بقلم: د. منى سليمان
(باحث أول ومحاضر فى العلوم السياسية)
القاهرة (زمان التركية)ــ بدأت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل في 28 فبراير 2026، توجيه ضربات جوية بحرية عسكرية لإيران، وقد تحولت هذه العملية العسكرية لحرب إقليمية بعد توجيه طهران ضربات صاروخية لعدد من دول جوارها ومنها (دول الخليج العربي، أذربيجان، تركيا)، مما دفع أنقرة وباكو للاعتراض على تلك الضربات والتلويح بالرد العسكري عليها، ما يعزز المخاوف من توسع الحرب ودخول دول أخرى فيها لتصبح “حربا إقليمية موسعة”، تهدد الأمن والسلم الإقليمي وكافة دول الشرق الأوسط، وقد اتخذت تركيا موقف أولى يدين الحرب ويدعو لوقفها الفوري والعودة للتفاوض والحلول السياسية، كما تعمل أنقرة التي ترتبط بعلاقات سياسية واقتصادية وثيقة مع إيران، للحفاظ على التعاون مع القيادة الإيرانية بمرحلة الحرب والمرحلة الانتقالية الحالية لا سيما وأن هناك ملفات متشابكة ومتداخلة بين أنقرة وطهران ترتبط بالأمن الداخلي فيما يخص ملفات (الأكراد، اللاجئين، تدفقات الطاقة) وملفات خارجية (الأوضاع بالعراق وسوريا وآسيا الوسطى والقوقاز)، حيث تعمل أنقرة على إدارة موقفها للحفاظ على مصالحها مع إيران حاليًا، وعلى تحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية، الأمر الذي سيضع الدولة التركية أمام تحديات سياسية وأمنية واقتصادية، حتى انتهاء هذه الحرب التي ستعيد ترتيب توازنات القوى في الشرق الأوسط في ظل تصاعد التنافس الجيوسياسي بين القوى الإقليمية والدولية بالمنطقة.
أولًا: أبعاد الموقف التركي:
1- تطورات الموقف الرسمي:
انقسم الموقف الرسمي من العمليات العسكرية على إيران بين إدانتها وطرح الوساطة التركية والتأكيد على دعم الحلفاء والحفاظ على أمنها القومي، وهذا كما يلي:
– انتقاد العمليات العسكرية ضد إيران: أدان الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” بدء العمليات العسكرية على إيران ودعا لوقفها فورًا، وغداة بدء الحرب قدم تعازيه للدولة الإيرانية على اغتيال المرشد الأعلى “على خامنئي” وأعلن “أردوغان” “أنه حزين لوفاة خامنئي”، وكان ذلك خطوة ليحافظ على موقفه (كوسيط إقليمي محتمل) بين أطراف الأزمة، وفي 2 مارس 2026 دعا “أردوغان” “لوقف إراقة الدماء في إيران والمنطقة”، وتعهد ببذل كل ما في وسعه لتحقيق ذلك ووصف الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران بأنها “غير قانونية”، وحذر من خطر تصعيد الصراع بين أميركا وإسرائيل وإيران على إيران وتأثيره في استقرار المنطقة، من جهة أخرى نفت الرئاسة التركية ادعاءات “ترامب” بمعرفة أنقرة المسبقة بخطط وموعد مهاجمة إيران أو أن تركيا جزء من خطط الهجوم.
-إعلان أنقرة دعم حلفائها: أجرى “أردوغان” سلسلة من الاتصالات الدبلوماسية مع قادة عدة دول هي (الولايات المتحدة الأمريكية، قطر، الإمارات، السعودية، والكويت)، لبحث تطورات الهجمات على إيران وتداعياتها على الأمن الإقليمي والدولي، وجدد طرح استعداد تركيا للتوسط بين أطراف النزاع لإحلال عملية السلام بالشرق الأوسط، كما حذر وزير الخارجية التركية “حاكان فيدان” من “مخاطر استهداف إيران المباشر للقواعد الأمريكية في الدول العربية لأنه يزيد من احتمالية تصعيد الموقف إلى أزمة أمنية إقليمية أوسع”، ودعا لفتح “مضيق هرمز” وضمان الملاحة الدولية فيه لتجنب أي تقلبات كبيرة في أسواق المال والطاقة العالمية، كما انتقد “فيدان” “استراتيجية إيران المتمثلة في مهاجمة دول الخليج رداً على الهجمات عليها لأنها تزيد من زعزعة الاستقرار في المنطقة”.
– احتجاج أنقرة على سقوط صاروخ إيراني بأراضيها: أعلنت وزارة الدفاع التركية يوم 4 مارس 2026، إن منظومات الدفاع الجوي والصاروخي التابعة لحلف “شمال الأطلسي-الناتو” في شرق البحر المتوسط دمّرت صاروخاً باليستي أُطلق من إيران اتجاه المجال الجوي التركي ومرّ فوق سوريا والعراق، بقضاء “دورتيول” التابع لولاية “هطاي” الواقعة على الحدود السورية بجنوب البلاد، واستدعت وزارة الخارجية التركية يوم 4 مارس 2026، سفير إيران بأنقرة “محمد حسن حبيب الله زاده”، وقدمت له احتجاج رسمي على سقوط صاروخ إيراني بالأراضي التركية. وأكد بعض المحللين الأتراك أن تركيا “لم تكن هدفًا للصاروخ، وأنه كان يستهدف قاعدة بريطانية بجنوب قبرص لكنه انحرف عن مساره”، وعقب ذلك أجرى “فيدان” اتصال هاتفي مع نظيره الإيراني “عباس عراقجي” أكد فيه “استياء تركيا تجاه إطلاق صاروخ باتجاه أراضيها”، ودعا طهران “لتجنّب أي خطوات قد تؤدي إلى اتساع رقعة الصراع”، هذا بينما نفت طهران إطلاق أي صواريخ تجاه الأرضي التركية وأكدت احترامها سيادة تركيا، نافية إطلاق أي صواريخ باتجاه أراضيها، ورغم هذا حذر المتحدث باسم بالرئاسة التركية “برهان الدين دروان”، من أن “أنقرة سترد على أي عدوان خارجي، وسنتخذ كل خطوة للدفاع عن أراضينا ومجالنا الجوي بحزم ودون تردد”، وأكد “فيدان” أن تركيا “تحمي نفسها دائماً، ولديها الإرادة والقدرة اللازمتان لذلك”، وحذر “فيدان” من تداعيات الحرب على قطاع غزة لاسيما وأن إسرائيل أوقفت الدخول والخروج من وإلى القطاع، وكشف عن استمرار المشاورات بين (تركيا، السعودية، مصر، قطر، والأردن) على ملف غزة.
بدوره أوضح “أردوغان” أوضح أن “تركيا تتخذ شتى الإجراءات الاحترازية ضمن اتصالات وثيقة مع الحلفاء في الناتو وينفذون التدخلات اللازمة بشكل فوري”، لتجنب الانزلاق في الحرب، كما أكد “أن الفضل يرجع إلى الهوية الوطنية التي لا تقبل الخضوع، والقوة الرادعة للجيش التركي ما جعل تركيا جزيرة مستقرة وسط حلقة نارية مشتعلة في أطرافها”.
– انتقاد الهجوم على أذربيجان: أعلنت أذربيجان عن تنفيذ هجومين بطائرتين مسيرتين من الأراضي الإيرانية استهدفا “جمهورية نخجوان” ذاتية الحكم بأذربيحان، ما أسفر عن إصابة مدنيين وأضرار مادية في المطار، وأجرى “أردوغان” في 5 مارس 2026 اتصال هاتفي مع حليفه ونظيره الأذربيجاني “إلهام علييف”، لبحث الهجوم الذي أدانه “أردوغان” وجدد دعمه لسيادة واستقلال أذربيجان رغم نفي إيران توجيه أي ضربات لها، كما بحث وزير الخارجية التركي “هاكان فيدان”، مع نظيره الأذربيجاني “جيهون بيراموف” تداعيات الهجوم خلال اتصال هاتفي، وتعد أذربيجان حليف إقليمي هام لتركيا وبينهم عدد كبير من الاتفاقيات العسكرية كما قدمت أنقرة دعم عسكري ولوجيستي لباكو خلال حربها مع آرمينيا عامي (2020-2023) ما أدي لانتصار أذربيجان واستعادة سيطرتها على إقليم “كاراباخ” من آرمينيا، وبعد هذا الهجوم لوحت باكو لإمكانية خوضها الحرب ضد إيران للدفاع عن أراضيها، وهو ما سيضع تركيا بين خيارين الأول تقديم الدعم لحليفتها أذربيجان، أم الحفاظ على علاقاتها الوثيقة مع إيران؟
2- مواقف المعارضة التركية:
رغم توازن الموقف التركي من العمليات العسكرية على إيران، حيث رفضت استخدام أراضيها أو قواعدها العسكرية التابعة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) لتوجيه ضربات لإيران، إلا أن أحزاب المعارضة التركية انتقدت مواقف الحكومة التركية واتهمتها بالتورط مع واشنطن في تلك العمليات العسكرية، وكانت أبرز مواقف المعارضة كما يلي:
-انتقاد سياسة “أردوغان”: هاجم زعيم حزب “الشعب الجمهوري” التركي المعارض “أوزغور أوزاَل” يوم 5 مارس 2026 خلال الاجتماع الأسبوعي للكتلة البرلمانية لحزبه بأنقرة، سياسة رئيس البلاد “رجب طيب أردوغان” من الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، واتهم “أردوغان بأنه “أصبح جزءاً من خطة أمريكية جديدة بالمنطقة، في لحظة تتّسع فيها رقعة المواجهة حول إيران وتشتبك فيها حسابات واشنطن وتل أبيب مع أمن الشرق الأوسط برمته”، وأكد “أوزال” أن هناك “اصطفافاً غير معلن للحكومة التركية” مع واشنطن وتل أبيب ضد إيران ودعا لتجدد الوساطة الدبلوماسي بين أطراف الحرب لإنهاء الازمة سريعا، وأكد “أوزَل” أن حزبه لا “يؤيد نظام الحكم في إيران ولا سجله في مجال الحقوق والحريات، لكنه في الوقت نفسه يرفض أي تدخل عسكري خارجي من دون تفويض دولي واضح”، كما انتقد “أوزال” “نهج الحكومة التركية المتساهل” مع السفير الأمريكي بأنقرة وعدم الرد على تصريحاته المتكررة، ووصف هذا بأنه “يضعف صورة تركيا ويجعلها تظهر كتابع لواشنطن وليس كشريك بالترتيبات الإقليمية”.
– تحذير من موجات هجرة جديدة: حذّر النائب عن حزب “الشعب الجمهوري” “مراد بكان” من أن الحرب بإيران قد يؤدي لموجة هجرة غير نظامية جديدة، ودعا الجهات المعنية لتحرك استباقي، وطلب من وزارة الدفاع التركية وقيادة القوات البرية بحماية الحدودـ بينما دعا زعيم حزب “النصر القومي” “أوميت أوزداغ” لإنشاء منطقة عازلة داخل الأراضي الإيرانية إذا لزم الأمر لمنع تدفق اللاجئين لتركيا.
– رفض استخدام المنشآت العسكرية التركية ضد إيران: دعا رئيس حزب “المستقبل” رئيس الوزراء الأسبق “أحمد داود أوغلو” الحكومة التركية لإعلان الأراضي والمنشآت العسكرية التركية خارج أي عمليات تستهدف إيران، والمطالبة بمشاورات في إطار المادة الرابعة من ميثاق “الناتو”. كما شدد على ضرورة تشديد الرقابة على قاعدة “إنجرليك” التابعة للحلف بتركيا لمنع أي تصعيد، وطالب بضرورة ألا “تنخرط تركيا في الحرب الدائرة حالياً في إيران تحت أي ظرف من الظروف، ورفض السماح باستخدام أراضيها وقواعدها ومجالها الجوي ضد إيران”.
ثانيًا: تداعيات الحرب الإيرانية على تركيا:
تضع العمليات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية على إيران التي سرعان ما تتحول لحرب بين الطرفين، تركيا أمام عدد من التحديات الرئيسية لعل أبرزها الحفاظ على أمنها القومي وسيادتها من أي هجمات معادية، ومنع أي موجات هجرة غير شرعية أو تدفق للاجئين من إيران إليها بما يزعزع التركية “الديمغرافية الاجتماعية” بولايات شرق تركيا، فضلا عن التحدي الاقتصادي، ولذا فإن الحرب الحالية على إيران التي أكملت أسبوعها الأول فقط لها العديد من التداعيات السياسية والأمنية والاقتصادية على تركيا ومنها:
1-التداعيات السياسية:
– تصاعد التوتر بين تركيا إسرائيلي: صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق “نفتالي بينيت” غداة بدء الهجمات على إيران أن هناك “تهديد تركي جديد” على بلاده، وأوضح “أن أنقرة تحل محل طهران كخطر رئيسي على إسرائيل”، ووصف “أردوغان” بأنه “خصم متطور وخطير يسعى إلى تطويق إسرائيل”، ما يثير المخاوف من حدوث مواجهات عسكرية بين أنقرة وتل أبيب، رغم استبعاد ذلك نتيجة لتحالف الدولتين مع الولايات المتحدة الأمريكية، وعضوية تركيا بحلف “الناتو”، بيد أن ذلك التصريح يؤكد تصاعد حدة التوتر بين الدولتين الذي بدأ عقب الموقف التركي الرافض للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
– عرقلة “عملية السلام” بتركيا: أكّدت أنقرة في 5 مارس 2026 أنها ستراقب أي تحركات من قبل تنظيم “حزب الحياة الحرة الكردستاني – بيجاك” في إيران، وأوضح مصدر عسكري تركي إن “أنقرة تؤيد الحفاظ على وحدة أراضي الدول المجاورة وترفض تقسيمها، وتعتبر أنشطة الكيانات التي تغذي النزعة الانفصالية العرقية، مثل تنظيم (بيجاك المصنف تنظيم إرهابي في إيران وتركيا) تؤثر سلباً على أمن إيران والسلام والاستقرار العام بالمنطقة”، وأكد أن أنقرة تراقب من كثب أنشطة “بيجاك” والتطورات بالمنطقة.
كما أكد “فيدان” “إن أنقرة تتابع التحالفات التي توحّد جماعات كردية ذات آيديولوجيات مختلفة بإيران”، وأكد أنه “لكي تُتخذ خطوات نحو تركيا خالية من الإرهاب، يتعين على حزب العمال الكردستاني إظهار الإرادة في سوريا وإيران والعراق”، وهو ما يؤكد أن أنقرة سترهن التقدم “بعملية السلام” في تركيا المقصود بها تنفيذ تعهد زعيم حزب “العمال الكردستاني” “عبدالله أوجلان” بوقف “الكفاح المسلح” الذي أعلن عنه في فبراير 2025 وبدأت مفاوضات بين حزبه وبين الحكومة التركية لبحث دمج عناصر الحزب بالدولة التركية وتفكيك البنية العسكرية له المتواجدة بإقليم كردستان العراق، وتعد هذه العملية أحد الأهداف القومية “لأردوغان” بإنهاء “التهديد الكردي” وتحقيق هدف “تركيا خالية من الإرهاب”، وسوف يقوم “أردوغان” بتوظيف ذلك حال تم لتعزيز شعبيته بالداخل قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة.
وجاءت هذه التحذيرات التركية بعد ما تردد حول تواصل بين جماعات كردية مسلحة في إيران وواشنطن وتقديم دعم عسكري لها لمهاجمة القوات الإيرانية في الأجزاء الغربية من البلاد، وقد اعلن حزب “الحياة الحرة الكردستاني” (بيجاك) الكردي الإيراني المعارض، الذي يسعى لحكم ذاتي في إيران، ومنظمات كردية سياسية تابعة له، قد أعلنوا تشكيل “تحالف القوى السياسية الكردستانية الإيرانية”، وقد انضم لهم جماعات كردية مسلحة تخطط للسيطرة على (40 ألف كم) من مساحة إيران المحاذية لتركيا، وسوف تستغل التنظيمات الكردية أي فراغ أمني بإيران لإعادة تنظيم صفوفها والعودة “للكفاح المسلح” أو المطالبة بحكم ذاتي في إيران كإقليم “كردستان العراق”، وهو ما ترفضه تركيا تماما وتعده تهديد لأمنها القومي، ولذا فإن تركيا سوف ترهن استمرار “عملية السلام” بها بحل المشكلة الكردية في إيران كما رهنتها بحل المشكلة الكردية في سوريا، وهو ما سيعرقل “عملية السلام” التركية الكردية، وسيجدد مطالب “حزب العمال الكردستاني” بإطلاق سراح زعيمه “عبدالله أوجلان” ليقود تحول الحزب من الكفاح المسلح للعمل السياسي.
– مخاوف من موجات هجرة لتركيا: غداة بدأ الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، أعلنت تركيا إغلاق 3 معابر حدودية مع إيران هي (أغري-غوربولاك، ووان-كابيكوي، هكاري-إسينديره) أمام الحركة اليومية للمسافرين بشكل مؤقت، وفرضت قيود على حركة البضائع، ثم عاد العمل بشكل طبيعي بتلك المعابر بالتنسيق مع جميع السلطات الإدارية الإيرانية، وتبلغ الحدود البرية بين الدولتين (500) كم، حيث تتخوف أنقرة من نتائج تلك الحرب فحال استمرارها ستدفع المواطنين والمقيمين بإيران للسفر لتركيا عبر موجات هجرة جديدة لاسيما بالولاية الشرقية التركية الحدودية مع إيران، وهو ما سيشكل عبء اقتصادي أمني على تركيا كم اسيكون له تداعيات “ديمغرافية” على بنية المجتمعات بتلك الولايات نظرا لأن القادمين سيكونون من (الفرس الشيعة) بعكس التركيبة المجتمعية لشرق تركيا التي تتكون من الأتراك والأكراد السنة، جدير بالذكر أن عدد الإيرانيين المتواجدين رسميًّا في تركيا حاليًا هو 74 ألف ولديهم تصاريح إقامة، و5 آلاف لاجئ مسجل رسميًّا، ولكن هناك أعداد أخرى غير مسجلة، بينما يوجد (20 ألف تركي) داخل إيران، ويمكنهم عبور الحدود لتركيا دون أي عوائق، وقد حذر خبراء بمدينة فان شرق تركيا من أن البنية التحتية للمدينة لا تتحمل حدوث موجة نزوح جماعية من الولايات الإيرانية إليها، ورغم نفي أنقرة في 5 مارس 2026 وجود هجرة جماعية من إيران نحو الحدود التركية بسبب الحرب، إلا أنها تتوقع حدوث موجات هجرة من إيران إليها حيث أوضح وزير الداخلية “مصطفى تشيفتشي” “إن تركيا وضعت خططاً للتعامل مع أي تدفق محتمل للفارين من الحرب في إيران، بما يشمل استعدادات لإقامة مناطق عازلة على الحدود وأماكن مخيمات”.
2- التداعيات الاقتصادية
ارتفعت أسعار النفط بعد بدء الحرب وحال استمرت على ذلك المستوى فإن ذلك سيؤدي لإضافة نحو (18) مليار دولار إلى عجز الحساب الجاري التركي، وهو ما يعادل (1%) من الناتج المحلي الإجمالي التركي، وبالطبع سينعكس ذلك الارتفاع على سائر السلع نظرا لأن النفط “سلعة وسيطة” تدخل في كافة الصناعات، ما سيؤدي لارتفاع معدلات التضخم المرتفع في تركيا خلال العام الحالي، كما أن ذلك ربما يؤدي لتراجع تدفقات الاستثمارات المباشرة في تركيا حيث يخشى المستثمرين الاضرار بمصالحهم الاقتصادية.
وعقب الحرب افتتحت “بورصة إسطنبول” في 2 مارس الحالي على خسائر لمؤشرها الرئيسي بنسبة (5.3 %)، كما انخفض سعر صرف العملة التركية (الليرة) وبلغ (43.97 ليرة) مقابل الدولار الواحد، وهو أدنى مستوى تصل إليه الليرة منذ عام 2002 أمام الدولار الأمريكي، هذا فضلا عن استمرار ارتفاع معدلات التضخم الكلي بتركيا ليسجل (37.88%)، وهو ما دفع “لجنة الاستقرار المالي” التركية لإصدار بيانا يؤكد أنها درست تداعيات الحرب على الاستقرار المالي التركي خلال المرحلة المقبلة، وأوضحت أنها ستتخذ جميع التدابير اللازمة لضمان استمرار كفاءة عمل الأسواق، وتقليل الآثار السلبية على الاقتصاد التركي حال استمرار الحرب.
3- التداعيات الأمنية:
-مخاوف حول تورط تركيا بالحرب: عقب سقوط صاروخ إيراني بتركيا أجرى “فيدان” اتصال هاتفي مع نظيره الأمريكي “ماركو روبيو” لبحث تطورات الحادث، وهذا نظرا لأن تركيا دولة عضو بحلف “الناتو” ووفق المادة الخامسة بميثاق الحلف، فإنه “الأعضاء عليهم الدفاع المشترك حال تعرضت أي دولة بالحلف لاعتداء خارجي”، ولذا ثارت مخاوف من تورط حلف “الناتو” بالحرب حال تكرر استهداف تركيا من قبل إيران، وهو ما سيؤدي لاتساع رقعة الحرب وتحولها لحرب إقليمية وربما (حرب عالمية ثالثة) رغم استبعاد هذا السيناريو، حيث يوجد بتركيا قاعدة (إنجرليك الجوية) التابعة لحلف “الناتو” وتخشى أنقرة من استهداف طهران لتلك القاعدة التي تتواجد في ولاية أضنة على البحر المتوسط بجنوب تركيا، ويتواجد بها قوات من سلاح الجو الأمريكي والبريطاني والسعودي، وبها (وحدة صواريخ باتريوت) تابعة للجيش الإسباني، وأكدت أنقرة أنها لن تسمح باستخدام أيٍّ من عناصرها الجوية أو البرية أو البحرية، أو مجالها الجوي، لتهديد أي دولة، ويمكن أن تصبح تلك القاعدة والقوات العاملة بها “أهداف مباشرة” لإيران ما سيدفع تركيا للرد على ذلك وتورطها بالحرب.
-إعادة نشاط التنظيمات الإرهابية: أعلنت أنقرة في 4 مارس 2026 عن اعتقال (184) من عناصر تنظيم “داعش” الإرهابي بحملة أمنية موسعة استمرت أسبوعين شملت (35 ولاية)، ما يؤكد استمرار الخلايا النائمة للتنظيم بالتواجد في تركيا والتنقل بالمثلث الحدودي البري الرابط بين (تركيا، العراق، سوريا)، ويمكن للتنظيم توظيف حالة التوتر الأمني الحالي بالمنطقة عقب الحرب على إيران لصالحه، من خلال تجنيد عناصر جديدة من الشباب التركي الرافض للحرب على “دولة مسلمة”، وإعادة تنظيم صفوفه وتنفيذ هجمات إرهابية داخل تركيا أو استهداف المصالح التركية بالعراق وسوريا.
مما سبق، نجد أن الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران هي “سلاح ذو حدين” بالنسبة لتركيا، لأنه من مصلحتها إضعاف منافس إقليمي قوى لها كإيران مما سيعزز النفوذ الإقليمي التركي ليس في الشرق الأوسط فقط بل في جنوب القوقاز وآسيا الوسطى كما سيعزز ثقلها الثقافي في العالم الإسلامي، بيد أن استمرار الهجمات له تداعيات سياسية وأمنية واقتصادية على تركيا سيؤثر عليها في المدى القصير والمتوسط، وعليه فإن القيادة السياسية التركية عليها اتخاذ قرارات حاسمة تحافظ فيها على أمنها القومي وتواجه تلك التداعيات، وتمهد للمشاركة في الترتيبات الأمنية بالشرق الأوسط الذي سيشهد تغييرات بتوازنات القوى الرئيسية به بعد انتهاء العمليات العسكرية، للعمل على ترسيخ وتوسع النفوذ التركي بالمنطقة وتحقيق رؤية (قرن تركيا) التي أعلن عنها “أردوغان” وتقضى بإعلان “تركيا” واحدة من الدول العشر الأوائل بالعالم بشتى المجالات في العقد المقبل.
















