أنقرة (زمان التركية) – مع زيارة البابا ليو الرابع عشر إلى تركيا في أول زيارة خارجية خارجية له منذ انتخابه في مايو 2025، فإن السؤال الذي يتردد في أروقة الفاتيكان والبطريركية المسكونية “لماذا أصرّ البابا فرنسيس قبل وفاته في 21 أبريل 2025 على أنه «يجب على خليفتي أن يزور إزنيك مهما كلف الأمر»؟ ولماذا تزامن موت فرنسيس مع زلزال بقوة 6.2 درجة ضرب إسطنبول بعد يومين فقط، فأشعل التكهنات حول «نبوءة الباباوات» للقديس ملاخي (1139م) التي تنتهي بعبارة: «في الاضطهاد الأخير للكنيسة الرومانية سيجلس بطرس الروماني… ثم تُدمَّر المدينة ذات السبع تلال»؟
إن الوجهة الأكثر رمزية في برنامج البابا الذي يمتد أربعة أيام لم تكن أنقرة ولا إسطنبول، بل مدينة إزنيك (نيقية القديمة) على ضفاف بحيرتها الهادئة. هناك، حيث عُقد أول مجمع مسكوني في تاريخ المسيحية عام 325م، احتفل البابا الجديد بالذكرى الـ1700 لـ«مجمع نيقية الأول» الذي وضع صيغة «قانون الإيمان النيقاوي» وحدّد عقيدة التثليث.وصية فرنسيس السرية: “إذا متّ، فليذهب خليفتي إلى إزنيك”
مصادر مقربة من البطريركية المسكونية في الفنار تؤكد أن البابا فرنسيس كان يخطط مع البطريرك برثلماوس لزيارة مشتركة إلى إزنيك منذ 2023. وعندما شعر بقرب أجله، أوصى كتابةً: «قد لا أعيش لأرى هذا اليوم، لكن من يأتي بعدي يجب أن يذهب إلى إزنيك». كان حلمه إعلان «عام الوحدة المسيحية الكاملة» من المكان نفسه الذي وُلدت فيه العقيدة المشتركة قبل سبعة عشر قرناً.
البابا ليو الرابع عشر – الأمريكي روبرت فرانسيس بريفوست (70 عاماً) – نفّذ الوصية حرفياً. أمس الخميس، وقف مع البطريرك برثلماوس أمام أنقاض بازيليكا القديس نيوفيتوس على شاطئ بحيرة إزنيك، وأديا صلاة شكر مشتركة ثم وقّعا إعلاناً تاريخياً.
إعلان إزنيك-إسطنبول 2025: خطوة نحو الوحدة الكاملة
أقر الإعلان المشترك بوجود «عقبات لاتزال تحول دون الوحدة الكاملة بين الكنيستين الكاثوليكية والأرثوذكسية»، لكنه أكد أن الطرفين «مرتبطان بإيمان نيقية المشترك». وجدّد الزعيمان دعمهما للجنة الحوار اللاهوتي الدولية المشتركة، داعيين إلى “رفض استخدام اسم الله لتبرير العنف» ومطالبين قادة العالم بـ«بذل كل جهد ممكن لإنهاء مآسي الحروب فوراً”.
لماذا إزنيك بالذات؟
إزنيك ليست مجرد بلدة سياحية. هي مهد العقيدة المسيحية الرسمية:
- فيها اجتمع 318 أسقفاً عام 325 بدعوة من الإمبراطور قسطنطين
- فيها صيغ قانون الإيمان الذي لا يزال يُتلى في كل قداس كاثوليكي وأرثوذكسي
- فيها حُدّد موعد عيد الفصح إلى يومنا هذا
- وتحت مياه بحيرتها لا تزال بازيليكا غارقة من القرن الرابع تحمل أسراراً لم تُكشف بعد
- نبوءات وتكهنات تطارد الزيارة
منذ وفاة فرنسيس والزلزال الذي تبعه، عادت نبوءة القديس ملاخي إلى الواجهة. البابا فرنسيس كان رقم 112 في القائمة، والبابا ليو الرابع عشر هو 113 والأخير حسب النبوءة التي تتحدث عن «بطرس الروماني» ودمار «المدينة ذات السبع تلال». البعض يرى أن التلال السبع هي روما، والبعض الآخر يقول إنها إسطنبول… والزلزال الأخير زاد الشكوك.
الفاتيكان يرفض هذه التفسيرات ويعتبرها «أساطير»، لكن توقيت الزيارة وإصرار فرنسيس على إزنيك جعل الكثيرين يربطون بين “بازيليكا الغارقة” و”سرّ الوحدة الأخيرة”.
رسالة البابا من إسطنبول: “كالجسور الثلاثة على البوسفور”
في قداس ضخم أقيم في صالة فولكسفاغن أرينا، قال البابا ليو الرابع عشر أمام آلاف المسيحيين:”الجسور الثلاثة التي تربط ضفتي إسطنبول تذكّرني بأن الوحدة تحتاج إلى أساسات قوية وصيانة دائمة. علينا أن نزرع الثقة، نهدم جدران التحامل، ونسير معاً لنعطي العالم رسالة أمل قوية”.
وقبل مغادرته إلى بيروت، التقى البابا في مقر بعثة الفاتيكان في حربية بأندريا مينغوتسي، والد الشاب الإيطالي-التركي ماتيا أحمد مينغوتسي الذي قُتل طعناً في كاديكوي قبل أشهر. وقال الأب المكلوم للصحفيين بعد اللقاء: “طلبت من قداسته أن يبارك ابني وأن يدعو لمهمتنا في الأخوة. ابني أصبح اسمه حتى عند المسلمين (ملاك الأخوة)، وأتمنى أن يكون ذكراه جسراً بين الأديان”.



















