بقلم: السفير ماهر المهدي
القاهرة (زمان التركية)—إن تفجّر منطقة الشرق الأوسط بالصراعات والأزمات الآن قد يستدعي التزام الحيطة والبعد عن النزاعات ومراعاة الحساسيات المتعددة أكثر من أي وقت مضى. إن الأوضاع المنصهرة كحمم البركان في الكثير من دول المنطقة تضع خيارًا واحدًا أمام الأعين، ألا وهو تقديم المصلحة الوطنية على كل الاعتبارات الأخرى. ونظرة أخرى إلى الأعباء الاقتصادية الداخلية المرهقة تبث رعشة قوية في الأبدان من هول احتمالات السوء ونذر الشر التي قد يأتي بها صراع عسكري هنا أو هناك.
كما أن الصراعات العسكرية تبدأ حين تبدأ وتنتهي حين تنتهي، مثلما نرى في الحرب الروسية الأوكرانية المستمرة منذ حوالي أربع سنوات، مع استمرار الخسائر المادية والبشرية الهائلة لكل الأطراف المباشرة وغير المباشرة أيضًا. بل إن الولايات المتحدة الأمريكية، التي تتمتع بميزة البعد الجغرافي وتنجو – بسبب هذا البعد – من تحوّل أراضيها إلى ساحة حرب، قد تجد أراضيها مسرحًا للحرب بفضل التقدم الهائل في عالم السلاح وفنون الحرب والقتال.
من ناحية أخرى، قد تُعد واقعة مسيّرة دمياط في 29 يوليو 2026 واقعة استثنائية في الحقيقة، بالنظر إلى اعتدال السياسة الخارجية المصرية وحرصها على أن تكون عامل سلام واستقرار في المنطقة وفي العالم أجمع، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى عبر مسيرتها الطويلة.
أما واقعة الاعتداء التي تمت باستخدام طائرة مسيّرة صغيرة الحجم – وفقًا للتقارير الإعلامية المنشورة – ضد الجانب الأيمن من سفينة تخزين الغاز الأمريكية «إنرجوس وينتر»، فقد ترمي إلى عدة أهداف، على رأسها: اختبار وسائل الدفاع الجوي المصري، واختبار رد الفعل المصري – على مختلف المستويات الشعبية والإعلامية والسياسية – وخلق دائرة إثارة جديدة في المنطقة، وإظهار القدرة على استهداف مصر، ودق بذور الشك تجاه عدة دول محيطة تشمل إيران وإسرائيل وإثيوبيا ودولًا وجهات أخرى، بالنظر إلى السهولة النسبية لاقتناء هذه المسيّرات الآن وتسييرها وتشغيلها حول العالم، وسهولة التصنيع المحلي أيضًا.
وقد سارع كثيرون إلى توجيه الاتهامات، بينما حرصت الحكومة المصرية على التأني والتحلي بالصبر والتؤدة، ريثما تدرس وتستقصي مصدر وأسباب هذه الضربة الغادرة، وأفضل السبل للرد عليها وعلى من يقفون وراءها.
في الحقيقة، أستبعد شخصيًا أن تكون إسرائيل مصدر هذا العدوان، وكذلك أستبعد إيران وإثيوبيا؛ لوجود قنوات اتصال مفتوحة بين مصر وهذه الدول، ووجود قدر عالٍ من التقدير المتبادل بين مصر وهذه الدول التي تدرك حجم مصر ودورها، وتدرك سلامة النوايا المصرية تجاه الجميع دون تفرقة.
فهناك مصالح تتفق وتختلف بالطبع، ولكن جميع الأوراق المصرية مكشوفة وصريحة، وهو الأمر الذي قد يثير الدهشة من إقدام البعض على استفزاز مصر. ولكن من المفهوم أن هناك جهات من المرتزقة، ودولًا من أصحاب المصالح الطامحة إلى دور عالمي يرفضه الكثيرون، لما يشوب تصرفات وسياسات هذه الدول من سوء الرائحة وعطن النوايا الكامنة، بحيث صار هذا الدور المأمول حلمًا بعيدًا على أرض الواقع وأمام الناس حول العالم.
لا شك أن الحكمة هي الوسيلة الأمثل للتعامل مع هذه الاستفزازات الواضحة الرامية في النهاية إلى تشتيت جهود الدولة المصرية – على مختلف الأصعدة – والتأثير على مسيرتها نحو المزيد من التنمية والتطور في مصر، وتعكير صفو العلاقات الجيدة مع الدول الصديقة والجارة، والتي قد ترشحها الظروف الإقليمية المتوترة الراهنة للتصورات الواهنة التي تكذبها الحقائق وأطر التعاون والحرص على تحصين العلاقات، حتى في أشد الأحوال ظلمة.
ولا شك ولا ريب، ولا يخطرن على قلب أحد أبدًا، أن التنمية في مصر، واستقرار وتقدم الاقتصاد المصري، ورفاهية المواطن المصري، هي أهداف تتقدم على كل الأهداف الأخرى، مهما كانت هذه الأهداف الأخرى. إن هذه الأهداف هي عوامل القوة والعزة الوطنية التي نرنو إليها في الحاضر والمستقبل المصري.


















