بقلم: حازم ناظم فاضل
عندما يحارب العلم في عقر داره ويكمم أفواه الأكفاء حتى لا ترى يرتفع صوت، وتعصف العواصف حول المثقفين الأصلاء لإصرارهم على الحق ورفضهم الباطل، حينها يغدو الجهل عملة متداولة، ويكشف الإستبداد عن وجهه القبيح، لينشر بين الناس أكاذيبه ويعمم ثقافة الجهل بين أبنائها، ليحجب الحقيقة ويمنع العقول من الاجتهاد، والفكر من الحركة، وعندها يعيش الإستبداد ويقفز على الحكم ويبقى بسبب جهل الناس، ويغلق أبواب ونوافذ العلم والمعرفة على الناس بألف طريقة وطريقة.
وقد شخص الأستاذ النورسي أعداؤنا بثلاث، فقال : إن عدونا هو الجهل والضرورة والاختلاف، وسنجاهد هؤلاء الأعداء الثلاثة بسلاح الصناعة والمعرفة والاتفاق.( صيقل الإسلام، ص442).
فالجهل، والضرورة، والاختلاف.. عناصر الشر العريق الخالد.. ثالوث الشقاء الأسود الذي تبتلى به الإنسانية. فلا سبيل مطلقاً إلى الرقي المنشود إلا إذا تبدد ظلام الجهل، وخرج الناس من هوة الجهل التي ألقوا فيها عمداً، وتحرر عقولهم التي كبلتها أغلال الجهل.
فالذين يطفئون مصابيح العلم، ويضعون مكانها قناديل الجهل، وينسخون عقول الناس بقوة الجهل، تتخبط مجتمعهم في دياجير الجهل والفوضى، ويظل الجهل مخيماً على السواد الأعظم من أهلها، ويزيد الطين بلة ما عليه أغلب إنسان هذا العصر من سرعة التصديق والتأثر بما يقال دون تمحيص وفحص.
والحكومة التي يسوقها الجهل، وتكون دولة الجهل فيها غالبة على دولة العلم، ويستمتع حكامها بلذة الجهل ويسعدهم، ويكبلون العقل البشري بقيود الجهل والاستبداد! ويتركون مجتمعهم ضلالاً في ظلام الجهل، ويحرمون عامة الناس من أن يفتحوا أعينهم للضياء، وينشرون جراثيم الجهل، فهم بذلك يفتحون الباب للفوضى والإرهاب وللأزمات والاضطرابات الاجتماعية، ليقضوا على الأُسر ويهدّوا من بنيان المجتمع.
يقول بطل المحبة : ” فنحن اليوم أمام مفترق الطرق: إما أن نبقى أو نزول. فبعد كل هذه الأزمات الخانقة إما أن نذعن لسلطان العقل كأمة وننجح في تأسيس العالم الذي نتصوره ونتخيله فنصل إلى شاطئ السلامة أو -والعياذ بالله- نتقهقر إلى الوراء بسبب مصالح ضيقة ومنافع آنية تجعل نتائج كل هذه الآلام التي تجرعناها هباءً منثوراً ودون أي ثمرة”.(الموازين)
ويقرر أن: “الجهل أسوأ صديق. والعلم أخلص صديق”.
وقد تفننت عبقرية الجهل في اختراع استراتيجية:
(1) لمنع العامة من الوصول إلى المعرفة الأساسية في مجالات العلوم والاقتصاد وعلم النفس وعلم الأعصاب، وعلم التحكم الآلي :”حافظوا على اهتمام الرأي العام بعيداً عن المشاكل الاجتماعية الحقيقية ، اجعلوه مفتونا بمسائل لا أهمية حقيقية لها . أبقوا الجمهور مشغولاً ، مشغولاً ، مشغولاً ، لا وقت لديه للتفكير، وعليه العودة إلى المزرعة مع غيره من الحيوانات. (الأسلحة الصامتة لخوض حرب هادئة، ناعوم تشومسكي) ..
(2) وفي الباس الجمهور ثوب الجهل وإبقاءه غير قادر على فهم التقنيات والأساليب المستعملة من أجل السيطرة عليه واستعباده وغرقه في بحار الجهل ونشر وباء الجهل بينهم وانحلال الخُلق. “يجب أن تكون نوعية التعليم الذي يتوفّر للمستويات التعليميّة الدنيا سطحيّاً بحيث تحافظ على الفجوة التي تفصل بين النخبة والعامّة وأن تبقى أسباب الفجوة مجهولة لدى المستويات الدنيا”. (المصدر نفسه)
لذا نبه مهندس الخدمة الى هذا بقوله: ” لا يظهر اليوم عندنا مكتشفون ولا مخترعون… بل يظهر المقلدون. نحتاج إلى نفسية متمردة تقوم بتغيير كل شيء تقريباً. يجب أن يتغير كل شيء: الكتاب… المدرسة… ومن أجل هذا التغيير فإن البداية بالنقد هي الأساس”. (الموازين) .. وأشار الى أن “الجهل قناع على وجوه الأشياء، والشخص الذي لا يمزق هذا القناع عن وجهه شخص نكد الحظ لا يستطيع النفوذ أبداً إلى الحقائق الكونية السامية. وأكبر جهل وأعظمه هو الجهل بالله تعالى. وعندما يترافق هذا الجهل مع الأنانية فإنه يتحول إلى جنون لا يمكن الشفاء منه”.
من أجل ذلك .. بدأ مهندس الخدمة بتشجيع فتح المدارس، ورسم الخطوط العريضة لمشروعه، ووضعه حيز التنفيذ، نستخلصه بما يأتي:
(1) مزج العقل مع القلب، والعلمُ بهذا المفهوم هو معرفة وحب وثقافة ضمير. وهو يُطلق هذا الاسم “ثقافة القلب والضمير”.
(2) لقد نفثت هذه المدارس الحركةَ والحيوية لنظام التعليم في تركيا، وكانت عاملاً في زيادة الاهتمام بنظام التعليم سواء في الأوساط المؤيِّدة لهذه المدارس أو المعارِضة لها.
(3) جلب مفهوم التضحية إلى نظام التعليم، لأن التعليم سِباق طويل المدى وصعب؛ فهو يستلزم تضحية جدية، وتحملاً وصبراً على الآلام والمشاكل.. والتضحية كانت أهم عامل في نجاح هذه المدارس؛ فهناك الآلاف من الذين هرعوا إلى خدمة التعليم بكل شوق وبكل رغبة. وأدوا هذه الخدمة ناذرين أنفسهم لخدمة الإنسانية، وراضين بالعيش بكل تقشف وزهد.
(4) من الأمور الجديدة التي قدمها في موضوع نظام التعليم والتربية هي هذه النظرة الشاملة للعلاقة بين الإنسان والكون والله.
(5) إنَّ إصلاح أي أمَّة لا يكون بالقضاء على الشرور، بل بتربية الأجيال تربية صحيحة، وبتثقيفها ثقافة صحيحة، ورفعها إلى مستوى الإنسانية الحق.
(6) بناء مدارس، ذات مقاييس عالمية عالية، قوية ومتميزة، متفوقة ورائدة… تفرض إيقاعها على الأمَّة كلِّها، ولا يقدر أحد على إذايتها أو التنكر لها.
(7) تفاني المعلمين، وجودة المناهج، والرؤية العامة التي تنشرها المدرسة -عن طريق المعلمين- فيما يتعلق بالإنسانية العالمية والتعليم والتسامح والحوار.
(8) قامت هذه المدارس بمدرسيها وأساتذتها وكوادر الإدارة فيها بصنع نسيج لين ورقيق من العلاقات الحميمة المشتركة بين أناس يختلفون في الدين والثقافة والحضارة.
(9) أحدث حركةً واسعة وتأثيراً على النطاق الدولي في الساحة الثقافية والاجتماعية والدولية.
(10) إن هذه المدارس أحيت العلاقاتِ العائلية الحميمة السابقة، وأحيت المشاعر والعواطف الحميمة الظاهرةَ عادةً في العائلة والمحلة والبيئة الاجتماعية الصغيرة، وبَعثت من جديد الأنموذجَ الماضي للإنسان البطل المضحي، الذي ينذر نفسه لأمته ولوطنه وللإنسانية جمعاء بكل المحبة، والذي اختفى أنموذجه في هذا العصر المادي الأناني اللاهث وراء المصالح الذاتية. هذا هو الكادر والروح المسيطر على هذه المدارس. فكلهم شرب من كأس المحبة وعجن بعجين الفداء والتضحية.
https://youtu.be/K5U-uNzjjwI

















