أنقرة (زمان التركية)- في ظل تصاعد التوترات العسكرية، تبرز قضية “مخزونات السلاح” كلاعب محوري في تحديد موازين القوى بين الولايات المتحدة وإيران. وبينما يؤكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن بلاده تمتلك كميات شبه محددة من الأسلحة الاستراتيجية، ترد وزارة الدفاع الإيرانية بامتلاكها القدرة على الصمود في وجه “العدو” لفترة أطول مما خططت له واشنطن.
ورغم أن وفرة السلاح ليست العامل الوحيد، إلا أنها تظل الفاصل في قدرة أي طرف على الاستمرار في حرب استنزاف طويلة الأمد.
تشير تقديرات معهد دراسات الأمن القومي (INSS) في تل أبيب إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل نفذتا أكثر من 2000 غارة جوية، استخدمت في كل منها ذخائر متعددة، مما يفرض ضغطاً هائلاً على سلاسل الإمداد. في المقابل، تشير البيانات إلى أن إيران أطلقت حتى الآن 571 صاروخاً و1391 طائرة مسيرة، لكن وتيرة القصف الإيراني شهدت تراجعاً حاداً؛ حيث يرى مسؤولون غربيون أن عدد الصواريخ التي كانت تُطلق بالمئات في اليوم الأول انخفضت الآن إلى العشرات، مما يؤشر على ضعف في القدرة التشغيلية أو محاولة للحفاظ على ما تبقى من مخزون.
قبل اندلاع شرارة المواجهة، قُدر مخزون إيران من الصواريخ البالستية قصيرة المدى بنحو 2000 صاروخ، لكن الأرقام الدقيقة تظل طي الكتمان كأداة دفاع استراتيجي.
وفي هذا السياق، كشف الجنرال “دان كين” أن معدل إطلاق الصواريخ الإيرانية انخفض بنسبة %86 مقارنة باليوم الأول، بينما سجلت القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) انخفاضاً بنسبة %23 في الساعات الأخيرة.
أما على صعيد المسيرات، فرغم الإنتاج الضخم لطائرات “شاهد”، إلا أن معدل إطلاقها انخفض بنسبة %73، مما يعكس صعوبة طهران في الحفاظ على وتيرة العمليات العالية.
تفرض الطائرات الأمريكية والإسرائيلية حالياً سيطرة شبه كاملة على الأجواء الإيرانية بعد تدمير جزء كبير من الدفاعات الجوية لطهران.
وتركز المرحلة القادمة من عمليات “سنتكوم” على تدمير منصات الإطلاق والمصانع مباشرة.
ومع ذلك، يظل تدمير كامل المخزون الإيراني تحدياً كبيراً؛ فإيران التي تعادل مساحتها ثلاثة أضعاف مساحة فرنسا، تمتلك قدرة فائقة على تمويه أسلحتها وإخفائها عن أعين الطيارين، وهو درس تكرر في حروب سابقة أثبتت محدودية القوة الجوية في حسم المعارك بشكل نهائي.
وتثبت التجارب في غزة واليمن أن تجفيف منابع السلاح ليس بالأمر الهين؛ فالحركات المسلحة صمدت لسنوات أمام قصف مكثف. وبالرغم من أن الولايات المتحدة تمتلك أضخم ترسانة سلاح تقليدي في العالم، إلا أنها لا تزال تعتمد بشكل مفرط على الأسلحة الذكية غالية الثمن والمحدودة الإنتاج.
هذا الواقع دفع الرئيس ترامب للضغط على شركات الدفاع لتسريع الإنتاج، وهو اعتراف ضمني بأن الموارد الأمريكية، رغم ضخامتها، قد تواجه لحظة حرجة من النقص.
ويرى الخبير العسكري “مارك كانسيان” أن واشنطن بدأت تتحول من استخدام الصواريخ الباهظة مثل “توماهوك” إلى قنابل “JDAM” الأرخص ثمناً والتي تُلقى مباشرة فوق الأهداف، مما يسمح لها بالاستمرار في القتال “إلى الأبد” تقريباً.
لكن العقدة تكمن في الدفاع الجوي؛ فصواريخ “باتريوت” التي تتجاوز تكلفة الواحد منها 4 ملايين دولار تشهد طلباً عالمياً هائلاً من أوكرانيا وحلفاء واشنطن العرب، في حين لا يتجاوز الإنتاج الأمريكي 700 صاروخ سنوياً، مما يضع واشنطن أمام معضلة: هل تستنزف دفاعاتها ضد إيران وتخاطر بموقفها في صراع محتمل في المحيط الهادئ؟
ورغم القلق من تآكل المخزونات، يبعث وزير الدفاع الأمريكي “بيت هيغسيث” برسائل طمأنة حازمة، مؤكداً أن إيران لن تستطيع الصمود لفترة أطول من الولايات المتحدة.
هذا الموقف يعكس ثقة الإدارة الأمريكية في تفوق قاعدتها الصناعية العسكرية وقدرتها على إدارة حرب طويلة الأمد، حتى في ظل التحديات اللوجستية التي تفرضها ساحة المعركة المعقدة.


















