
د. حامد محمود
مدير مركز أكسفورد للدراسات والأبحاث الاستراتيجية
القاهرة (زمان التركية)ــ تُعدّ الاحتجاجات التي تشهدها مناطق واسعة في إيران الأخطر التي تواجه النظام الثيوقراطي الحاكم، كونها باتت ترفع شعارات سياسية صريحة؛ ولذلك يمكن القول إنها من بين أبرز التحديات التي تواجه الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها قبل أربعة عقود ونصف العقد، وهي الأكبر منذ احتجاجات عامي 2022–2023 التي اندلعت على خلفية وفاة مهسا أميني عقب توقيفها بتهمة خرق قواعد اللباس الصارمة المفروضة على النساء.
وتُشكّل هذه التظاهرات تحديًا جديدًا للسلطات، خصوصًا أنها جاءت عقب حرب مع إسرائيل استمرت 12 يومًا في حزيران/يونيو، وألحقت أضرارًا بالبنية التحتية النووية والعسكرية، وشملت أهدافًا مدنية. كما تدخلت الولايات المتحدة في هذه الحرب عبر قصف منشآت نووية رئيسية داخل إيران.
وقد يكون من المبكر الجزم بأن النظام الحاكم في إيران بات على وشك السقوط، إلا أن ما تشهده البلاد منذ أسابيع يضع طهران أمام أخطر اختبار داخلي منذ سنوات طويلة؛ فالاحتجاجات التي اندلعت على خلفية الانهيار الاقتصادي وسقوط العملة الوطنية، سرعان ما تمددت جغرافيًا واجتماعيًا، وخرجت من إطار المطالب المعيشية لتلامس جوهر النظام السياسي نفسه.
ومع اتساع رقعة الإضرابات، لا سيما في البازار وقطاع النفط، تحوّل الغضب الشعبي إلى أزمة سياسية ذات أبعاد وجودية. وفي قلب هذه التطورات، يبرز العامل الأميركي بوصفه أحد أكثر العناصر حساسية وتأثيرًا، ليس فقط بسبب تاريخ الصراع الطويل بين واشنطن وطهران، بل أيضًا بفعل اللهجة غير المسبوقة التي يعتمدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وما رافقها من تفاعل سياسي وإعلامي داخل الكونغرس، عكس انقسامًا محسوبًا في مقاربة الأزمة الإيرانية.
ومنذ الأيام الأولى لتصاعد الاحتجاجات، اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب نهج التصعيد، مؤكدًا أنه يتابع ما يجري في إيران عن كثب، ومعربًا عن اعتقاده بأن البلاد «على وشك الانهيار». غير أن الأهم لم يكن توصيفه للوضع، بل تحذيراته العلنية للنظام الإيراني من مغبة الاستمرار في قمع المتظاهرين.
وتحدث ترمب صراحة عن إطلاق النار على محتجين عُزّل، وعمليات اعتقال وإعدام، واصفًا ما يجري بأنه «سلوك وحشي»، ومشددًا على أنه أبلغ طهران بأن أي تصعيد دموي سيُقابَل بـ«ضربات قاسية جدًا» من الولايات المتحدة.
وتُمثّل هذه اللغة محاولة ردع سياسية ونفسية أكثر منها إعلانًا عن خطة عسكرية وشيكة؛ فهي تضغط على القيادة الإيرانية وتبعث برسالة دعم معنوي إلى الشارع المحتج، لكنها في الوقت نفسه تُبقي الغموض قائمًا بشأن طبيعة أي تحرك أميركي محتمل.
ورغم وضوح دعم ترمب للاحتجاجات، تتجنب إدارته، حتى الآن، الذهاب خطوة أبعد في مسألة «اليوم التالي». وقد ظهر هذا التردد في موقفه من رضا بهلوي، نجل شاه إيران الراحل، الذي عاد اسمه إلى الواجهة بوصفه أحد رموز المعارضة في الخارج. فعلى الرغم من وصف ترمب له بأنه «شخص لطيف»، فإنه تحفّظ عن عقد لقاء رسمي معه، مؤكدًا أن الوقت لا يزال مبكرًا لتحديد من يمكن أن يمثل فعلًا إرادة الإيرانيين.
ويعكس هذا الحذر إدراكًا أميركيًا لحساسية المشهد الإيراني، في ضوء تجارب سابقة في المنطقة، من العراق إلى ليبيا، حيث أدت رهانات مبكرة على بدائل سياسية إلى نتائج كارثية. كما أن أي دعم أميركي علني لشخصية معارضة محددة قد يمنح النظام الإيراني ذريعة لتعزيز روايته عن «مؤامرة خارجية»، وهي رواية لجأ إليها بالفعل المرشد علي خامنئي والإعلام الرسمي.
ويمكن القول إن هذا الاصطفاف الجزئي يمنح ترمب هامش حركة داخليًا، من دون فرض إجماع على التدخل؛ فواشنطن، كما يعكسها خطاب البيت الأبيض ونقاشات الكونغرس، تفضل في هذه المرحلة مراقبة التصدعات من الداخل الإيراني، مع إبقاء جميع الخيارات على الطاولة، بانتظار ما ستقرره شوارع إيران.



















