بقلم: السفير ماهر المهدي
القاهرة (زمان التركية) — الاستقلال، الاستقلال، والاستقلال أو الموت الزؤام هما شعاران طالما رددتهما الشعوب، وما زالت الشعوب الرامية إلى إنشاء دولتها الخاصة تحلم بهذا الشعار وتردده في صدورها وفي بيوتها وفي كل مكان، لعلّ الوجود ينصت إلى آمالها ويبارك خطواتها ومعاركها المختلفة.
ولكن الواقع أيضًا يشهد معنا قيام دول كثيرة جديدة، مما اعترف به العالم وما لم يعترف به كله أو بعضه أو غالبيته، مثل قبرص الشمالية وصوماليلاند وجنوب السودان وغيرها من الدول، بينما قد لا تستطيع هذه الدول الوقوف على قدميها كدولة تنتج وتصنع وتملك القوة العسكرية القادرة على حماية البلاد، وتملك القدرة على اتخاذ القرار المناسب لها في مواجهة الداخل والخارج دون الخضوع لأحد.
فمن لا يمتلك قوت يومه ويحتاج إلى الخارج حتى يقتات ليس بمستقل في الواقع، ومن لا يملك القدر اللازم من القوة العسكرية ولا يستطيع حماية نفسه في مواجهة العداء الخارجي فاستقلاله منقوص. واتخاذ قرار أو تبني رأي خاص يحتاج إلى القدرة الذاتية على رعاية الذات، وإلا وصلنا في الغالب إلى طرف بلا رأي في كثير من الأحيان، وهو طرف لا يتمتع في الحقيقة بالاستقلال الذي يتغنى به الناس ويشيدون به.
ويبقى استقلال مثل هذا الطرف أو البلد ربما عند حدود الغناء، فهذا البلد هو تابعٌ للدائن أو للدائنين الذين يحتاج إليهم في حياته بدرجات تختلف بحسب الأحوال: هذا لاستيراد الغذاء، وهؤلاء من أجل الاقتراض، وذاك من أجل استيراد الطاقة والسلاح وغيرهما من الاحتياجات الأساسية.
الإنسان يطوق إلى “الحرية” وإلى الإحساس بأبهة السيطرة وعدم الخضوع لأحد، والتمتع باتخاذ القرارات المصيرية التي قد تشكل حياة الملايين من البشر. والمدهش أن هذه الرغبة الإنسانية هي رغبة جامحة لا تقوى عليها الموانع المختلفة ولا ظلال النتائج المستقبلية الوخيمة التي قد تلوح في الأفق أو تظهر خلف السحب الرمادية.
ولكن الحياة تقوم على الأسباب وليس على التمني والأحلام وحدهما، بحيث إن الركون إلى الأحلام والأماني يؤدي في الغالب إلى السقوط، وليس السقوط طيرانًا كما يقولون. ولذلك نجد الآن الباحثين في العلوم السياسية يأتون بمصطلح “الحكم الذاتي المادي” ليزاحم كثيرًا من المصطلحات إلى سطح الاهتمام في شكل واضح لا لبس فيه، بالاقتران بالصفة المادية القاطعة.
ففي فورة الاستقلال السياسي يتوه الكثير من الزعماء عن الهدف الحقيقي للصراع، وهو رفاهية المواطن وأمانه وسعادته، وليس رفاهية القادة واحتفالاتهم بالانتصارات غير المكتملة. فالانتصارات غير المكتملة تقتات على موائد الشعوب وتستنزفها دون توقف، باسم البطولة وباسم الشمم والكبرياء والفخر، وباسم الأمجاد القديمة والجديدة.





