15 أكتوبر 2019

من فضلك اختار القائمة العلويه من القوائم داخل لوحة التحكم

رواية أردوغان عن الانقلاب لم تعد إلا جنازة تنتظر الدفن!

رواية أردوغان عن الانقلاب لم تعد إلا جنازة تنتظر الدفن!
gazeteciler

بقلم: محمد عبيد الله
برلين (زمان التركية) – تتكشف يوما بعد يوم معلومات ووثائق جديدة تثبت أن انقلاب تركيا الدموي في 15 يوليو / تموز 2016 كان مؤامرة ومكيدة كبيرى دبرها الجالس على قمة هرم السلطة السياسية، لكن للأسف الشديد لم يبق في تركيا أي جهاز دولة مسؤول يمكنه التحقيق في هذه المعلومات والوثائق والقيام بالواجب، كما لم يبق أي وسيلة إعلامية بمقدورها طرح أسئلة صعبة على المسؤولين من شأنها تسليط الأضواء على الحقائق.

هدية سماوية

في الواقع أن مبادرة نظام أردوغان إلى إطلاق سراح القس الأمريكي أندرو برانسون قبل نحو شهر عندما حمي الوطيس، بعد أن زعم على مدى شهور أنه “العقل المدبر” للانقلاب الفاشل، لهي حادثة تكفي بمفردها لإسقاط الرواية الرسمية لهذا الانقلاب الغاشم. غير أن الرأي العام قبل أن يستوعب ما حدث ويناقشَ تناقضات أردوغان في قضية القس استيقظ على وقع مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده بمدينة إسطنبول. ولا شك في أن هذه الحادثة كانت بمثابة “هدية سماوية” بالنسبة لأردوغان استثمرها حتى النخاع في فرض أجندات مصطنعة على تركيا للتستر -ولو إلى حين- على أجنداتها ومشاكلها الحقيقية.

استهداف حركة الخدمة

وسط هذا الضجيج والصخب الإعلامي حول خاشقجي، ذهب اعترافان خطيران للغاية أدراج الرياح -للأسف الشديد- أدلى بهما شخصيتان معروفتان في الأسبوع المنصرم لا يدعان مجالاً لأدنى شك في أن أحداث انقلاب 15 تموز كانت عملية مدبرة مسبقًا تستهدف حركة الخدمة بصفة خاصة وتركيا وديمقراطيتها ولو كانت هشة بصفة عامة. ظهور مثل هذه المعلومات والوثائق الفاضحة يحدث عادة زلزلة سياسية تسقط الحكومات وتطيح بالوزراء ورئيس الوزراء حتى في البلدان التي تطبق فيها الحدود الدنيا للديمقراطية، لكنها لا تحرك ساكنًا في الأنظمة التي يحكمها الرجل الأوحد على شاكلة تركيا!

أزعم أن من ينظر بعين موضوعية محايدة يلاحظ أن جميع أجهزة الدولة المسؤولة عن حماية الديمقراطية في تركيا أزيل تأثيرها، وكل الآليات التي تقوم بمهمة الرقابة على الحكومة وإجراءاتها باسم الرأي العام أخضعت لـ”السراي”، والمعارضة اقتلعت أظافرها، فتحولت إلى عنصر احتياطي للحكومة يقوم بشرعنتها بشكل أو بآخر، وكل شيء صغيرًا كان أو كبيرًا أصبح رهن أوامرَ تصدر من شفتي شخص واحد محكوم عليه بالفناء والزوال، وذلك في غضون عملية تحول كبيرة من الإيجابية إلى السلبية تمر بها البلاد منذ عام 2011 أو 2013.

تصريحان مثيران

نور الدين فيرن؛ الكاتب الصحافي الذي طرد مؤخرًا من صحيفة (يني عقد) الموالية للحكومة بسبب مقال انتقد فيه نائب وزير المالية والخزانة نور الدين نباتي، والذي عرف بعدائه الصارخ لحركة الخدمة، وعبد الرحيم كارسلي؛ أستاذ القانون ورئيس حزب المركز المنتمي إلى التيار الإسلامي والمعروف بعلاقاته الوطيدة مع دوائر السلطة الحالية في وقت سابق، كشفا الأسبوع الماضي عن معلومات ووثائق صادمة حول الانقلاب الفاشل. فالكاتب نور الدين فيرن أدلى بتصريحات مثيرة في عريضة الشكوى التي تقدم بها إلى النيابة العامة وضعت أردوغان في موقف حرج. إذ أكد أن أردوغان استدعاه من سجنه في عام 2015 واستضافه في قصره بحضور وزير العدل السابق والمستشار الرئاسي الحالي بكر بوزداغ، وقدم لهما ملفًا يتألف من ستّ صفحات يثبت بالأدلة والوثائق أن هناك استعدادات لانقلاب عسكري داخل الجيش، ومن ثم يعقّب بقوله: “لقد أكد كل من السيد رئيس الجمهورية ووزير العدل أنهما سيهتمّون بالقضايا المطروحة في الملف وسيقومان بما يلزم. وكل من المستشار الخاص الرئاسي حسن دوغان والمحامية كزبان حاتمي من شهود هذا اللقاء”. ثم يستأنف قائلاً: “إلا أن وقوع انقلاب 15 يوليو/ تموز 2016 الخائن بعد مرور عام كامل على هذا اللقاء يدل بصورة واضحة على أن أيًّا من أجهزة الدولة لم تهتم بهذه التحذيرات ولم تتخذ تدابير وقائية كفيلة بمنع هذه المحاولة!”.

ومع أن الكاتب فيرن الذي يعتبر من فريق أرجنكون، -الدولة العميقة-، في تحالف حزب العدالة والتنمية-أرجنكون الذي يحكم تركيا معًا منذ عام 2013 يزعم أن ما سماه “منظمة فتح الله كولن…” مَنْ كانت تقف وراء الاستعدادات لانقلاب عسكري، إلا أن هذا تضليل منه واضح بين. ذلك أن عبارة “منظمة فتح الله كولن…” لم تكن طرحت بعدُ في السوق في ذلك الوقت، بل كانت عبارة “الكيان الموازي” هي الرائجة والمستخدمة في أوساط الحكومة والرأي العام. بل لم يكن أردوغان تمكن حينها من استصدار أي موافقة من مؤسسات الدولة حتى على إجرامية أو إرهابية ما سماه “الكيان الموازي”، دع عنك التصريح بحركة الخدمة أو منظمة فتح الله كولن. إذ إن جهوده بل ضغوطه على مجلس الأمن القومي ليصدر قرارًا في هذا الصدد كانت باءت بفشل ذريع. فعلى الرغم من أنه أعلن اعتزامه إدراج “الكيان الموازي” ضمن “العناصر المهددة للأمن القومي التركي” في اجتماع عقده مجلس الأمن القومي قبل يوم واحد من بداية عام 2015 (31 ديسمبر/ أيلول 2014)، إلا أنه لم ينجح في ذلك، حيث نشر البيان الختامي لهذا الاجتماع خاليًا من أي إشارة إلى “الكيان الموازي” الذي كان يطلق خصيصًا على حركة الخدمة، بل ورد بدلا من ذلك عبارة “كيانات غير شرعية تحت غطاء شرعي”، كما اعترف بذلك الكاتب الصحفي المعروف بعلاقاته الوطيدة بجهاز المخابرات عبد القادر سلفي. وهذه العبارة كانت تشير حينها عامة إلى اتحاد المجتمعات الكردستاني (KCK)؛ الهيئة الإدارية العليا لحزب العمال الكردستاني، الذي عمل على تشكيل كيانات موازية للدولة في المدن الشرقية والجنوبية الشرقية من خلال تأسيس محاكم خاصة به وإجراء محاكمات بعيدًا عن المحاكم الرسمية.

انقر لمزيد من التفصيل حول هذا الموضوع

فضلاً عن ذلك، فإن رئيس الأركان العامة في تلك الفترة نجدت أوزيل كان رفض رغبة أردوغان في إطلاق عملية في صفوف العسكر لتصفية الجيش مما وصفه بأعضاء الكيان الموازي على غرار ما جرى في جهازي الأمن والقضاء بعد تحقيقات الفساد والرشوة في 2013 بقوله: “القوات المسلحة لا تتحرك إلا بناءً على الأدلة والوثائق. لقد طالبنا كلاًّ من الأمن والاستخبارات بتزويدنا بمعلومات في هذا الموضوع، غير أنه لم تصلْنَا أية معلومات عنهما، فلا يمكننا إطلاق عمليات بناءً على بلاغات غير موقعة. نحن نقوم بما يلزم في إطار القوانين.”

ننتهي من ذلك إلى أن الأمر المؤكد في تصريحات الكاتب فيرن هو أن أردوغان كان على علم مسبق بمحاولة الانقلاب قبل سنة كاملة على أقل تقدير، وأنه لم يحرك ساكنًا للحيلولة دون هذه المحاولة الغاشمة لكي يوظف نتائجها، نظرًا لأنه لم ينبس ببنت شفة حتى اللحظة لنفي صحة هذه المعلومات.

والتصريحات التي أدلى بها الأسبوع الماضي أيضًا رئيس حزب المركز عبد الرحيم كارسلي هي الأخرى أخذت مكانها ضمن الأدلة والوثائق التي تبرهن على أن محاولة الانقلاب كانت مؤامرة ضد حركة الخدمة وتركيا عامة. فقد قال عبر تغريدة على حسابه في تويتر إنه حصل على نسخة من عريضة شكوى تقدم بها أحد المشتكين إلى النيابة العامة في إسطنبول، مع إعطاء رقم ملف عريضة الشكوى وهو (2018/174149). ويؤكد كارسلي أن المشتكي يتحدث بالأدلة والوثائق عن أن أركان الحكومة كانوا على علم مسبق بالإجراءات المتخذة في الجيش قبل محاولة الانقلاب، لكنهم لم يحركوا ساكنًا لمنع حدوثها. ثم يضيف كارسلي قائلاً: “مع أن المسؤولين قالوا بأنهم سيقومون بما يلزم، لكن تبين أنهم انتظروا متفرجي الأيدي أن تحل بنا كارثة الانقلاب! ولماذا انتظروا ولم يتخذوا التدابير؟ جواب هذا السؤال وأمثاله في هذا الملف. ما آمله وأرجوه من الله تعالى هو أن تتجلى كل الحقائق في أقرب وقت ممكن”.

انقلاب مدبر

إذا تدبرنا هاتين المعلومتين أو الاعترافين في ضوء الاعترافات والمعلومات والوثائق الأخرى التي ظهرت حتى اليوم فمن السهولة بمكان أن نستوعب مضمون عبارة “الانقلاب المدبر” التي طرحتها المعارضة في تفسير ما حدث في 15 تموز 2016. فأردوغان الذي فرغ من غلق ملفات الفساد والرشوة عام 2013 وإخضاع الأمن والقضاء لحكومته بسفسطة “الكيان الموازي” كان يخطط للشروع في تطبيق النهج ذاته في المؤسسة العسكرية التي قالت لأردوغان: “لن أسمح بإطلاق عمليات الكيان الموازي في صفوف الجيش”، و”لن نتدخل عسكريا في سوريا ما لم يكن قرار من الأمم المتحدة” (رئيس الأركان السابق وزير الدفاع الحالي خلوصي أكار) و”إذا تم تجاوز خطوطنا الحمراء في مفاوضات السلام الكردي مع حزب العمال الكردستاني فإننا لن نتردد في القيام بما يجب” (رئيس الأركان الأسبق نجدت أوزيل). بل إنه كان يبحث عن ذريعة لإعادة ترتيب الجيش من ألفه إلى يائه تمهيدًا لتأسيس جيشه الشخصي من العناصر الراديكالية الإسلامية التي جمعها من كل أنحاء العالم في سوريا على غرار الحرس الثوري الإيراني. تنفيذا لهذه الرغبة يوظف أردوغان العسكريين المرتبطين به أو بحليفه أرجنكون، فيقومون بالتآمر على الجنرالات والضباط الذين يغلب عليهم النزعة الانقلابية التقلدية ويدبرون انقلابًا أو عصيانًا محدودًا مسيطرًا عليه. يحمل أردوغان مباشرة المسؤولية الكيان الموازي، ويصف المحاولة بـ”هدية كبيرة من الله” في تصريحات أدلى بها ليلة الانقلاب ذاته، ويطلق في صبيحة الليلة نفسها عملية اعتقال وفصل جماعية طالت عشرات الآلاف بتهمة العضوية في تنظيم إرهابي خرج إلى الوجود بين ليلة وضحاها تحت مسمى “منظمة فتح الله كولن…” وفق قوائم أسماء معدة مسبقًا، وارتفعت هذه الأرقام في قابل الأيام إلى مئات الآلاف. ونتيجة هذه العمليات تودع الديمقراطية الهشة تركيا ويحل محلها نظام الرجل الواحد.

لماذا كان عدد المدنيين المفصولين أكبر؟

الأمر المثير للغرابة والدهشة أن عدد المعتقلين والمفصولين من المدنيين كان يفوق عشرين مرة على الأقل عدد المعتقلين والمفصولين من العسكريين. لو لم يكن هناك أي دليل آخر لكفت هذه الحقيقة للبرهنة على أن هذه المحاولة كانت مؤامرة لإعادة تصميم المجتمع المدني والجيش الوطني.

حسنًا لماذا نشغل أذهانكم بمثل هذه المعلومات والوثائق مع أنها لن تغير شيئًا من واقعنا ونعلم أن أردوغان قد قال: “لا تحاولوا عبثًا؛ فإن الأوان قد فات، وأن الذي سبق أكل النبق؟!”. لكي نستودعها في صفحات التاريخ ونقول للأجيال القادمة: إننا لم نكن من هؤلاء القوم!

انقر لقراءة المقال باللغة التركية

kanun

مقالات ذات صله