أنقرة (زمان التركية) – في تطور كبير هيمن على العناوين الرئيسية المتنافسة في الشرق الأوسط، أكدت الحكومة الانتقالية السورية أنها عقدت اجتماعا ثلاثيا ثانيا مع المسؤولين الإسرائيليين والأمريكيين في 19 أغسطس الجاري.
يأتي هذا الإعلان في خضم نقاشات للخبراء السوريين بشأن إمكانية التوصل إلى اتفاق تطبيع سوري إسرائيلي من شأنه أن ينهي رسميا عقودا من الحرب.
وعلى الرغم من أهمية الأحداث التي توجت بالاجتماع الثلاثي في أغسطس، فإن الدولتين اليوم بعيدة عن تحقيق انفتاح دبلوماسي كامل بموجب اتفاقيات إبراهيم.
هناك العديد من الأسباب التي تدفع سوريا وإسرائيل إلى استخدام القنوات الدبلوماسية، فبعد بعد انهيار نظام الأسد في ديسمبر/ كانون الأول من عام 2024، انتقلت إسرائيل بسرعة إلى الأراضي السورية ودمرت الكثير من المستودعات والبنية التحتية المتبقية للجيش السوري السابق واستولت على جزء كبير من محافظة القنيطرة في جنوب سوريا واحتلتها بحجة منع التهديدات على الخط الحدودي المتنازع عليه.
أثارت هذه الخطوة غضب السوريين ووضعت إدارة الرئيس أحمد شرع في وضع صعب. ولم لم تستطع دمشق الرد على الهجوم الإسرائيلي بسبب ضعفها وفضلت المفاوضات تحت رعاية الولايات المتحدة.
بدأت الاتصالات الدبلوماسية في باريس وباكو بأذربيجان في الصيف وتسارعت بقدر سرعة الغزو الإسرائيلي وفتحت الباب أمام المحادثات الثلاثية الأخيرة في باريس وركزت المحادثات إلى حد كبير على القضية الأمنية، كما ذكرت وسائل الإعلام الإسرائيلية أنه تم إجراء مباحثات للاتفاق الأمني.
نظرا لحساسية الملف، سارع المسؤولون في دمشق بنفي أن يكون مثل هذا الاتفاق وشيكا، لكن الشرع أقر بإحراز تقدم في المحادثات.
كبح الشرع اتفاق أوسع أو ما يسمى “السلام” بموجب اتفاقات إبراهيم مؤكدا اهتمام دمشق اليوم باتفاق أكثر واقعية في ظل الظروف الحالية.
سبق وأن ذكر الشرع أنه يفضل العودة إلى اتفاقية فصل القوات لعام 1974 فيما يتعلق بمرتفعات الجولان، وأظهر أنه يفضل العودة إلى ما قبل ديسمبر/ كانون الأول 1974.
من الناحية الواقعية، تكمن الحقيقة في المفاوضات في مكان ما بين الأخبار حول إسرائيل أو سوريا ومواقفهما أمام الرأي العام.
لدى كلا الطرفين مصلحة في المحادثات وإن كان ذلك لأسباب مختلفة. تركز العقيدة الأمنية الجديدة لإسرائيل على الأمن الخارجي كمناطق عازلة على طول الحدود مما يعكس المشهد الجيوسياسي بعد 7 أكتوبر.
وكما هو الحال في الأراضي الفلسطينية المحتلة ولبنان، ترفض إسرائيل السماح بتراكم التهديدات الحقيقية أو المحتملة على حدودها في أعقاب أكبر الهجمات في تاريخ البلاد.
وإسرائيل مستعدة لخلق حقائق على الأرض بما في ذلك احتلال أراضي دولة ذات سيادة من أجل تعزيز أمنها أو لكسب النفوذ اللازم للحصول على اتفاق متميز في المفاوضات.
هذا النهج يشكِّل إلى حد كبير تفكير سوريا، إذ تحتاج دمشق إلى دعم اقتصادي وشرعية سياسية لإعادة بناء نفسها بعد ما يقرب من 14 عاما من الصراع الوحشي ولا يمكنها تحقيق ذلك دون استمرار الهجمات والاحتلال الإسرائيلي أو استمرار تخفيف العقوبات الأمريكية.
من غير الواضح، ولكن ليس من المستبعد، ما إذا كانت السلطات السورية قد اتخذت خطوات نحو التطبيع مع إسرائيل مقابل تخفيف العقوبات.
وفي هذه الحالة، فإن سوريا تجري الآن محادثات مع جارها الجنوبي الغربي على أمل الحفاظ على هذا التخفيف وإنهاء الاحتلال.
سنرى أيضا ما إذا كانت سوريا تأمل في استعادة مرتفعات الجولان، التي احتلتها إسرائيل وضمتها بشكل غير قانوني قبل عقود والتي اعترفت بها إدارة ترامب الأولى من جانب واحد كأراضي إسرائيلية في عام 2019، إذ قالت إسرائيل إنها لن تغادر المنطقة تحت أي ظرف من الظروف ومن غير المرجح أن تفعل ذلك ما لم يكن هناك ضغط جدي.
لذا يجب النظر لوحشية إسرائيل المستمرة في غزة، والتي أدت إلى غضب واسع النطاق في الشارع العربي في هذا الإطار.
رع أهمية الحكمة والحذر في هذا الصدد، خاصة بعد أكثر من عقد من التمرد غير الحكومي في سوريا.
توسيع اتفاقيات إبراهيم هو الهدف المعلن لواشنطن، فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يزال يرى نجاحاته خلال فترته الرئاسية الأولى كقاعدة لاستراتيجيته تجاه الشرق الأوسط.
بالنسبة لترامب، تدور الاتفاقات حول ترسيخ إرثه بطرق لم يستطع أسلافه القيام بها. ويسعى ترامب للحصول على جائزة نوبل للسلام ويواصل الضغط على القادة في دمشق من أجل التوصل إلى اتفاق من شأنه أن يعزز موقفه.
عادة ما يكون هذا المزيج من المصالح كافيا لتحقيق التطبيع الدبلوماسي الكامل أو اتفاق أصغر أو حتى اتفاق تاريخي. وعلاوة على ذلك، فإن استعداد ترامب لجعل أي قضية وجودية واستخدام كل ذراع من أذرع الإدارة الأمريكية لتحقيق الهدف حول تلك القضية الوجودية يعزز فكرة أن التطبيع وشيك.
حقيقة أن سوريا ضعيفة نسبيًا ليس فقط بالنسبة للبلدين ولكن أيضًا على الصعيد العالمي قد تشير إلى أن ذوبان الجليد بين إسرائيل وسوريا بات وشيكا، ولكن في الوقت نفسه فإن الضعف العام لسوريا يعيق التقدم في المحادثات.
دمشق مسؤولة أمام شعبها ولا يمكنها منح إسرائيل سيطرة واضحة على سيادتها. حتى في الوقت الذي يسود فيه مناخ في سوريا يهيمن عليه إرهاق الحرب، فإنه ربما تمتنع دمشق عن إعطاء منافسيها الداخليين المزيد من الأسباب لمحاربتها.
وينطبق هذا بشكل خاص على الجماعات المسلحة السنية، التي يُفترض اليوم أنها تشكل قاعدة سوريا، فلن ترغب هذه الجماعات في رؤية أو دعم أي انفتاح لسوريا مع إسرائيل وسترى مثل هذه الخطوة تفتح الباب أمام انقلاب.
لذلك، فإن مسألة التطبيع بين دمشق والقدس هي مسألة عامة وخاصة على عكس الدول العربية الأخرى وليست مسألة يقين.
تتصدر القضايا الأمنية جدول الأعمال الإخباري لأنها أكثر القضايا وأكثر القضايا العملية التي يجب معالجتها اليوم.
سيصفق السوريون للشرع إذا أنهت إسرائيل احتلالها الأخير للأراضي السورية. و في غضون ذلك، سيستمتع ترامب بالأضواء كالمعتاد، لكن أي اتفاق لتطبيع العلاقات الدبلوماسية يبدو وكأنه منحدر حاد للغاية بالنسبة لدمشق.
من المؤكد أن هذه النتيجة لا تعني أن التطبيع الإسرائيلي السوري لن يحدث في المستقبل، بل يكشف أن شروط صفقة بهذا الحجم في ظل الظروف الحالية ليست ناضجة.
ومع ذلك، فإن استعداد ترامب لاستخدام ضغوط هائلة لتحقيق أهدافه هو بطاقة الجوكر في هذا الصدد. ويجب على أولئك الذين يتابعون سوريا اليوم الانتباه إلى هذه القضية عند محاولة إجراء تنبؤات في منطقة تشتهر بعدم القدرة على التنبؤ بها.
على الرغم من التغييرات التاريخية الأخيرة في قضايا مثل العقوبات الأمريكية ضد سوريا، فإن هناك حاجة إلى مزيد من الوقت لتوسيع الاتفاقيات الإبراهيمية اليوم.