21 فبراير 2019

من فضلك اختار القائمة العلويه من القوائم داخل لوحة التحكم

تقرير دولي يفضح تورط رجال أردوغان في اغتيال ناشط كردي

تقرير دولي يفضح تورط رجال أردوغان في اغتيال ناشط كردي
gazeteciler

تقرير محمد عبيد الله

لندن (زمان التركية) – شهدت قضية طاهر ألجي، الناشط الحقوقي الكردي، رئيس نقابة المحامين في ديار بكر شرق تركيا ذات الأغلبية الكردية، تطورًا صادمًا بعد صدور تقرير دولي يتهم نظام أردوغان بالوقوف وراء اغتياله في 2015.

واتهم تقرير صادر عن مؤسسة (Forensic Architecture) للأبحاث الدولية المرموقة، ومقرها لندن، الشرطة التركية بقتل طاهر ألجي قبل نحو أربع سنوات، الأمر الذي سيغير حتمًا مسار القضية من ألفها إلى يائها.

وقالت المؤسسة التي سبق أن أعدت تقارير لكثير من المحاكم والمؤسسات الدولية إن النتائج التي توصلت إليها بعد تحليل المعطيات المتوفرة ترجّح أن الرصاصة التي قتلت الناشط الكردي طاهر ألجي خرجت من مسدس أحد ضباط الشرطة الثلاثة الذين كانوا وقتها في موقع الحادث.

وكان شارع غازي في مركز ديار بكر شهد اشتباكات بين اثنين من مسلحي حركة الشباب الوطنية الثورية الكردية التابعة لحزب العمال الكردستاني ومجموعة من القوات الأمنية في 28 نوفمبر/ تشرين الثاني 2015 حينما كان طاهر ألجي يدلي بتصريح صحفي أمام مسجد تاريخي بديار بكر، الأمر الذي أفضى إلى إصابة عدد من أفراد شرطة ومصرع أحدهم فيما بعد. وبعدما ضيق أفراد الأمن الخناق على المسلحين الإرهابيين وجدا الحل في الهروب نحو شارع “ينيكابي”، حيث كان ألجي يعقد مؤتمره الصحفي، لتندلع اشتباكات جديدة بينهما وبين ضباط شرطة مدنيين، وفي مثل هذه الأجواء الضبابية تم قتل طاهر ألجي بصورة مثيرة للشبهات برصاصة انطلقت من أحد المسدسات.

ورغم مرور أكثر من ثلاث سنوات على الحادثة المشبوهة إلا أن السلطات الأمنية فشلت إلى اليوم حتى في تحديد هوية الجناة، كما أن المحكمة فرضت على تحقيقاتها سرية كاملة، وكذلك لم تعد النيابة العامة حتى اللحظة مذكرة اتهام، بل اكتفت بإلقاء الجريمة على حزب العمال الكردستاني فقط كما تطالبها السلطة السياسية.

لكن النتائج التي توصلت إليها مؤسسة (Forensic Architecture) والتي تعتمد على الأدلة التي قدمتها نقابة محامي ديار بكر وشهادات الشهود والصور المأخوذة من أربع كاميرات مراقبة منفصلة وتحاليل صوتية وبناء نموذج رقمي ثلاثي الأبعاد لموقع الحادث مع مزامنة جميع تلك المعطيات، تقدم لنا قصة مختلفة عما ترويه الحكومة التركية.

وتذكر المؤسسة الخطوات التي اتبعتها للوصول إلى هذه لبنتيجة وتقول بأنها قامت أولاً بتحديد اللحظة الأخيرة التي كان فيها ألجي واقفًا، واللحظة الأولى التي كان فيها راقدًا على الأرض، وصوت آخر الطلقات، لتحصر في النهاية الفترة الزمنية لوفاة ألجي في 9 ثواني. وأضافت أنها رصدت 40 طلقة سمعت في غضون هذه الفترة الزمنية على جدول زمني، ثم صنعت مجسمًا ونموذجًا ثلاثي الأبعاد لموقع الجريمة على ضوء الخطط المعمارية وصور الأقمار الصناعية، وحدّدت وضع طاهر ألجي وموقعه أثناء تعرضه للرصاصة. وكل ذلك من أجل إزاحة الستار عن المسدسات التي كانت مصوّبة نحو ألجي وعن مرمى النيران خلال الفترة الزمنية المذكورة.

وأكدت المؤسسة أن المعطيات التي حصلت عليها بعد اتباع الطريقة المذكورة تظهر أن أحد المسلحين التابعين لحزب العمال الكردستاني قد غادر المكان ولا يزال طاهر ألجي على قيد الحياة؛ في حين أن الآخر لم يكن وجه سلاحه نحو طاهر ألجي في البداية، وفي وقت لاحق تخلص من سلاحه.

ولفتت إلى أن التحليل الذي أجرته على أصوات الأعيرة النارية المسموعة في تلك الفترة الزمنية أكد عدم استخدام بندقية طويلة المدى من مسافة بعيدة، كما زعم بعض الشهود من أفراد الشرطة، مشددة على أن الشرطيين الثلاثة كانوا يتمكنون من رؤية طاهر ألجي بشكل مباشر، وكان أحدهم، يرد وصفه في التقرير، الشخصَ الوحيد الذي أطلق رصاصته وكان ألجي على مرمى نيرانه.

بعد كل ذلك خلصت المؤسسة في تقريرها إلى استحالة مقتل ألجي بنيران مسلحي العمال الكردستاني، بل رجحت أن يكون طاهر ألجي قد قتل بنيران الشرطة، مع إشارتها إلى أنها لا تنزل أحكامًا قضائية تؤثر على مسار المحاكمة، وإنما مهمتها تقتصر على إعداد تقارير علمية موضوعية في ضوء المعطيات التي وفرها النموذج الثلاثي الأبعاد لموقع الجريمة.

هذا وقدمت نقابة المحامين في ديار بكر نتائج التقرير إلى النيابة العامة في شهر ديسمبر/ كانون الأول الماضي باعتباره “رأي الخبير” في القضية، فيما ناشد المحامي باريش يافوز، في مؤتمر صحفي عقده يوم الجمعة الفائت، استجواب الشرطيين الثلاثة، بصفتهم مشتبهين بهم في مقتل طاهر ألجي، بعد أن كانوا شهودًا في إطار القضية.

الخلفية التاريخية لاغتيال طاهر ألجي

إذن من ولماذا قتل طاهر ألجي الذي كان يدافع عن ضرورة إقامة سلام دائم بين الأكراد والأتراك وينتقد الإرهاب الذي كان يمارسه حزب العمال الكردستاني، كما كان ينتقد الدولة بسبب الطريقة التي تتبعها في مكافحة الإرهاب، وتحذر من استغلال القضية الكردية من الطرفين معًا. لكي نعرف ذلك لا بد أن نلقي إطلالة سريعة على تاريخ ما سمي “مفاوضات السلام الكردي”.

كان حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان فقد أغلبيته البرلمانية لأول مرة منذ وصوله إلى الحكم في الانتخابات البرلمانية التي أجريت في 7 حزيران 2015، بحصوله على 40% من أصوات الناخبين فقط، الأمر الذي منع حزبه من تأسيس حكومة منفردة. وهذا الأمر كان يشكل خطرًا كبيرًا على مستقبل أردوغان والنظام الذي يتطلع إليه حتى ولو كان حزبه الشريك الأقوى في حكومة ائتلافية محتملة؛ فقد كان بحاجة إلى حكومة منفردة قوية لحزبه حتى ينقذ نفسه من احتمالية المحاكمة على جرائمه في الفساد والإرهاب من جهة؛ ويضمن نقل تركيا إلى النظام الرئاسي من جهة أخرى.

كان صلاح الدين دميرتاش، زعيم حزب الشعوب الديمقراطي الكردي، من تسبب في حصول هذه النتيجة الكارثية لأردوغان، حيث كان تحدى أردوغان قائلا: “لن نسمح لك بإقرار النظام الرئاسي في تركيا”، فتخطى حزبه العتبة الانتخابية، وحقق نجاحًا كبيرا بحصوله على 80 مقعدًا ودخوله إلى البرلمان كحزب مستقل، بعد أن كان الأكراد يدخلون البرلمان فرادى كمرشحين مستقلين، الأمر الذي دفع أردوغان إلى الانتقام منه باعتقاله بذريعة دعمه لتنظيم حزب العمال الكردستاني الذي تفاوض هو نفسه معه لإقامة السلام الكردي.

ولما خسر أردوغان دعم الأكراد زال “السبب” الذي كان يجري مفاوضات السلام الكردي مع العمال الكردستاني من أجله، فزعم في 17 يوليو/ تموز 2015 أنه لم يكن على علم بمحادثات “دولما باهتشه” التي أجرتها حكومة أحمد داود أوغلو مع النواب الأكراد لإضفاء الصفة الرسمية على تلك المفاوضات، وأكد أنه لا يوافق عليها، رغم أنه من أطلق تلك المفاوضات وأعلن دعمه لها طيلة السنوات الماضية. لكن أردوغان كان بحاجة إلى ذريعة لإنهاء المفاوضات بشكل رسمي.

توظيف الإرهاب لإعادة الحكومة المنفردة

في 22 يوليو/ تموز 2015 وقع هجوم انتحاري نسب إلى تنظيم “داعش” الإرهابي، استهدف شبابًا مناصرين للقضية الكردية بمركز ثقافي في بلدة سوروتش الحدودية مع سوريا، وأودى بحياة 32 شخصًا على الأقل. كما عثرت القوات الأمنية في صبيحة هذه الواقعة على شرطيين قتلا في فراشهما ببلدة “جيلان بينار”. ومع نسبة هذا الهجوم إلى العمال الكردستاني بادعاء الانتقام من شرطيين كانا على اتصال بداعش الذي قتل 32 كرديًّا أمس، إلا أن “ديمهات آجيت” المتحدث باسم اتحاد المجتمعات الكردستاني نفى صحة هذا الادعاء، ونوّه الكاتب الكردي المعروف “أميد فرات” بأن الأسلوب المستخدم في قتل الشرطيين ليس من أساليب العمال الكردستاني المعهودة، مؤكدًا أن “الجهة” التي أمرت بتنفيذ الهجوم جعلت بعض المجموعات المرتبطة بالعمال الكردستاني تتبنى هذا الهجوم.

بعد أسبوع من هذين الهجومين المنسوب أحدهما لداعش والآخر للعمال الكردستاني، وعلى وجه التحديد في 28 يوليو/تموز 2015، أعلن أردوغان بشكل رسمي انتهاء مفاوضات السلام الكردية، مما يدل على أنه نجح في اختلاق الذريعة اللازمة للنكوص عن سياسته القديمة ليبدأ بعدها فترة جديدة مليئة بالاشتباكات الدموية. ومن اللافت أيضا في هذا الصدد ما قاله يالتشين أكدوغان، كبير مستشاري أردوغان لصلاح الدين دميرتاش عقب تحديه أردوغان ودخوله البرلمان وعرقلته تشكيل حكومة منفردة: “إذا قلتم إننا لن نسمح لك بفرض النظام الرئاسي، فإنه لا يمكن أن يحدث غير ما حدث اليوم! فليس بمقدور حزب الشعوب الديمقراطي بعد اليوم إلا أن يصوّر فيلمًا سينيمائيًّا بعنوان مسيرة السلام الكردية فقط”.

ولما فقد أردوغان دعم الأكراد احتاج إلى موجة قومية ليعوِّض خسارته هذه بالحصول على أصوات القوميين الأتراك. وبعد الإطاحة بطاولة مفاوضات السلام الكردية اتخذ أردوغان قرارًا بالعودة إلى العمليات المسلحة ضد العمال الكردستاني، لكن الفارق هذه المرة أن العمليات الأمنية الجديدة لم تقتصر على المناطق الجبلية فقط وإنما وسع أردوغان نطاقها لتشمل المناطق والبلدات المأهولة بالسكان “المدنيين” من المواطنين الأكراد. وبعد عودة النزاع المسلح بين الطرفين مرة أخرى تحولت كل أنحاء تركيا إلى ساحة دماء بسبب الهجمات المنسوبة للعمال الكردستاني والتي حصدت أرواح أكثر من ألف فرد من عناصر الأمن وحوالي 10 آلاف من عناصر العمال الكردستاني، بالإضافة إلى مئات المواطنين المدنيين.

ولا شك أن استئناف أردوغان للعمليات الأمنية وتحويل شرق تركيا إلى ساحة حرب فيما يشبه العقاب الجماعي للأكراد جميعًا بسبب عدم تصويتهم له في انتخابات 7 يونيو/ حزيران السابقة أسهم في ترسيخ الانفصال الذهني والعاطفي لدى الأكراد؛ كما ساعدت هذه العمليات في الوقت نفسه على توجه القوميين بقيادة حزب الحركة القومية إلى دعم حزب العدالة والتنمية.

وفي 10 أكتوبر / تشرين الأول 2015 شهدت العاصمة أنقرة أكبر مجزرة إرهابية دموية على مدى تاريخ تركيا نسبت إلى داعش أيضًا، استهدفت عشرات الآلاف من المشاركين في تظاهرة بعنوان “العمل والسلام والديمقراطية”، مما أدى إلى مقتل أكثر من 110 أشخاص وإصابة المئات، أغلبهم من الأكراد. وكشفت التحقيقات أن منفذ العملية هو المدعو “يونس أمره آلاجوز” شقيق “الشيخ عبد الرحمن آلاجوز” الذي نفذ هجوم سروتش قبل 3 أشهر من هذا الحادث وقتل 32 شابًا كرديًّا أيضًا. لكن زعيم حزب الشعوب الديمقراطي صلاح الدين دميرتاش اتهم “الدولة” حينها بالوقوف وراء هذا الهجوم.

كما كشفت وثيقة “سرية للغاية” أعدها مركز الاستخبارات التابع للاتحاد الأوروبي، ونشرها موقع “أحوال تركية” العام المنصرم، أن الهجوم الإرهابي الذي وقع بالعاصمة أنقرة عام 2015 وحصد أرواح أكثر من 100 مواطن مدني تم بـ”تكليف خاص” من حكومة حزب العدالة والتنمية نفسها لعناصر داعش.

ومن العجيب جدًّا ما صرح به رئيس الوزراء آنذاك أحمد داود أوغلو بعد بضعة أيام من هذا الهجوم الدموي، حيث قال: “لقد أجرينا استطلاعًا للرأي بعد مجزرة أنقرة الإرهابية لجسّ نبض الرأي العام، ولاحظنا ارتفاعًا ملموسًا في نسبة الدعم لحزبنا”، وقد دفعت هذه التصريحات المعارضة للتقدم باستفسار برلماني دعت فيه داود أوغلو إلى الكشف عن دلالة هذه التصريحات.

استعادة حزب أردوغان تشكيل الحكومة منفردًا بأصوات القوميين

آتت “لعبة الإرهاب” بين داعش والعمال الكردستاني أكلها وحققت “المطلوب” منها لحزب العدالة والتنمية وهو توجه أصوات القوميين إلى حزب العدالة والتنمية، فأعلن أردوغان عن انتخابات برلمانية مبكرة في الأول من نوفمبر / تشرين الثاني 2015 واستعاد حزبه تشكيل الحكومة منفردًا على طبق من ذهب بعد أن حصد دعم نصف الناخبين، بفضل أصوات القوميين الأتراك، وهو ما فعله مجددًا قبل الاستفتاء الشعبي حول النظام الرئاسي حيث عقد تحالفًا مع حزب الحركة القومية، وأطلق أولاً عملية درع الفرات في الأراضي السورية لإثارة موجة قومية جديدة في الداخل، ثم حصل على موافقة الشعب على هذه التعديلات الدستورية بشكل أو بآخر عام 2017، ثم نفذ عملية “غصن الزيتون” العسكرية في شمال سوريا ضد مقاتلي حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي السوري، وأعلن في 18 أبريل/ نيسان 2018 عن انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة في 24 يونيو/ حزيران 2018 استطاع من خلال تحالفه مع القوميين أيضا أن يصبح “رئيس الدولة” في ظل النظام الرئاسي الذي يوسع من صلاحيات الرئيس، ليضمن مستقبله ومستقبل حلفائه في ظل هذه الصلاحيات شبه المطلقة.

وهذا التقرير الأخير الذي صدر من مؤسسة دولية معروفة بسمعتها الطيبة يكشف أن نظام أردوغان يقف وراء اغتيال الناشط الحقوقي الكردي طاهر ألجي، كما هو يقف وراء كثير من الاغتيالات المشبوهة التي شهدتها تركيا قبيل إطاحة أردوغان بطاولة مفاوضات السلام التي كان يجريها مع العمال الكردستاني.

kanun

مقالات ذات صله