بقلم: السفير ماهر المهدي
القاهرة (زمان التركية) — إيران الآن في عين العاصفة، لا شك في ذلك؛ فالجميع يشهد هذه العاصفة وهي تحاول تمزيق الجسد الإيراني، والفتك به، والقضاء عليه. وقد سبق أن شهدنا هذا من قبل في مواجهة العراق، الذي سقط -للأسف- مهزومًا إثر مواجهته مع تلك العاصفة: عاصفة الكراهية.
ولكن إيران -ولا شك- كانت تعمل طوال الوقت، ومنذ بدايات الثورة الإسلامية عام 1979، على الاستعداد لهذه العاصفة العاتية، المظلمة الطريق، غامضة النهاية. فقد ذهبت العاصفة بالمرشد العام والقائد العام للثورة، كما أطاحت بجبهة كاملة من قيادات ورموز الحياة في إيران، في هجمات متتالية رمت إلى حرمان إيران من القدرات البشرية الوطنية المتصدّرة لمسيرتها.
وتحت الضغوط الهائلة -من الخارج والداخل- حرصت قيادات إيران على سدّ مقعد الحكم الشاغر، لإثبات وجود نظام ديمقراطي وظيفي قادر على تلبية احتياجات المجتمع الإيراني حتى في ظل الحروب. فاستقرّت العملية الديمقراطية على اختيار ابن المرشد العام الراحل، خامنئي، سيد مجتبى حسين خامنئي، ليصبح قائد الثورة الجديد، الذي خسر أسرته كلها تقريبًا: والده، وزوجته، وشقيقته، وآخرين.
هذا الاختيار، المتمثّل في شخص مجتبى خامنئي، يثير التأمل -في الحقيقة- لكونه ابن المرشد الراحل، وهو ما جاء على غير توقّع كثير من المراقبين، الذين لم يتصوروا أبدًا الإقدام على ما قد يشبه “نظام التوريث” في بلد تديره ثورة قامت على محاربة التوريث منذ سبعة وأربعين عامًا.
ولكن يبدو أن الدولة العميقة كانت أكثر قوة وتأثيرًا في مواجهة قوى الإصلاح والتحديث -مدفوعة بالغضب على اغتيال القائد العام، والرغبة في الثأر له، والكيد لفكره- فرأت في المجيء بابن القائد تعويضًا له، وانتصارًا لنهجه وللدولة العميقة.
وجاء خطاب مجتبى استمرارًا لنهج والده ذي التوجه الثوري المتشدد، الذي يظهر بوضوح في النقاط التالية: الاستعداد لمجابهة العدو والاقتصاص منه، ومطالبته بالتعويضات اللازمة أو إجباره على تحمّلها، أو إلحاق الضرر بما يملك. التأكيد على أن يكون ذكر الله دليلًا للشعب في مواجهة العدوان، مع ضرورة التمسك بالحضور في الساحات، ودعم الوحدة الاجتماعية، والمشاركة الفعّالة في مختلف مجالات العمل الوطني. الانتقام من العدو لكل شهيد إيراني. الاستمرار في استخدام مضيق هرمز، مع احتمال فتح جبهة جديدة. التأكيد على أن إيران ستضرب مصادر الاعتداء عليها.
يبدو مجتبى بارد الملامح، يكسوه الغموض، كما تنطوي ظروف وصوله إلى السلطة على كثير من القسوة والعنف؛ فقد خسر والده وزوجته وشقيقته وآخرين، وهُدم بيته على رأسه في ساعة واحدة على يد إسرائيل.
وقد قضى عمره يتأمل مسار الثورة الإيرانية، ويستذكر أهدافها وهزائمها وإخفاقاتها وأحلامها الكبرى، وسبل تحقيق هذه الأحلام من وجهة النظر الإيرانية.
وللثورة الإيرانية ملامح مميزة؛ منها العداء المعلن والمستفز للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، المتجسّد في شعارات العداء الصريحة، والعمل على نشر المذهب الشيعي خارج إيران كوسيلة للنفوذ السياسي، وهو ما يظهر جليًا في الأذرع التابعة لها في العراق وسوريا ولبنان واليمن والبحرين والسعودية.
ومن هذه الملامح أيضًا التشدد الديني، خاصة فيما يتعلق بحرية النساء، وهو ما يظهر في ممارسات عنيفة تمسّ النساء، بدلًا من المعاملة اللائقة التي تليق بهن في مختلف المجتمعات.
فإذا كان العداء للولايات المتحدة وإسرائيل مفهومًا -في سياق التاريخ السياسي- وكان نشر التشيع وسيلة لتحقيق أهداف سياسية، فإن تقنين العنف في التعامل مع النساء في بلد ذي حضارة وتاريخ ودور عالمي يثير الصدمة، ويدفع إلى الرفض الصريح لهذا النهج.
وقد خسرت إيران -بسبب إهدار حقوق المرأة- ربما أكثر مما خسرته نتيجة العداء السياسي مع الولايات المتحدة وإسرائيل. فالخلافات السياسية جزء من طبيعة الحياة الإنسانية، أما الاعتداء على المرأة وقهرها، فيتعارضان مع القيم الإنسانية، ويقوضان أي إنجاز مجتمعي.
كما يسهم ذلك في تعزيز مشاعر الرفض لدى شريحة من النساء داخل المجتمع الإيراني، ويمنح خصوم إيران مبررات إضافية لاستعدائها وتبرير الاعتداء عليها.



















