29 مارس 2020

من فضلك اختار القائمة العلويه من القوائم داخل لوحة التحكم

على أردوغان أن يخشى النسخة التركية من “روزا باركس”

على أردوغان أن يخشى النسخة التركية من “روزا باركس”
nesemet

بقلم: آدم يافوز أرسلان

(زمان التركية)- خلال خمسينات القرن الماضي، الذي بلغت فيه العرقية تجاه السود في الولايات المتحدة ذروتها، فتحت روزا باركس الباب لمرحلة جديدة بجلوسها على المقعد المخصص للبيض في حافلة تابعة للبلدية، وأصبح جلوس روزا باركس على المقعد في ذلك اليوم بداية لحركة الحقوق المدنية الشهيرة ورمزا لأعمال النضال السلمي الذي اجتاح الولايات المتحدة آنذاك.

وخلال هذا الأسبوع سنسلط الضوء في “يوميات أمريكا” على حكاية روزا باركس التي أشعلت نضال شعب بأكمله برفضها الوقوف، لأنه توجد العديد من الدروس الواجب تعلمها من هذه الحكاية.

عندما ينفذ صبر المرء

خلال خمسينات القرن الماضي بلغ التمييز العرقي في الولايات المتحدة ذروته، وتمركز العنصريون في ولاية ألاباما، أحد الولايات الجنوبية، وسجل التمييز العرقي تجاه السود أعلى مستوياته.

كان هناك سيدة بسيطة تدعى روزا باركس وتبلغ من العمر 42 عاما، كانت براكس تعمل في قسم الحلوى بأحد المحال التجارية في منطقة مونتغمري بولاية ألاباما، وفي إحدى الأمسيات وأثناء عودتها إلى منزلها وهي منهكة صعدت باركس على متن حافلة البلدية مثلما تفعل كل يوم، لكن في ذلك اليوم فعلت باركس شيئا مختلفا وجلست على أحد مقاعد “الفئة المتغيرة”.

وكانت حافلات البلدية بمنطقة مونتغمري تُقسم إلى ثلاثة أقسام وفقا للقانون الذي تم تطبيقه لنحو نصف قرن، حيث تم تخصيص مقاعد الصفوف الأربعة الأمامية للبيض، ومن ثم خُصصت المقاعد التالية لهم للسود والبيض، مع أولية ذو البشرة البيضاء في الجلوس بها، تحت مسمى “الفئة المتغيرة” وتم تخصيص الجزء الخلفي من الحافلة للسود.

وكان المقعد الذي جلست عليه روزا مقعدا يمكن للسود الجلوس عليه.
وعند صعود الركاب البيض على متن الحافلة يدفع سائق الحافلة الركاب السود الجالسين على هذه المقاعد إلى مغادرتها والجلوس في المقاعد بمؤخرة الحافلة. وكان سائقو الحافلات يتمتعون بصلاحيات واسعة تمكنهم من حجز المقعد الذي يريده لصالح البيض.

كان السود يدفعون النقود من الباب الأمامي للحافلة ومن ثم يترجلون ويصعدون إلى الحافلة مجددا من الباب الخلفي.

استمر هذا الإجراء لسنوات، وعلى الرغم من وقوع مناوشات بين البيض والسود فإنه لم يقدم أحد على تحدي هذا الإجراء حتى ذلك اليوم، إلى أن جاء الأول من ديسمبر/ كانون الأول عام 1955، ففي ذلك اليوم جلست باركس على أحد مقاعد “الفئة المتغيرة” ومع تزايد عدد الركاب البيض توجه سائق الحافلة، جيمس بليك، إلى مؤخرة الحافلة وطلب من الركاب السود الوقوف ومغادرة المقاعد.

كانت باركس وثلاثة رجال سود يجلسون في مقاعد “الفئة المتغيرة”. غادر الرجال الثلاثة مقاعدهم وتوجهوا إلى مؤخرة الحافلة بينما انتقلت باركس إلى جانب النافذة عوضا عن مغادرة المقعد. أثار هذا الأمر صدمة كبيرة بالحافلة، لأن الأمر ليس مجرد مسألة مقعد، باركس بفعلتها هذه تحدت النظام العام.

وعلى خلفية مطالبة سائق الحافلة لها بالنهوض ومغادرة المقعد، أجابت باركس بأنها لا ترى وجود حاجة إلى النهوض ومنح مقعدها إلى شخص آخر.

كان سائق الحافلة مسلحا، فأشهر سلاحه وأوقف السيارة واستدعى الشرطة التي قامت باعتقال باركس بحجة “إفساد النظام العام”.
في تلك الأثناء أعد السود في منطقة مونتغمري منشورات وبدأوا الاعتصام، وشهدت الكنائس دعوات بالمقاطعة في أول يوم أحد بعد اعتقال باركس.

في الواقع كانت المطالب الأولية بسيطة للغاية ألا وهي الاعتصام حتى تحقيق المعاملة الإنسانية وتعيين سائقي حافلات من السود وتغيير مقاعد “الفئة المتغيرة” إلى مقاعد “بأولوية الحضور”.

لاحقا امتثلت باركس أمام المحكمة تحديدا في الخامس من يناير/ كانون الثاني، وفي الوقت الذي كانت باركس تُحاكم فيه بتهمة “إفساد النظام العام” احتل الآلاف من السود شوارع مونتغمري، كما ارتفعت نسبة المشاركة في حملة مقاطعة حافلات البلدية، وخلال فترة قصيرة انتشرت موجة الحساسية بالمدينة في أوساط السود.

أحد الوجوه التي قدمت إلى مونتغمري يوم محاكمة باركس كان الراهب مارتن لوثر كينج البالغ من العمر 26 الذي سيصبح لاحقا رمزا لهذه الحركة.

حُكم على باركس بغرامة مالية بقيمة 14 دولارا ومن ثم تم إخلاء سبيلها، لكن الوضع بات خارجا عن السيطرة. لاقت الحادثة أصداء في كل أرجاء الولايات المتحدة وتصدرت الصحف القومية.

سنرد على العنف بالسلمية

وكان السود، الذين يمثلون قوة كبيرة في مونتغمري التي يبلغ تعدادها السكاني نحو 40 ألف نسمة، يوسعون نطاق حملة المقاطعة بقيادة مارتن لوثر كينج.

استمر العصيان المدني الأول، الذي بدأ بمقاطعة حافلات البلدية، لمدة 381 يوما، فكان السود يذهبون إلى أعمالهم ويعودون منها سيرا على الأقدام، وكان من يمتلكون سيارات يوصلون الآخرين إلى وجهاتهم مجانا، بل إن بعض البيض تطوعوا بسياراتهم الخاصة دعما منهم للمقاطعة.

شهدت منطقة مونتغمري أعمال عنف تزامنا مع المقاطعة، حيث تم الاعتداء على بعض منازل ومحلات السود، وكان منزل مارتن لوثر كينج من بين المنازل التي تعرضت للاعتداء.

وعقب الهجوم أدلى لوثر كينج بجملته الشهيرة “سنرد على العنف بالسلمية”.

شلت حملة المقاطعة الحياة في مونتغمري وبحلول 13 ديسمبر/ كانون الأول عام 1956 أنهت المحكمة الفدرالية التمييز العرقي داخل الحافلات.
حققت باركس مبتغاها لكنها اضطرت لمغادرة مونتغمري بسبب تهديدات الموت التي تلقتها، حيث انتقلت إلى فرجينيا، ومن ثم هاجرت إلى ديترويت ولم تعد مجددا إلى مونتغمري، لكن نضالها نجح وصدر قانون الحقوق المدنية في عام 1964.

واصلت باركس نضالها من أجل الحقوق المدنية في الوقت الذي واصلت فيه أيضا عملها، كما تحولت قصة حياتها إلى أفلام وكتب وتلقت دعوة خاصة إلى الكونغرس، بل وفي عام 1999 تطرق الرئيس الأمريكي آنذاك، بيل كلينتون، إلى نضال باركس خلال كلمته حول حالة الاتحاد التقليدية، وأشار إلى باركس التي كانت تجلس في ذلك اليوم في قاعة الشرف، قائلا: “تجلس حاليا بيننا، واليوم أصبحت هي صاحبة القرار فيما إن كانت ستقف وتغادر المقعد أم لا”.

وفي عام 2005 رحلت عن عالمنا باركس التي وقف سائر نواب البرلمان ومن بينهم أعضاء المحكمة العليا، الذين لا يقفون لتحية أحد بالعادة، لتحيتها والتصفيق لها.

انتشر اللهب الذي أشعلته باركس برفضها الوقوف ومغادرة مقعدها في عام 1955 إلى سائر أرجاء أمريكا وتغيير مسار التاريخ، وفي كتابه بعنوان “خطوات صوب الديمقراطية” أفاد مارتن لوثر كينج أن اعتقال باركس كان له تأثير على روح الحراك والاعتصام، موضحا أن من يعجز عن إدراك أن الصبر سينفذ عاجلا أم آجلا، وأن إنسانيتنا ستتصدى للواقع حينها لن يتمكن من فهم واستيعاب حراك باركس.

قصة باركس مهمة لإظهار أن بإمكان سيدة فاض كيلها زعزعة استقرار أشد السلطات ظلما وبطشا.

ملك شاتين كايا في طريقها لتصبح روزا باركس تركيا

أرى أن الواقعة، التي تعيد تجسيد قصة روزا باركس، هي “مسيرة الحرية” التي نظمتها السيدة ملك شاتين كايا وتُعرف إعلاميا باسم “والدة طالب الحربية”، إذ تطالب شاتين كايا بالعدالة لنجلها البالغ من العمر 19 عاما بعدما قضت المحكمة عليه بالسجن المؤبد بحقه بتهمة المشاركة في الانقلاب-عام 2016-.

تخيلوا معي! تم تحميل طلاب المدارس العسكرية في سن الثامنة عشر والتاسعة عشر ثمن المحاولة الانقلابية داخل الجيش التركي، ثاني أكبر جيوش حلف الناتو، وحُكم بالمؤبد على طلاب المدارس العسكرية الذين لم يحملوا حتى السلاح، في حين أن الحكومة قامت بتكريم وترقية رئيس الأركان، وتكريم رئيس المخابرات وتهنئة القيادات العسكرية.

هذا الوضع أشبه بالبيت الشعري، القائل: “لو كان الذئب رئيسا للخراف لما أقدم على هذه الذبيحة”.

ملك شاتين كايا كأم قوية وصاحبة حق تبحث منذ أشهر عن العدالة لطلاب المدارس العسكرية بأكلمهم في الشوارع ومنصات التواصل الاجتماعي وعدد قليل من القنوات التلفزيونية تتمكن من الظهور عليها.

وخلال الأيام الماضية بدأت كايا مسيرة الحرية، غير أن قوات الأمن التابعة لنظام أردوغان قامت باعتقالها ومعاملتها بشكل سيء للغاية.

وفور إخلاء سبيلها مع إخضاعها للرقابة القضائية جددت كايا دعوتها المطالبة عبر مواقع التواصل الاجتماعي بالعدل.

لا أدرى إلى متى ستتمكن كايا من مواصلة نضالها وإلى أي مدى سيصل صوتها لكن ما أعرفه هو أنه يتوجب عليكم الخوف من سيدة فاض كيلها!

مقالات ذات صله