29 مارس 2020

من فضلك اختار القائمة العلويه من القوائم داخل لوحة التحكم

أردوغان في ورطة.. تنظيم أرجنكون يلاحقه بذكريات الماضي

أردوغان في ورطة.. تنظيم أرجنكون يلاحقه بذكريات الماضي
nesemet

تقرير: محمد عبيد الله

أنقرة (زمان التركية) – تتوسع أبعاد الصراع الذي ظهر إلى السطح قبل نحو أسبوع بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورجال حليفه الحالي تنظيم “أرجنكون” الموصوف في تركيا بـ”الدولة العميقة”، عن طريق التحالف المبدئي القديم الذي دام لفترة طويلة بين أردوغان وحركة الخدمة، قبل أن ينقلب عليها ويصنفها “إرهابية” في تناقض صارخ.

حرب التصريحات

بدأت الاتهمات المتبادلة بين الطرفين عندما تحدث رئيس الأركان السابق إيلكر باشبوغ، في برنامج تلفزيوني عن ضرورة “البحث عن السياسيين الذين قدموا للبرلمان في عام 2009 مقترحا قانونيا أقصى القضاء العسكري وفتح الطريق أمام محاكمة العسكريين المتهمين في محاكم مدنية”، وذلك من أجل الكشف عما وصفه بـ”الذراع السياسية لمنظمة فتح الله”.

وكان البرلمان التركي وافق على مقترح الحزب الحاكم المذكور في 26 يونيو/حزيران 2009، ليصبح قانونًا ينصّ على محاكمة كل من “العسكريين المتهمين”، و”المدنيين المتهمين بتهمٍ عسكرية”، أمام المحاكم المدنية فقط، ما فتح المجال أمام اعتقال العسكريين بقرارات صادرة من تلك المحاكم في إطار قضية تنظيم أرجنكون التي انطلقت في عام 2007.

قال باشبوغ في برنامج على قناة (سي أن أن) التركية إن حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان دخل في “تحالف كامل” مع ما وصفه بـ”منظمة فتح الله كولن”، من عام 2007 إلى عام 2011، معيدًا للأذهان مقولة أردوغان: “قدمتُ لهذه الجماعة كل ما طلبت منّا”، على حد زعمه.

وأضاف باشبوغ أن الرئيس أردوغان كافح بمفرده ضد حركة الخدمة من عام 2013 حتى عام 2016، ثم استدرك قائلاً: “لكن يجب علي أن أقول إن أردوغان هو المسؤول السياسي عما شهدتها تركيا بدءًا من عام 2007 حتى عام 2011″، في إشارة منه إلى التحقيقات التي استمرت خلال هذه الفترة ضد تنظيم أرجنكون المتهم بمحاولة الانقلاب ضد حكومات العدالة والتنمية منذ عام 2003 حتى تحالف أردوغان مع هذا التنظيم بعدما بات في موقف حرج عقب ظهور فضائح الفساد والرشوة في عام 2013.

تطرق باشبوغ إلى تاريخ انتشار حركة الخدمة في تركيا أيضًا قائلاً: “منظمة فتح الله كولن قويت شوكتها وزاد نفوذها أساسًا في عهد طرغوت أوزال (رئيس تركيا الأسبق)، وكذلك كان بولند أجاويد (الزعيم اليساري ورئيس الوزراء الأسبق). فقد رفض إغلاق مؤسسات الجماعة في عهده، وكذلك الأمر بالنسبة للسيدة تانسو تشيلر (رئيسة الوزراء سابقًا)، إذ تعاطفت معها كذلك. أما الراحل نجم الدين أربكان (زعيم حزب الرفاه الإسلامي ورئيس الوزراء الأسبق) فكان يضع مسافة بينه وبين هذه الجماعة”.

بينما قسّم ايلكر باشبوغ، عهد أردوغان إلى ثلاثة أقسام، الأول؛ الفترة التي تمتد من عام 2002، حيث وصل إلى الحكم، حتى عام 2007، وأفاد أنه في هذه الفترة فضل نهج “سياسة قائمة على علاقات جيدة مع جماعة فتح الله كولن، وعدم الصراع مع المؤسسة العسكرية”، وتابع: “لكن حكومة حزب العدالة والتنمية (أردوغان) دخلت في تحالف كامل مع هذه الجماعة من 2007 حتى 2011، وبالتالي هي المسؤول السياسي من الأحداث التي شهدتها البلاد بين تلك الفترة الثانية”، في إشارة منه إلى تحقيقات تنظيم أرجنكون. أما لفترة الثالثة هي فترة تحالف أردوغان معهم ضد الجماعة منذ 2013 حتى اليوم، على حد تعبيره.

بمعنى أن الجنرال باشبوغ، بوصفه أحد أبرز قادة تنظيم أرجنكون، يطالب أردوغان بـ”دفع الثمن” باعتباره “الذراع السياسية لمنظمة فتح الله كولن”، التي وقفت وراء تحقيقات وقضية تنظيم أرجنكون، وذلك بعدما تمكن من تصفية “ذراع المنظمة المدنية” (حركة الخدمة) من خلال عمليات الفصل والاعتقال التي نفذها وما زال ينفذها في أجهزة الدولة منذ تحقيقات الفساد والرشوة في عام 2013 والانقلاب الفاشل في 2016.

رفع دعوى قضائية ضد باشبوغ

جاء الرد الأول على اتهامات باشبوغ على لسان المتحدث الرسمي باسم حزب العدالة والتنمية عمر جليك، حيث دعا في 4 فبراير/ شباط الجاري إلى تقديم شكوى ضد باشبوغ للسلطات القضائية بتهمة الإساءة إلى البرلمان، ليأخذ الراية منه الرئيس أردوغان بعد يوم واحد ويهاجم بشكل مباشر باشبوغ قائلاً: “هناك شخص سبق أن شغل منصب رئيس هيئة الأركان يظهر من حين لآخر على الشاشات التلفزيونية ويدلي بتصريحات مضللة للرأي العام. إنني أعرفه جيدًا. فهو يتذرع بهذا المقترح القانوني ويدلي بتصريحات تضع مجلسنا الموقر البرلمان في مرمى الاتهامات. لذا من أجل حماية حقوق البرلمان ومكانته أدعوكم إلى رفع شكوى عن ذلك أمام المحكمة على وجه السرعة؛ لأنه لا يحق لأي شخص مهما كان أن يشوّه سمعة البرلمان من الخارج من خلال اتهامات لا أصل لها. إن السعي لإلقاء ظل منظمة فتح الله كولن على البرلمان انطلاقًا من تعديل قانوني سانده جميع الأحزاب السياسية قبل نحو 11 عامًا ليس إلا عدم احترام لهذا البرلمان بأخفّ العبارات”.

واعتبر الرئيس أردوغان تصريحات رئيس الأركان الأسبق إيلكر باشبوغ “هجومًا متعمدًا” على إرادة البرلمان وحصانة البرلمانيين على حد سواء، ووصفها بأنها نابعة من عقلية تشتاق إلى أيام “الوصاية العسكرية” في البلاد.

 

بعد دعوة أردوغان هذه، نشر باشبوغ، في 6 فبراير/ شباط، عدة تغريدات، قال فيها إنه يرفض تصريحات أردوغان، وأضاف متحديًا: “لا يوجد أي شيء يمكنه أن يمنعنا عن قول الحقائق التي تمليها علينا ضمائرنا في إطار حبنا واحترامنا للقوات المسلحة التركية والشعب”.

واعترف باشبوغ في تغريداته بأنه بدأ يكافح ضد ما سماه “منظمة فتح الله كولن” منذ أن تسلم منصب رئاسة الأركان في 28 أغسطس/ آب 2008، وأن المقترح القانوني المذكور لو لم يتم سنّه لكان بالإمكان توجيه ضربة قاضية لهذه المنظمة في عام 2009، وذلك على الرغم من عدم وجود أي قرار قضائي في ذلك الوقت يصف حركة الخدمة بـ”المنظمة الإرهابية”.

بعد يوم واحد من دعوة أردوغان ورد باشبوغ عليها، تقدم ستة نواب برلمانيين (في 7 فبراير/ شباط) من حزب العدالة والتنمية بشكوى إلى النيابة العامة ضد باشبوغ والنائب البرلماني من صفوف حزب الشعب الجمهوري ورئيس شعبة الحرب النفسية في القوات المسلحة سابقًا دورسون جيجك، بتهمة “إهانة الموظف” و”الافتراء”.

وفي اليوم نفسه نشر موقع “أودا تي في”، الذي يعتبر من أبرز المواقع الإلكترونية التابعة لتنيظم أرجنكون، خبرًا بعنوان: “بدء تحقيقات بتهمة الانتماء إلى منظمة فتح الله كولن تمتد إلى عائلة أردوغان”، بحق رجل الأعمال الأذري الحاصل على الجنسية التركية مانسموف قربان أوغلو الذي خطف الأضواء عليه بعلاقاته الوطيدة مع نجل أردوغان بلال، ولفت الموقع إلى أن السلطات القضائية فرضت حظرا على سفره خارج تركيا في إطار التحقيق.

وفي ذلك الوقت ظهر أن أردوغان اتخذ خطوة مهمة للغاية أثناء زيارته لأوكرانيا في 4 شباط / فبراير، حيث طالب السلطات الأوكرانية بتسليم نوري جوكهان بوزكير، المزعوم بأنه “قاتل المثقف التركي نجيب حبلميت أوغلو” في عام 2002، مؤكدًا أن موضوع تسليمه مهم للغاية بالنسبة لهم، وهو الأمر الذي يعني أن أردوغان يخطط للهجوم على باشبوغ من خلال عملية الاغتيال هذه التي تقول ملفات المحكمة المعنية إن تنظيم أرجنكون من يقف وراءها.

ثم انضم إلى النقاش في 8 فبراير/ شباط نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري المعارض، تونجاي أوزكان، المحكوم عليه سابقًا في إطار قضية أرجنكون أيضًا، ليتهم الرئيس أردوغان بشكل صارخ بأنه “الذراع السياسية لمنظمة فتح الله كولن”.

وفي 10 فبراير/ شباط تدخل في الموضوع وزير العدل الأسبق، سعد الله أرجون، ليرفض الاتهامات الموجهة إلى السياسيين الذين قدموا مشروع القانون الذي تحدث عنه باشبوغ إلى البرلمان، قائلاً: “هذا المقترح القانوني تمّ سنّه في إطار التعديلات القانونية التي كان يجب على تركيا بموجب المفاوضات التي كانت تجريها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وقد تم نقاشه في البرلمان وحظي بدعم جميع الأحزاب السياسية في ذلك الوقت، بما فيها حزب الشعب الجمهوري. لذا لا يمكن قبول تقديم عملية تشريعية جرت بصورة شفافة تحت سقف البرلمان وكأنها جريمة مرتبطة بالإرهاب”.

خلفية الصراع بين أردوغان وأرجنكون

بحسب ما ورد في يوميات قائد القوات البحرية الجنرال أوزدان أورنيك، التي كشفت عنها مجلة “نقطة” الأسبوعية الإخبارية في 29 مارس/ آذار 2007، فإن الجنرال حلمي أوزكوك، الذي شغل منصب رئاسة الأركان العامة من 28 أغسطس/ آب 2002 حتى 30 أغسطس/ آب 2006، منع أربعة مخططات انقلابية عسكرية ضد أردوغان أطلق عليها المخططون لها في 2003-2004 أسماء “ساريكيز” (Sarıkız) أي البنت الصفراء، و”آي إيشيغي” (Ayışığı) أي ضوء القمر، و”ياكاموز” (Yakamoz) أي ومضة، و”ألديفين” (Eldiven)  أي القفاز، وحال بذلك دون تعرض العملية الديمقراطية للانقطاع.

وفي أثناء إدلائه بأقواله بصفته “شاهدًا” في قضية أرجنكون، أكد الجنرال أوزكوك أنه كان على علم بمخططت “آي إيشيغي” و”ياكوموز” الانقلابيين، وأنه استدعى قائد قوات الدرك آنذاك “شنار أرويجور”، الذي اعتقل فيما بعد في إطار قضية أرجنكون، واستفسر منه عما إذا كان هناك مخطط من هذا القبيل. ولما نفى وجود هذا النوع من المخطط حذره قائلاً: “على الرغم من ذلك، فإن دعوتكم رؤساء الجامعات والصحفيين كثيرًا إلى مقر قيادة قوات الدرك سيترك انطباعًا خاطئًا لدى الرأي العام!” 

محاولة اغتيال أردوغان

في 31 مايو/ أيار 2006 تلقى أمن أنقرة بلاغًا عبر البريد الإلكتروني، ثم شنّ عملية أزاحت الستار عن كيان يعمل ضمن تنظيم أرجنكون وله شبهة الصلة بعملية قتل عضو مجلس الدولة مصطفى يوجل أوز بيلجين، وفق ما كتبت صحيفة “حريت” في عددها الصادر في 1 يونيو/ حزيران 2006. وتمخضت العملية عن احتجاز 12 شخصًا، بينهم نقيب، وضابط وطياران من وحدة القوات الخاصة التابعة للقوات المسلحة، و5 من المدنيين، إضافة إلى العثور على عديد من القنابل اليدوية ومواد متفجرة ومسدسين من نوع جلوك أيضًا، وهو نوع المسدس نفسه الذي استخدم في الهجوم على مجلس الدولة، مما أثار شبهة حول صلتهم بذلك الهجوم.

والمثير للدهشة أن القوات الأمنية عثرت بحوزة هذه العصابة التي عرفت إعلاميًّا بـ”عصابة آتابيلر” أو “مجموعة آتابيلر لحرب العصابات”، على تسعة رسومات تحتوي على خريطة الطريق المؤدي إلى منزل رئيس الوزراء أردوغان، وورقة تحمل أسماء حركية لمن يعمل معهم.

وكشفت التحقيقات أن النقيب الموظف في قيادة القوات الخاصة “مراد أرين” هو زعيم العصابة، وأنها تضمّ أعضاء من كبار الجنرالات المتقاعدين. ونقلت صحيفة “يني شفق” الموالية لأردوغان الحادثة إلى متابعيها تحت عنوان “الخلايا العميقة تحركت ضد الشعب”، وأشارت إلى صلة العصابة بالدولة العميقة / أرجنكون. في حين أن صحيفة “الوطن” وصفت الحملة الأمنية بأنها “أول عملية ضد الدولة العميقة بعد قضية حادثة “سوسورلوك” المرورية الشهيرة في 1996 وقبيل انطلاق قضية أرجنكون في عام 2007″. ثم نقلت الصحيفة عن نائب مدير أمن إسطنبول قوله في 2011: “حادثة عصابة آتابيلر كانت خطة اغتيال مدروسة جيدًا وكان هدفها رئيس الوزراء أردوغان.. فالخطط والرسومات التي عثرنا عليها كانت تشير إلى: أين ومتى وكيف سيتم اغتيال أردوغان”.

لكن البيان الذي نشرته رئاسة الأركان العامة بعد أربعة أيام من العملية أثر سلبًا في العملية القضائية: “إن تسريب المعلومات التفصيلية المتعلقة بالعملية إلى وسائل الإعلام قبل تقديم أي وثائق ومستندات إلى السلطات العسكرية المعنية أمر لافت للانتباه”، مما أثار شبهات حول تدخل العسكر في العملية القضائية الخاصة بعصابة آتابيلر. على الرغم من بيان رئاسة الأركان أصدرت المحكمة قرارًا باعتقال ثلاثة عسكريين من وحدة القوات الخاصة، ورجل أعمال من المدنيين، بتهمة السعي لتدمير وحدة البلاد وحيازة مواد متفجرة. إلا أن المحكمة أصدرت قرارًا مفاجئًا وصادمًا بعد ستّ سنوات من هذه الحادثة؛ إذ قضت في 2012 بترئة ساحة 11 عسكريًّا اتهمتهم النيابة العامة حينها بمحاولة الإطاحة بالحكومة، الأمر الذي اعتبره الرأي العام خضوعًا أمام ضغوطات البؤر العميقة في تركيا.

مخططات باشبوغ ضد أردوغان

وكان إيلكر باشبوغ أحد الأسماء البارزة في المخططات الرامية إلى إسقاط حكومة أردوغان، بعد تلك المخططات الفاشلة، وخطف الأضواء على نفسه بالدور المحوري الذي لعبه عندما كان قائد الجيش الأول، مع رئيس هيئة الأركان العامة في ذلك الوقت ياشار بويوك آنيط، فيما سمي بـ”تظاهرات الجمهورية” التي أطلقها حزب الشعب الجمهوري بتوجيه من امتدادات أرجنكون داخل الحزب، والبرلمان عمومًا، في 14 أبريل 2007، لتكون تلك المظاهرات أرضية ممهدة وذريعة للانقلاب العسكري ضد حكومة أردوغان، بالإضافة إلى محاولات حلّ حزب العدالة والتنمية في العام نفسه.

في خطاب ألقاه باشبوغ في الأكاديمية الحربية عام 2006، زعم باشبوغ أن الجماعات والطرق الإسلامية في تركيا تعارض ما يسمى بـ”مبادئ أتاتورك الثورية”، ووصف حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان بـ”المهدد للجمهورية التركية”.

وبعد عام من ذلك، وتحديدًا في 27 نيسان 2007، أصدرت رئاسة الأركان العامة بقيادة الجنرال ياشار بويوك آنيط مذكرة تحذيرية لحكومة أردوغان على شكل بيان في موقعها على الإنترنت، لترتفع حدة التوتر في البلاد إلى أوجها، غير أن أردوغان أبدى رد فعل شجاع ورفض التحذير العسكري، في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ الانقلابات التركية، على النقيض من رؤساء الحكومات السابقة، مثل سليمان دميرال، الذي كان استسلم للعسكر بسهولة بالغة. ولفت أمر الله أوسلو، الكاتب الصحفي المعروف، الذي كان أستاذًا في الأكاديمية الشرطية في ذلك الوقت، إلى أن عمر جليك، القيادي في حزب أردوغان، تواصل مع قادة الأمن وسألهم عن الموقف الذي يمكن اتخاذه، وهم شجعوهم على الصمود والوقوف في وجه التحذير العسكري، مؤكدًا أنهم سيحبطون أي انقلاب محتمل.

 

وفي 12 يونيو/ حزيران 2007، عثر الأمن على قنابل يدوية وصواعق ومتفجّرات في منزل بحي عمرانية في إسطنبول، لتنطلق بعده العمليات والتحقيقات الأمنية الخاصة بالدولة العمية، ثم تحولت تلك التحقيقات إلى قضية باسم “قضية تنظيم أرجنكون الإرهابي” في 25 يوليو 2008.

هذه القضية التاريخية كانت تعني انتهاء “الحصانة القانونية” التي تمتعت بها جنرالات أرجنكون الذين استغلوا هويتهم ومناصبهم العسكرية في ارتكاب أبشع الجرائم دون حسيب ورقيب. فبفضل هذه القضية، استطاعت محكمةٌ مدنية، ولأول مرة في تاريخ تركيا، تسليط الأضواء على الانقلابات العسكرية والأعمال الممهدة لها، من قبيل الاغتيالات والتفجيرات، والأحداث المجتمعية، واختراق عقول المواطنين عبر وسائل الإعلام، وما إلى ذلك.

غير أن بعض الجنرالات في الجيش قاوموا ضد تلك التحقيقات وأطلقوا حملة مضادة من أجل عرقلتها وإغلاقها، حيث عقد الجنرال باشبوغ لقاءات في مقر رئاسة الأركان مع أعضاء في المحكمة الدستورية، وأثار حساسيتها الخاصة بالعلمانية، ودفع بها في نهاية المطاف إلى فتح تحقيق بحق حزب العدالة والتنمية في 14 مارس/ أذار 2008، عن طريق المدعي العام الرئيسي لمحكمة النقض عبد الرحمن يالجين كايا، بتهمة “فرض الحكم الإسلامي وممارسة نشاطات مناهضة للعلمانية”. إلا أن محاولات إغلاق حزب أردوغان باءت بالفشل، مثل التحذير العسكري، بفضل التضامن الذي أبداه قادة الأمن والليبراليون والديمقراطيون من الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني، وعلى رأسها حركة الخدمة.

خطة القضاء على حزب أردوغان وحركة كولن

توسعت تحقيقات أرجنكون في وقت لاحق وبدأت الاعتقالات بتهمة محاولة الانقلاب ضد حكومة أردوغان تطال عسكريين من الدرجة الدنيا والمتوسطة، لكن لما وصل الأمر إلى القيادات العليا بدأ رد فعل جنرالات أرجنكون يشتد. وقد قامت القيامة لما نشرت صحيفة طرف الليبرالية في 2009 ما سمي “خطة مكافحة الرجعية الدينية”، تحت عنوان “خطة القضاء على كل من حزب أردوغان وحركة الخدمة”، والتي حملت توقيع العقيد دورسون جيجك من دائرة الحرب النفسية التابعة لرئاسة الأركان العامة، ثم ظهرت نسختها الأصلية في أعقاب تحقيقات فتحتها النيابة العامة في هذا الصدد.

والخطة كانت تتحدث عن ضرورة “الإيقاع بين حزب العدالة والتنمية وحركة الخدمة” والقضاء عليهما معًا في نهاية المطاف، و”تحريك الجواسيس المنتشرين حول حزب العدالة والتنمية”، و”الدفاع عن المتهمين في إطار قضية أرجنكون” و”الدعاية أن أدلة إدانتهم مزورة وملفقة” و”أنهم أبرياء اعتقلوا بسبب مكافحتهم الفعالة ضد الرجعية الدينية”، و”تعزيز الأحزاب القومية ضد حزب أردوغان من خلال إثارة المشاكل مع اليونان”، و”الدعاية أن حزب العدالة والتنمية يسعى مع حركة الخدمة وأمثالها من الحركات الإسلامية الأخرى لتقويض الدولة العلمانية وتأسيس دولة الشريعة”، و”إعداد تسجيلات صوتية وتسريبها إلى الإعلام” على نحو يجعل الرأي العام يعتقد براءة جنرالات أرجنكون المعتقلين، وأن “حركة الخدمة من تتنصت على المكالمات الهاتفية وتقوم بتسريبها للإعلام”.

أهم ما ورد في هذه الخطة هو “القيام بأنشطة وفعاليات تهدف إلى توجيه الرأي العام ضد حركة الخدمة من خلال اتهامها بالتعاون مع حزب العمال الكردستاني الإرهابي ومركز المخابرات الأمريكية سي آي إيه والموساد وغيرها من المؤسسات، وتصويرها أنها هي من تقف وراء التحقيقات في قضية “أرجنكون”، ومن ثم رفع دعوى ضدها تتهمها بأنها: “تنظيم إرهابي مسلح”.

وكان لظهور تفاصيل “خطة القضاء على حزب أردوغان وحركة الخدمة” دوي وصدى كبير في ميدان السياسة والمجتمع المدني حينها، فقد تقدم مسئولو حزب العدالة والتنمية ببلاغ للنيابة العامة في العاصمة أنقرة في 16 يونيو 2009. وعبّر أردوغان عن خطورة هذه الخطة بالقول: “إذا نظرنا إلى بنود الخطة مع عناوينها الرئيسية يتبين أن وراءها مبادرة تسعى إلى تقويض المسار الديمقراطي في البلاد”، كما أعلن أنه سيتابع الدعوى القضائية عن كثب، مؤكدًا أن القوات المسلحة لن ترضى أن تشوه سمعتها بمثل هذه المخططات المشؤومة.

ولما واجهت القوات الأمنية مشاكل في تنفيذ أمر النيابة العامة باعتقال العقيد دورسون جيجك الذي أعد الخطة طالب أردوغان “المسؤولين في القوات العسكرية بتسليم المتهمين إلى السلطات القضائية لكي تستمر التحقيقات بشكل قانوني”، في إشارة منه إلى رئيس الأركان العامة في ذلك الوقت إيلكر باشبوغ الذي نفى وجود مثل هذه الخطة. لكن ظهرت العديد من المواقع الإخبارية تشرف عليها مجموعة عسكرية في رئاسة الأركان العامة وتنشر أخبارًا مزورة تشوّه صورة الإسلام وحزب العدالة والتنمية وحركة الخدمة لتشكيل رأي عام سلبي عنها.

وأسفرت التحقيقات الخاصة بخطة “مكافحة الرجعية الدينية” في نهاية المطاف عن اعتقال مجموعة من العسكريين، وعلى رأسهم العقيد جيجك في عام 2009، ثم إيلكر باشبوغ في 5 يناير 2012 بعد تقاعده، لتقضي المحكمة عليه أخيرًا في 5 أغسطس/آب 2013 بالمؤبد.

والتصريحات التي أدلى بها إيلكر باشبوغ مؤخرا تدل على أنه بدأ ينفذ خطة القضاء على حركة الخدمة وحزب أردوغان منذ أيام شغله منصب قائد الجيش الأول وتسلمه منصب رئاسة الأركان في 2008، حيث قال: “لو لم تسنّ حكومة أردوغان القانون الذي نص على محاكمة الجميع في المحاكم المدنية ولو كانوا عسكريين، وعدم محاكمة المدنيين في المحاكم المدنية ولو ارتكبوا جرائم عسكرية، لكان بإمكاننا توجيه ضربة قاضية على منظمة فتح الله كولن في عام 2009”.

ومن اللافت أن باشبوغ تحدث عن تحقيقين تم فتحهما في كل من مدينة أرزنجان وقيصري في عام 2009 ضد أشخاص مزعوم بانتمائهم إلى حركة الخدمة بعد قيام عناصر تابعة لتنظيم أرجنكون بوضع أسلحة في منازلهم والمساكن الطلابية التابعة للحركة من أجل إعلانها تنظيمًا إرهابيًّا، ثم أكد (باشبوغ) قائلاً: “لو لم يطرح حزب أردوغان هذا المقترح القانوني فقد كنا نخطط لتوسيع نطاق هذه التحقيقات وتوجيه ضربة قاضية للمنظمة في ذلك الوقت”.

هذه التصريحات المثيرة، التي يتحدث فيها باشبوغ وكأنه المدعي العام أو القاضي، اعتبرها كل من الصحفيين المخضرمين آدم ياوز أرسلان وأمر الله أوسلو اعترافًا منه بوجود مؤامرة وخطة مسبقة لإغلاق حزب أردوغان وإعلان حركة الخدمة تنظيمًا إرهابيا منذ ذلك الوقت. فقد قال أرسلان: “إن تنظيم أرجنكون كان يخطط لإعلان حركة الخدمة تنظيمًا إرهابيًّا ومحاكمة المتهمين بالانتماء إلى هذا التنظيم في المحاكم العسكرية. بينما قال أوسلو: “إن باشبوغ (باعتباره أحد قادة أرجنكون) كان يحاول محاكمة كل من حركة الخدمة وحزب العدالة والتنمية في المحاكم العسكرية وإعلانهما حركتين إرهابيتين وحظر أنشطتهما في تركيا. لكن القانون الجديد منعه من تحقيق حلمه هذا، بعد أن فشلت جهوده السابقة لإحداث انقلاب عسكري أو حل حزب أردوغان من خلال المحكمة الدستورية”.

كل ما ذكرنا أعلاه يثبت أن قيادات تنظيم أرجنكون، بينهم باشبوغ، كانوا يخططون التخلص من حكومة حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان والجهاز البيروقراطي المتضامن معها، وكان أردوغان على علم بتلك المخططات، وقام باتخاذ تدابيره تجاههم من خلال هذا المقترح القانوني الذي فتح الطريق أمام محاكمة العسكريين في المحاكم المدنية، وبذلك تمكن من محاكمة الانقلابيين والأسماء المرتبطة بهم، والذين بلغ عددهم حوالي 350 عسكريًّا، لأول مرة في تاريخ تركيا.

استمرت التحقيقات والقضايا الخاصة بالدولة العميقة / أرجنكون حتى عام 2013 بفضل الشجعان من البيروقراطيين في أجهزة الأمن والقضاء، وتكشفت حقائق مذهلة سلطت الأضواء على الجوانب المظلمة من تاريخ تركيا الحديث. غير أن مرحلة وعملية تطهير الدولة من الكيانات العميقة المارقة لم تكتمل للأسف عقب انتهاء التحالف بين ثلاثية “السلطة السياسية” و”الجهاز البيروقراطي” و”المجتمع المدني” عقب فضائح الفساد والرشوة في 2013، لتبدأ بعدها مرحلة عكسية خسرت تركيا خلالها كل المكتسبات التي حققتها طيلة تاريخها وليس فقط المكتسبات التي تحققت في عهد أردوغان.

وكما ورد في خطة مكافحة الرجعية الدينية أو باسمها الآخر خطة القضاء على حزب أردوغان وحركة الخدمة، فإن أرجنكون لما أدرك أنه لن يتمكن من السلطة في ظل هذا التحالف الثلاثي المبدئي حول القيم الديمقراطية، فإنه بدأ يبذل كل جهوده لتحطيم هذا التحالف والإيقاع بينهم. فأطلق دعاية، خاصة بعد عام 2009، أن الجهاز البيروراطي مخترق من قبل حركة الخدمة، وأن هذه الحركة هي التي تقف وراء تحقيقات أرجنكون، وليس جهاز الدولة البيروقراطي. ولما أقبل الجهاز البيروقراطي عينه من أعضاء الأمن والقضاء الذين تعامل معهم أردوغان منذ وصوله إلى السلطة في عام 2002 على شنّ عمليات ضد رجال أعمال وموظفين قريبين من الحكومة زعم أرجنكون أن حركة الخدمة أيضًا تقف وراء هذه العمليات للإيقاع بين الطرفين، ومن ثم خرج مستشار أردوغان المرتبط بأرجنكون يالجين أكدوغان وزعم أن حركة الخدمة أسست كيانًا موازيًا داخل الدولة وأنها لفّقت جرائم وألصقتها بالمتهمين بالفساد، كما سبق أن لفقت جرائم وألصقتها بأعضاء تنظيم أرجنكون، ليتم فيما بعد إغلاق كل من قضيتي “الفساد والرشوة” و”تنظيم أرجنكون”، والإفراج عن جميع المتهمين في إطار هاتين القضيتين. ثم أسس المجرمون من كلا الطرفين تحالفًا وقاموا أولاً بتصفية الجهاز البروقراطي المدني (الأمن والقضاء) من خلال تحقيقات الكيان الموازي التي انطلقت في عام 2014 واستمرت حتى عام 2016، ثم “الجهاز البيروقراطي العسكري”، إلى جانب “المجتمع المدني الديمقراطي”، من خلال تحقيقات “منظمة فتح الله كولن” التي بدأت بعد مؤامرة الانقلاب في 15 يوليو 2016 وما زالت تستمر إلى اليوم.

وبعد التمكن من تصفية عدوهما المشترك؛ الجهاز البروقراطي بنوعيه المدني والعسكري، بذريعة “الكيان الموازي” و”منظمة فتح الله كولن”، بات أردوغان وأرجنكون وجهًا لوجه، وبدأ الطرفان يضعان أحجارهما على طاولة الشطرنج، لإطلاق اللعبة الأخيرة بينمها، وما لنا إلا انتظار الفصل الأخير من هذه اللعبة حتى نرى من هو الذي سيفوز.

مقالات ذات صله