بقلم: فهمي كورو
تمخض الاستفتاء الشعبي في تركيا عن توقّعٍ مختلف كنتيجة ثانوية لنتائجه، وهو: تشكيل حزب جديد. فهناك من ينتظرون، وبعضهم يذكرون أسماء صريحة، ميلاد حزب جديد من رحم حزب العدالة والتنمية الحاكم، مثلما تولّد الحزب الديمقراطي من أحضان حزب الشعب الجمهوري المعارض، وحزب العدالة والتنمية من أحضان حزب الفضيلة المشكّل بعد حلّ حزب الرفاه الذي قاده الراحل نجم الدين أربكان.
هناك قوائم تتداول بين بعض الأقلام المعروفة بقربها لحزب العدالة والتنمية، وتضمّ كثيرًا من تلك الأسماء المتهمة بعدم دعم حملة “نعم” علانية في الاستفتاء، والمثارة حولها شكوك بشأن استعدادها لتأسيس حزب جديد مع المنشقين المحتملين من جسم حزبهم.
حزب العدالة والتنمية غير قابل للولادة
وضع البلد.. وعدم قدرة العدالة والتنمية على خلق أجواء حماسية كسابق عهده.. والفارق البسيط في نتائج الاستفتاء.. كل هذه الأمور تعطي انطباعًا بأن الأجواء ملائمة لتطور كهذا. أما أنا فأعتقد، انطلاقًا من وضع كل من البلاد والعدالة والتنمية ونتيجة الاستفتاء، أن الوقت الحالي ليس مناسبًا لأجل هذا. وإن أمعنتم النظر، فإنني قيّدت رأيي بـ”في الوقت الحالي”.
نظام الإعلام الراهن.. ووجود اللجان الإلكترونية التابعة للعدالة والتنمية.. وحالة الطوارئ المستمرة في البلاد.. جميعها مصادر إزعاج، لكن الأهم هو الأهمية الاستثنائية الممنوحة لمفهوم “الولاء للدعوة” و”رفاقة الدرب” بين صفوف العدالة والتنمية.
هناك عامل آخر وهو: صعوبة التخلي عن حزبٍ يحصل على دعم نصف الشعب، رغم كل شيء. فالأسماء التي يزعم أنها في صدد بحث عن حزب جديد هي جزء من تاريخ العدالة والتنمية، وشخصيات وهبت جزءًا كبيرًا من حياتها له، لذا فإن معارضتها للحزب لا يراها أحد من تلك الأسماء أمرًا حكيمًا وسياسة محنّكة. حتى وإن لم تعجب بالخيارات السياسية التي يطرحها حزبهم، ورغم تشكّكها في الطرق التي يسلكها، وشعورها بخيبة أمل لاستبداله رفقاء الدرب بالطواقم الجديدة المنضمة إلى الحزب بعد أن استوى على سوقه، فإن الانفصال عن حزب العدالة والتنمية أمر صعب بالنسبة لهم.
هذه ليست الآراء التي أبلغني إياها تلك الأسماء، بل النتائج التي استخلصتها أثناء مشاهدتي لهم، فتلك الشخصيات لا تتحدث عن هذه الأمور بقدر من يكتبون سيناريوهات بحقهم، لا فيما بينهم ولا مع الآخرين. ومن هذا المنطلق يجب عدم توقع الكثير من ذلك الطاقم.
لكن التوقع بحزب جديد لا يأتي من فراغ
لكن التوقع بظهور حزب جديد لا يأتي من فراغ، وإنما هو واقع تبرزه ظروف اليوم. ذلك لأن كل التوقعات من الممكن أن تحمل في طياتها تشكيلاً، ومن ثم يأتي يوم يتحول فيه هذا التشكيل إلى واقع ملموس يسد هذه الحاجة.
الفريق المؤسس للجمهورية التركية كان يتألف من شخصيات من داخل حزب الشعب الجمهوري، فَتَمَّ أولا تأسيس الحزب، ومن ثم أعلنت الجمهورية. ولكي يتولّد حزب “مختلف” من رحمه (الحزب الديمقراطي) وجب الانتظار حتى تنتهي الحرب العالمية الثانية وتظهر ضرورة بقاء تركيا داخل المعسكر الغربي.
عصمت إينونو كان سياسيًّا حكيمًا، حيث اختار أن يتم الميلاد على يد فريق من داخل حزب الشعب الجمهوري.
(وقد ظننتُ عقب انتخابات السابع من يونيو/ حزيران عام 2015 أن أردوغان سيلجأ إلى الطريقة ذاتها، وأن اضطرابات حزب العدالة والتنمية ستشجع على إنشاء حزب جديد، وسيحصل هذان الحزبان اللذان سيخوضان الانتخابات منفصلين على نسبة أصوات غير مسبوقة، ومن ثم سيؤسسان حكومة ائتلافية قوية فيما بينهما. لكن ذلك لم يحدث بالتأكيد)
ميلاد حزب العدالة والتنمية الحاكم حاليا هو نتاج لمرحلة تحوّل أخرى أيضًا، فبعد ظهور عدم إمكانية استمرار “نظام الوصاية” الذي حاول مجموعة من العسكر تطبيقه من خلال “الانقلاب الناعم” في الثامن والعشرين من فبراير/ شباط لعام 1997 من جانب.. وعدم سماح القوى النافذة لحزب الفضيلة بقيادة أربكان بالبقاء في السلطة من جانب آخر.. وتجنّب الشعب من الصورة التي يرسمها فريق الفضيلة، والتي تجعلهم “خارج النظام” مع إيمانه وثقته بقدرته على إدارة البلاد من جانب ثالث.. كل هذه العناصر أدت إلى تشكيل حزب أردوغان العدالة والتنمية.
فماذا نستخلص من كل هذا؟ ننتهي من هذا التحليل إلى أن الحزب الجديد يأتي عقب وتيرة تحوّل.. وهو أثر لفريق مختلف عن الذي يحرك هذا التحوّل.. يتشكّل الحزب الجديد عبر الأشخاص الذين هبّوا لتوسيع الطريق الذي شقّه ذلك الطاقم السابق.
من الممكن انطلاقًا من هذا التحليل أن نتأكد ممّا إذا كانت هناك حاجة إلى حزب جديد أم لا. يمكنني التعبير عن الرأي الذي توصلت إليه، فهو أن جوابي لهذا السؤال هو نعم.. أجل، توجد اليوم حاجة إلى تشكيل حزب سياسي جديد.
عندما يحين الوقت
توجد حاجة إلى حزب جديد سيوسع الطريق الذي فتحه العدالة والتنمية في كل المجالات على مدار حكمه، لكن يواجه اليوم صعوبة في سلوك هذا النهج بسبب خياراته وتوجهاته الجديدة.. حزب جديد سيقيم السلام الداخلي في ربوع البلاد.. وسيقلب مناخ الحرب في الخارج الذي بدأ يهدد تركيا أيضًا رأسًا على عقب.. وسيجنّب تركيا الصدام مع الغرب من جهة، وسيقيم علاقات وطيدة مع الشرق من جهة أخرى.. وسيحقق الغاية السامية التي تتمثل في أن تكون تركيا نموذجًا مثاليًا للعالم الإسلامي.. تركيا بحاجة ماسة إلى مثل هذا الحزب!
والحال أن هذه المبادئ ليست غريبة على العدالة والتنمية، بل إنها كانت اللافتة التي سبق أن عرّف بها نفسه وحصل على دعم كل فئات الشعب، ومن ثم أثبت وأقنع الآخرين بإمكانية تحقيقه لفترة طويلة.
بإمكان العدالة والتنمية أن يسد الفراغ الذي أحدثه بيده، من خلال تبني هذه المبادئ المذكورة من جديد، وبالتالي أن يزيل الحاجة لحزب جديد، لكن هذا الاحتمال يبدو صعبًا بقدر صعوبة ميلاد حزب جديد من رحمه.. أمر صعب ولكن ليس مستحيلاً.
فما الذي سيحدث إذن؟ وماذا يمكن أن يحدث؟
أقول بصراحة وأعترف بأنني لا أعرف! حسنًا فهل هناك من يعرف؟!

















