القاهرة (زمان التركية)ــ يحيي المسلمون في جميع أنحاء العالم شهر رمضان، وهو شهر من الصيام من الفجر إلى الغروب، والصلاة المكثفة، والصدقة.
لطالما ارتبط الشهر الكريم بمجموعة غنية من العادات والتقاليد التي تحدد احتفالاته الفريدة.
ومن أبرز رموز هذه الاحتفالات فانوس رمضان، وهو رمز عزيز يضيء الشوارع والمنازل، ويعكس الجوهر الروحي والثقافي لهذا الموسم.
في الأحياء التاريخية بالقاهرة – مثل الحسين والأزهر والسيدة زينب – يتجمع ملايين المصريين للاحتفال بشهر رمضان.
تتحول هذه الأحياء إلى مشاهد نابضة بالحياة من الضوء والألوان، مزينة بإضاءات متقنة وعدد لا يحصى من فوانيس رمضان المعلقة في الشوارع والشرفات.
يصطف الباعة على طول الأزقة الصاخبة، عارضين مجموعة واسعة من البضائع المرتبطة بالشهر المقدس.
من بين هذه الأشياء العزيزة، يأتي فانوس رمضان، الذي لا يزال الرمز الأكثر شهرة وطلباً لهذا الموسم، حيث يجسد التقاليد والاحتفالات على حد سواء.
كان الفانوس، في شكله الأقدم، بمثابة مصدر حيوي للإضاءة في العصور القديمة.
في البداية، كانت تُستخدم المشاعل المصنوعة من الخشب والتي تعمل بالزيوت لإضاءة المنازل والممرات.
خلال العصور الوسطى، طوّر المصريون أساليب الإضاءة لديهم، فابتكروا مصابيح الزيت والفوانيس المزخرفة. وفي العصر المملوكي، أُضيئت الشوارع على نطاق أوسع، وبرع الحرفيون في الابتكار المعماري، فأنتجوا فوانيس ذات تصميمات متقنة مزينة بزخارف فنية راقية.
قال جمال شقرا، أستاذ التاريخ الحديث، لصحيفة عرب نيوز: “يعود تاريخ فانوس رمضان على نطاق واسع إلى العصر الفاطمي، مع وجود روايات متعددة حول أصله. تربط إحدى الروايات أصله بجوهر السقيلي، القائد الذي أسس القاهرة وبنى جامع الأزهر، وبوصول الخليفة المعز لدين الله عام 969 ميلادي.”
“ووفقًا لهذا، استقبل المصريون الخليفة الفاطمي بحمل الفوانيس لإضاءة طريقه، مستخدمين إياها كإضاءة وكبادرة احتفال.”
وأضاف: “بعد هذا المشهد التاريخي، بدأ استخدام الفوانيس لإضاءة الشوارع والأماكن العامة. ومع مرور الوقت، تطور الفانوس ليصبح رمزاً مميزاً لاحتفالات رمضان، حيث خرج الأطفال إلى الشوارع حاملين فوانيسهم المضيئة وهم يرددون الأغاني التقليدية احتفالاً بالشهر الكريم.”
استمر هذا التقليد في الازدهار خلال العصرين الأيوبي والمملوكي، حيث أصبحت تصاميم الفوانيس أكثر تنوعاً. وفي عهد محمد علي، شهدت هذه الحرفة مزيداً من التطور، حيث صُنعت الفوانيس من صفائح معدنية وزُودت بالزجاج الملون، مما شكل تطوراً كبيراً في كل من التصميم والإنتاج.
لقد تنوعت طرق تصنيع فانوس رمضان بمرور الوقت، بالتوازي مع تطور تصميماته الفنية في العصر الحديث.
مع تطور الأدوات والتكنولوجيا، بدأ التجار بشكل متزايد في تقديم الفوانيس الخشبية المصنوعة باستخدام تقنيات القطع بالليزر، والتي تقدم أنماطًا معقدة وأساليب معاصرة.
على الرغم من هذه الابتكارات، لا تزال الفوانيس المصنوعة يدويًا تحتفظ بقيمتها المميزة وأصالتها. فهذه القطع التقليدية، التي يصنعها حرفيون مهرة، لا تزال تحظى بتقدير كبير، محافظةً على روح التراث والحرفية المرتبطة بالشهر الفضيل.
قال الفنان محمد عبلة لصحيفة عرب نيوز إن تصميم فانوس رمضان مستوحى من شكل المشكاة – وهي المحراب المزخرف الموجود في المساجد والذي يجسد الفن الإسلامي ويستخدم تقليدياً كمصدر للإضاءة.
وأضاف أن الفانوس كان منذ فترة طويلة موضوعاً للفنانين التشكيليين، الذين صوروه في لوحاتهم كرمز للتراث الشعبي والتقاليد الدائمة المرتبطة بالاحتفال بالشهر المقدس.
خلال جولة في الأسواق الشعبية، لوحظ اختلاف واضح في أسعار الفوانيس، مما يعكس الحرفية والجهد المبذول في إنتاجها.
في الأسواق السياحية على طول شارع المعز، تُعرض الفوانيس النحاسية والبرونزية بشكل بارز في محلات التحف، حيث تعرض تصاميم متقنة تجذب الزوار وهواة جمع التحف الذين يبحثون عن ديكورات رمضان التقليدية.













