية!
ومع أن الرئيس رجب طيب أردوغان زعم أن تطبيق بايلوك كان “الوسيلة السرية لتواصل الانقلابيين”، و”لا يستخدمه إلا المنتمون إلى حركة الخدمة”، و”لا يمكن تحميله إلا من خلال واصلة أو بولوتوث”، وكل عمليات الاعتقال والفصل تجري بتهمة استخدام هذا التطبيق وإن لم تكن مشاركة فعلية في محاولة الانقلاب، إلا أن صحيفة “حريت” التركية نشرت في شهر أكتوبر / تشرين الأول الماضي حوارا في افتتاحيتها أجرته مع ديفيد كينز؛ صاحب برنامج وتطبيق بايلوك، حيث أكد أن التطبيق توقف تداوله وطرحه في كل من Google Play وAppstore منذ شهر يناير / كانون الثاني من عام 2016، أي قبل ستة أشهر من وقوع الانقلاب الفاشل، وأن التطبيق نزله حوالي 600 ألف شخص، وهو مفتوح للجميع، وليس مقتصرا على المنتمين إلى حركة الخدمة، كما زعم أردوغان.
كما أن زعيم المعارضة كمال كليتشدار أوغلو أعلن أنه تلقى رسالة من صاحب تطبيق بايلوك ديفيد كينز يكشف فيها أن حوالي 180 نائبًا برلمانيًّا من صفوف حزب العدالة والتنمية الحاكم يستخدمون هذا التطبيق أيضًا.
وترى المعارضة أن هذه الحقائق تكشف أن السلطات تعتقل عشرات الآلاف من المدنيين لمجرد استخدامهم تطبيق بايلوك، لكنها تغضّ طرفها عن أزيد من 500 شخص من العسكريين، وحوالي 180 نائبًا برلمانيًّا من صفوف حزب العدالة والتنمية، ما يجعل عمليات الاعتقال بتهمة استخدام هذا التطبيق غير قانونية.
جدير بالذكر أن تحقيقات النيابة العامة جاءت متوافقة مع ما توصلت إليه التقارير الدولية التي أعدتها كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا حول محاولة الانقلاب، إلى جانب حلف شمال الأطلسي الناتو ومركز المخابرات في الاتحاد الأوروبي، حيث شددت على أنه لم تكن لحركة الخدمة مشاركة منظمة، مشيرة إلى إمكانية حصول مشاركة على المستوى الفردي فقط.
اعتراف: جنرالات الانقلاب ليسوا من الخدمة بل كماليّون
كما أن عديدًا من الكتاب الصحفيين المقربين للرئيس أردوغان، وعلى رأسهم “راسم أوزان كوتاهيالي” و”جيم كوتشوك” المعروفان بعلاقاتهما الوطيدة مع أجهزة المخابرات التركية، اعترفوا بأن حركة الخدمة اختيرت “كبش فداء” لإلقاء جريمة الانقلاب عليها وإجراء التصفية اللازمة في مؤسسات الدولة بدعوى تطهيرها من المنتسبين إلى هذه الحركة. فقد قال الكاتب الصحفي راسم أوزان كوتاهيالي بمقاله المنشور في 27 شباط / فبراير المنصرم بجريدة “صباح” المقربة من أردوغان: “مع أن منظمة فتح الله غولن الإرهابية هي من تقف وراء محاولة الانقلاب الفاشلة، – على حد زعمه – إلا أنها لم تكن وحيدة، بل إنها كانت خيانة جماعية شارك فيها كل الانقلابيين القدماء في المؤسسة العسكرية أيضًا. لكن الحكومة نفذت سياسة مقصودة، وهي واعية بالحقيقة، تمثلت في التركيز على منظمة غولن على وجه الخصوص، والتستر على المجموعات الأخرى المشاركة في ارتكاب هذه الخيانة الوطنية، وذلك من أجل تأمين اللحمة الوطنية والوحدة المجتمعية ضد الانقلابيين”.
كما اعترف كل من كوتاهيالي في مقال لاحق له، وجيم كوتشوك في برنامج على قناة “خبر ترك” أن معظم الجنرالات الذين شاركوا في محاولة الانقلاب لا ينتمون إلى حركة الخدمة وإنما هم من التيار الكمالي الأتاتوركي، إلا أن الحكومة نفذت حركة التصفية بتهمة الانتماء إلى الحركة عمدًا. إذ ادعى كوتاهيالي أن هذه السياسة كانت نابعة من نوايا حسنة وتعتمد على العقل السليم والسياسة الحكيمة، على حد وصفه، مبررًا ذلك بأنه لو تم التركيز والتأكيد على العناصر الكمالية الإيدولوجية الأخرى المشاركة في محاولة الانقلاب لأحدث ذلك شرخًا كبيرًا وانقسامًا جديدًا في صفوف المجتمع، على حد تعبيره.
تكشف تحقيقات النيابة العامة واعترافات الكتاب الصحفيين الموالين للحكومة ضرورة تلبية الدعوة التي وجهها فتح الله غولن إلى الرئيس أردوغان والمجتمع الدولي لتشكيل لجنة دولية محايدة من أجل الكشف عن حقيقة الجرائم المسندة إلى حركة الخدمة وممارسات السلطة الحاكمة في تركيا بحجة مكافحة هذه الحركة، نظرًا لأن كل أجهزة القضاء باتت مسيسة بعد حركة التصفية الشاملة التي جرت عقب كل من تحقيقات الفساد والرشوة في عام 2013 ومحاولة الانقلاب في عام 2016. ومع أن أردوغان رفض دعوة غولن هذه، إلا أنه من الممكن القول إن التقارير الدولية المذكورة أعلاه قد أدت الدور الذي كان من المنتظر أن تؤديه تلك اللجنة الدولية في الكشف عن حقيقة الانقلاب.

















