أنقرة (زمان التركية)- تأكد رسمياً أن الحريق الذي اندلع في إحدى محطات شبكة “ستارلينك” للأقمار الصناعية في بولندا — وهي محطة توفر خدمات للبنية التحتية للإنترنت التي يستعين بها الجيش الأوكراني — كان ناتجاً عن عمل تخريبي متعمد.
وألقت السلطات الأمنية في ألمانيا القبض على مواطنَين تركيَين للاشتباه في تنفيذهما الهجوم، في حين أعلنت السلطات البولندية أن المشتبه بهما يواجهان اتهامات بتنفيذ عمليات تخريب لصالح جهاز استخبارات أجنبي.
وفي مساء يوم 23 سبتمبر/أيلول 2026، اندلع حريق بحري في محطة الاتصالات الفضائية الواقعة ببلدة “فولا كروبوفسكا” (Wola Krobowska)، على بعد نحو 50 كيلومتراً جنوب العاصمة البولندية وارسو.
وطال الحريق بشكل خاص المحولات والمولدات الكهربائية في البنية التحتية للمنشأة، حيث خاضت فرق الإطفاء مواجهة استمرت لأكثر من ست ساعات للسيطرة على النيران وإخمادها.
وتلعب المحطة، التي تشارك في إدارتها شركة الاتصالات الحكومية البولندية “إكساتيل” (Exatel)، دوراً حيوياً في نقل وتوجيه حركة البيانات عبر الإنترنت.
وتتضمن هذه البنية التحتية الاتصالات التي يعتمد عليها الجيش الأوكراني في مواجهته للغزو الروسي؛ إذ تُعد شبكة “ستارلينك” شرياناً رئيسياً للتنسيق والتواصل بين الوحدات الأوكرانية الميدانية.
عقب الحادث مباشرة، فتحت السلطات البولندية تحقيقاً موسعاً تحت شبهة التخريب والإرهاب، حيث تبحث النيابة العامة احتمال تنفيذ الجريمة لصالح جهاز استخبارات أجنبي.
وجمع فريق مشترَك من وكالة الأمن الداخلي البولندية (ABW) والشرطة عينات من الحمض النووي (DNA) والبصمات وتسجيلات كاميرات المراقبة من موقع الحادث، كما تمكنوا من إعادة تتبع خط سير حركة المشتبه بهما.
وأعلن وزير الداخلية البولندي، مارشين كيرفينسكي، في 12 أكتوبر/تشرين الأول، عن إلقاء القبض على مواطنَين تركيَين في ألمانيا، وهما أوميت إي. (38 عاماً) ومسلم ت. (34 عاماً)، حيث جرى توقيفهما في مدينة نورتينغن بالقرب من شتوتغارت.
ووفقاً لبيان وكالة الأمن الداخلي البولندية، وُجهت الاتهامات للمشتبه بهما في 7 أكتوبر/تشرين الأول وصدرت بحقهما مذكرات تفتيش، تلتها مذكرات توقيف أوروبية.
وتمت العملية بالتنسيق بين المكتب الفيدرالي للشرطة الجنائية في ألمانيا (BKA)، وشرطة ولاية بادن-فورتمبيرغ، والكتب الفيدرالي لحماية الدستور (BfV)، وأُمر بحبسهما احتياطياً بقرار قضائي في اليوم التالي.
وتتواصل حالياً الإجراءات القانونية لتسليم المشتبه بهما إلى بولندا، حيث تُعنى محكمة الاستئناف العليا في شتوتغارت بالبت في قرار التسليم.
وكشفت عمليات التفتيش التي أُجريت في ألمانيا عن ضبط أجهزة إلكترونية بالإضافة إلى أسلحة وذخائر.
وأكدت السلطات البولندية أن التهمة الموجهة للموقوفين هي تنفيذ أعمال تخريبية لحساب جهاز استخبارات أجنبي، وهي جريمة تصل عقوبتها في القانون البولندي إلى السجن لمدة تتراوح بين 10 سنوات والسجن مدى الحياة.
وأظهرت نتائج التحقيقات أن المشتبه بهما المقيمَين في ألمانيا دخلا الأراضي البولندية في 23 سبتمبر/أيلول عبر معبر “شفيتسكو” الحدودي.
وبعد توقفهما في مدينة وودج، توجها إلى “فولا كروبوفسكا”، وقاما بإضرام النار ثم عادا فوراً إلى ألمانيا.
وأشارت تقارير صحفية ألمانية إلى أن المشتبه بهما استخدما سيارة من طراز “Mini Clubman” تحمل لوحات تسجيل ألمانية من منطقة كارلسروه، ويُعتقد أن امرأة تركية تبلغ من العمر 24 عاماً هي من كانت تقود السيارة.
وأكدت وكالة الأمن الداخلي البولندية والمكتب المركزي للتحقيقات والنيابة العامة أن الحريق كان متعمداً.
وأظهرت تفريغات كاميرات المراقبة دخول شخصين ملثمين بعد تسلق السور المحيط بالمنشأة، وسكب مادة قابلة للاشتعال، ثم إضرام النار في معدات التحكم الخاصة بالشبكة، قبل أن يغادرا الموقع بعد ثلاث دقائق فقط.
وذكرت صحيفة “وجيتشبوسبوليتا” البولندية أن دورية شرطة أوقفت المشتبه بهما في اليوم التالي قرب بلدة “غروجيتس” للتحقق من الهوية، لكن أُفرج عنهما لعدم كفاية الدلائل حينها.
ولاحقاً، أفاد سائق سيارة أجرة في وارسو بأنه نقل الراكبَين وسمعهما يتحدثان مصطلحات من قبيل “عملية”، و”قاعدة”، و”قمر صناعي”، فقام بتسجيل المحادثة وتسليمها للشرطة.
كما شملت الاعتقالات أشخاصاً آخرين يُشتبه بتقديمهم دعماً لوجستياً، من بينهم شخص في حي “شبانداو” ببرلين، وامرأة يُعتقد أنها ساهمت في نقل المشتبه بهما، مما يرفع عدد المشاركين المباشرين في العملية إلى ثلاثة أو أربعة أشخاص.
ووصف رئيس الوزراء البولندي، دونالد توسك، الحادث بأنه “عمل جديد من أعمال الحرب الهجين”.
ومن جانبه، أكد الوزير المنسق للأجهزة الخاصة، توماش سيمونياك، أنه “لا يساوره أدنى شك” في أن الاستخبارات الروسية هي من تقف خلف العملية، مشيراً إلى أن موسكو باتت تعتمد بشكل متزايد على عناصر مرتبطة بالجريمة المنظمة لتنفيذ مثل هذه المهام.
كشفت مجلة “دير شبيغل” الألمانية، استناداً إلى مصادر مستقلة من عدة دول، أن التحقيقات امتدت لتطال تنظيم “الدالتونز” (Daltonlar) الإجرامي المنظم الذي يتخذ من تركيا مقراً له.
وأوضحت المجلة أن المشتبه بهما قد يكونان أفراداً في هذه العصابة أو تم تجنيدهما من قبلها لتنفيذ الهجوم لحساب الاستخبارات الروسية، وإن كانت هذه الصلة لم تُؤكد بشكل رسمي بعد.
وتُعرف عصابة “الدالتونز” بنشاطها في تركيا وألمانيا وعدة دول أوروبية في مجالات الإتاوات، وتهريب الأسلحة، والقتل المأجور. وكان زعيم العصابة الملقب بـ “كان دالتون” (براتجان غوكتدمير) قد أُلقي القبض عليه في روسيا عام 2024.
وتفيد مصادر أمنية ألمانية بأن غوكتدمير لم تُسلمه روسيا رغم طلب أنقرة، بل سُمح له بمواصلة نشاطه تحت الحماية هناك، ولا يُعلم يقيناً ما إذا كان لا يزال داخل الأراضي الروسية.
وأشارت المجلة إلى أن ثبوت صلة عصابة “الدالتونز” بالحادث يمثل تحولاً في أساليب التخريب الروسية في أوروبا؛ حيث كانت الاستخبارات الروسية تعتمد سابقاً على عملائها المباشرين أو صغار المجرمين الذين لا يدركون حجم المخطط، بينما يشير التعاون مع العصابات المنظمة إلى تكتيك أشد خطورة.
وكانت وزارة الداخلية الألمانية قد حذرت في مايو/أيار 2026، في ردها على استجواب برلماني، من أن الاستخبارات الروسية قد تستغل شبكات الجريمة المنظمة لتنفيذ عمليات تخريب واغتيالات.
كما صرح رئيس المكتب الفيدرالي لحماية الدستور، سينان سيلين، بأن التهديد الناتج عن التنسيق بين أطراف ووسائل هجوم متنوعة أخذ في التزايد، مشيراً إلى أن مثل هذه العمليات لا تأبه بالخسائر البشرية وتعدها أضراراً جانبية.
على صعيد متصل، شهدت بلغاريا في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2026 حريقاً مماثلاً في إحدى محطات “ستارلينك”، دون أن تعلن السلطات حتى الآن عن وجود صلة مباشرة بين الحادثين.


















