دكتور حامد محمود
مدير مركز أكسفورد للدراسات السياسية والاستراتيجية
المنامة (زمان التركية)ــ لطالما لعبت البحرين دورًا دبلوماسيًا رائدًا ليس فقط في منطقة الخليج، وإنما في المنطقة العربية والشرق الأوسط. وجاء اعتماد مجلس الأمن الدولي للقرار الذي قدمته مملكة البحرين نيابة عن الدول الخليجية والأردن، لإدانة هجمات إيران على عدد من دول المنطقة والمطالبة بوقفها على الفور، وذلك بتأييد 13 عضوًا، فضلًا عن مشاركة 135 دولة عضوًا بالأمم المتحدة في رعاية مشروع القرار الذي قدمته المملكة.
بينما في نفس الاجتماع الذي عُقد الأربعاء الماضي، لم يحصل مشروع قرار مقدم من روسيا – بشأن التصعيد في الشرق الأوسط – على العدد الكافي من الأصوات لاعتماده في مجلس الأمن، فقد أيد مشروع القرار الروسي 4 أعضاء فقط، وعارضه عضوان، وامتنع 9 أعضاء عن التصويت.
ولم يأتِ تحرك الدبلوماسية البحرينية من فراغ، وإنما في إطار سياسة تتمتع بالاتزان الاستراتيجي يقودها الملك حمد بن عيسى آل خليفة، والذي أعلن عن أسفه الشديد للاعتداءات الإيرانية على البحرين والدول العربية الشقيقة، واصفًا إياها بأنها “غير مسبوقة ولا يمكن تبريرها تحت أي ذريعة”.
وأكد العاهل البحريني في أول تعليق رسمي له على الهجمات الإيرانية التي استهدفت بلاده ودولًا عربية شقيقة أن هذه الاعتداءات “غير مسبوقة ولا يمكن تبريرها تحت أي ذريعة”.
وفي إشارة لنهج السياسة البحرينية المتواصل، شدد ملك البحرين على أن “البحرين دولة سلام لم تبادر يومًا إلى استعداء أحد، وتتبع دائمًا سبيل التعاون وحسن الجوار”، مثمنًا الجهود البطولية لقواته المسلحة والأجهزة الأمنية، التي أبدت جاهزية ويقظة عالية، ونجحت في التصدي الحازم للهجمات، مما أحبط المحاولات وحافظ على أمن الوطن وسلامة المواطنين والمقيمين.
وفي رسالة طمأنة منه، أكد ملك البحرين أن البحرين ستظل ثابتة على نهج الحكمة والاعتدال، ماضية في أداء التزاماتها تجاه محيطها العربي والدولي، مشيرًا إلى انضمام البحرين إلى “مجلس السلام المعني بإعادة إعمار غزة” كتعبير عن التزامها بالسلام وإعادة البناء.
ولم يكن هذا الموقف نابعًا من فراغ، فهو يستند لشعبية كبيرة في الداخل، وهو ما شدد عليه الملك حمد في رسالته للداخل، حيث أعرب عن اعتزازه بمشاعر الشعب البحريني الوطنية الصادقة في هذه الأوقات الدقيقة، مشيدًا بولائهم وانتمائهم الذي يجعلهم جديرين بتجاوز الصعاب ومواجهة الأطماع.
ولم ينسَ العاهل البحريني أن يشيد بالتضامن الخليجي والعربي والدولي الذي تلقته البحرين، معتبرًا إياه تعبيرًا عن تقدير العالم لموقفها المعتدل.
ويمكن القول إن تصريحات ملك البحرين، والتي عبرت عن موقف مشترك معبر عن كل دول الخليج، ورسائله للعالم وللمحيط الخليجي والعربي وللداخل البحريني، تؤكد أن البحرين تعد مركز ثقل سياسي هام في منطقة الخليج والعالم العربي، وهذا هو ما ترجمه القرار الصادر عن مجلس الأمن بشأن الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج.
ومن أبرز بنود القرار الذي اعتمده مجلس الأمن، التأكيد على دعم المجلس للسلامة الإقليمية للإمارات العربية المتحدة والبحرين وعُمان وقطر والكويت والمملكة العربية السعودية والأردن، ولسيادتها واستقلالها السياسي، وإدانة بأشد العبارات الهجمات الشنيعة التي تشنها جمهورية إيران الإسلامية على أراضي هذه الدول، فضلًا عن إدانة الهجوم على المناطق السكنية واستهداف الأعيان المدنية.
وتتضمن أيضًا قرار مجلس الأمن الدولي المطالبة بالوقف الفوري لجميع الهجمات التي تشنها إيران، والمطالبة بأن توقف إيران فورًا ودون قيد أو شرط أي استفزاز أو تهديد للدول المجاورة، بما في ذلك استخدام الوكلاء.
بالإضافة إلى التأكيد على أن ممارسة سفن النقل والسفن التجارية للحقوق والحريات الملاحية وفقًا للقانون الدولي يجب أن تُحترم، وخاصة حول الطرق البحرية الحيوية.
وفي رؤية متقدمة للأحداث، نص القرار أيضًا على إدانة أي أعمال أو تهديدات تصدر عن إيران بهدف إغلاق مضيق هرمز أو تعطيل الملاحة الدولية فيه أو التدخل فيها بأي شكل آخر، أو تهديد الأمن البحري في باب المندب.
وهذا يؤكد على الرؤية الاستباقية للدبلوماسية البحرينية للأحداث قبل إغلاق البحرية الإيرانية لمضيق هرمز وتهديد صادرات النفط من الخليج للعالم.
الموقف البحريني جاء في سياق تصعيد عسكري إقليمي حاد شهدته المنطقة منذ أواخر فبراير، حيث شنت إيران هجمات صاروخية وبالمسيرات على دول خليجية عدة، بما في ذلك البحرين والمملكة العربية السعودية والإمارات وقطر والكويت وسلطنة عُمان، بالإضافة إلى الأردن والعراق، كرد فعل على غارات أمريكية-إسرائيلية واسعة النطاق على أهداف إيرانية.
وأدت هذه الهجمات في البحرين إلى إصابات بين المدنيين وأضرار في البنية التحتية، مما دفع القوات المسلحة البحرينية إلى التصدي السريع لها عبر أنظمة دفاع جوي متقدمة.
وبينما أعلنت المنامة أكثر من مرة رفضها استخدام أراضيها كمنطلق لأي عمليات عسكرية، مع التأكيد على التزامها بمبادئ حسن الجوار والتعاون الإقليمي.



















