إن الرئيس دونالد ترامب رجلٌ عظيم، وذو رؤية سياسية وبصيرة تستحق التقدير بلا شك، غير أن العالم وقوانين الطبيعة لا تعرف أشخاصًا ولا تتوقف عند أحد، بل تخضع للسببية التي خُلقت عليها، ومضت وفقها عبر آلاف السنين التي مرّت على عمر الإنسان وحياته وتجربته الحضارية. فلم تعرف الحضارة الإنسانية، قط، من تحدّى الطبيعة — بغير سلطان — ونجح وأفلت، وأجبرها على طاعته والسير خلفه وتنفيذ أوامره. وإنما نجح من نجح في تحدّي الطبيعة باتباع قوانينها ذاتها، ليصبح جزءًا منها، يسبح في محيطها آمنًا.
ومما يراه المتابع للرئيس العظيم دونالد ترامب أنه — بوصفه رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية — فتح العديد من جبهات المواجهة مع الغير، من جيران وحلفاء وأصدقاء وأعداء للولايات المتحدة الأمريكية في آنٍ واحد، وفور عودته إلى السلطة، وما زال يفتح كل يوم جبهة مواجهة جديدة، حتى مع الداخل الأمريكي نفسه. ولا يوجد في الطبيعة من استطاع، ولا يوجد من يستطيع، فتح جبهات متزايدة من المواجهات العسكرية والاقتصادية في وقت واحد؛ لأن القدرات الإنسانية محدودة المدى، ومحدودة الكم، ومحدودة الاستيعاب، ومحدودة التأثير.
ولا يوجد الإنسان الإله الذي يملك قدرات خارقة أو موارد ذاتية تنبع منه بلا توقف، ودون عطاء من أحد، ودون نهاية. وبالتالي، فإن فتح الجبهات المتعددة والمتتالية والمتنوعة في طبيعتها — على الساحتين الخارجية والداخلية — ليس عملاً خارقًا للطبيعة، لما يتطلبه هذا العمل من قدرات غير طبيعية في الشخص المثير أو الفاتح لهذه الجبهات المخيفة عددًا وحجمًا وطاقةً عدائية، وإنما هو عمل يثير الدهشة بسبب غياب أسباب القدرة المؤهلة لمثل هذا الفعل، وفق المعايير البشرية التي يفهمها الإنسان.
وهذا، على فرض أن فتح هذه الجبهات قائم على الحق والمنطق. أما فتح كل هذه الجبهات على أساس واحد من التهديد باستخدام القوة والقهر — عبر الأداتين التدميريتين الاقتصادية والعسكرية ضد الغير وضد الجميع على حد سواء — فإنه يضيف إلى صعوبات ومخاطر فتح الجبهات الكثيرة والمتنوعة في طبيعتها صعوباتٍ ومخاطرَ جمّة، قد لا تقل خطورةً في طبيعتها وحجمها عن تحدّي دول العالم وتكتلاته بغير حق، وغصبًا، وقهرًا صريحًا.
فالإنسان، لأنه إنسان — مهما علا وتجبر، وصار ذا سلطة لا تُجابه — قد تجد المخاطر طريقها إليه من كل حدب وصوب. وليس خطف الرئيس الفنزويلي المغتصب للسلطة في بلاده إلا صورةً لوصول المخاطر إلى كل الحصون، وإلى كل الجبابرة الذين يتجرؤون على الحق، وعلى الطبيعة، وعلى المجموع، وعلى طبيعتهم البشرية الضعيفة، كأنهم يعيشون أبدًا، ولن يموتوا أبدًا، ولن يصل إليهم أحد أبدًا.
وليست أحداث الشغب في العاصمة الأمريكية واشنطن، واعتداء المتظاهرين على مبنى الكابيتول في السادس من يناير 2021، اعتراضًا على التصديق على فوز الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، وما صاحبها من مقتل البعض وإصابة الكثير من الأشخاص خلال هذا الشغب، إلا مثالاً على ذلك. وكذلك حوادث إطلاق النار على الرئيس دونالد ترامب ومحاولات اغتياله، ليست سوى أمثلة أخرى. ومن قبل ذلك كان حادث تفجير برجي التجارة العالميين في نيويورك نموذجًا صارخًا على عدم حصانة الإنسانية في مواجهة غضب الإنسانية نفسها.
وقد يدعونا الفكر إلى تذكّر أن كسر كل القواعد، وتجاهل جميع القوانين والاتفاقيات، قد يدفع الكثيرين — وليس فقط البعض — إلى الإقدام على أعمال خطيرة ربما لا يتصورها أحد، تمامًا كما حدث في تفجير برجي التجارة العالميين في نيويورك في وضح النهار، وباستخدام طائرات أمريكية مدنية، لم يكن أحد يتصورها أبدًا، وهو يطل من نافذة شقة في مبنى، سواء كان تجاريًّا أو سكنيًّا.
فإذا استيقظنا يومًا وقد خطف أحدُهم الرئيس ترامب، فلن يكون ذلك أغرب من تفجير برجي التجارة العالميين، الذي أودى بحياة آلاف البشر الأبرياء الذين خرجوا إلى أعمالهم وإلى قضاء حوائجهم، ولم يعودوا إلى أهلهم أبدًا.



















