برلين (الزمان التركية) – قد تكون مشاكل العرب والمسلمين فى بلادهم كثيرة ولاتنتهي، ولكن أيضا مشاكلهم خارج بلادهم ليست بالقليلة وتطاردهم سواء فى حياتهم أو مماتهم، ولنا فى مسلمي ألمانيا عبرة، خاصة مع تزايد أعداد الجيل الثاني من المسلمين، وقدوم المسلمين اللاجئين الذين قد لا يستطيعون العودة لها ليبلادهم ولو حتى فى أكفان.
وفى تقرير لصحيفة الالمانية FrunffurterAllgemeineGesellschaft تشير الصحيفة للمشاكل التى تواجه مسلمين المانيا أثناء عملية الدفن، خاصة وأن ذلك يسبب بعض الإشكاليات بالنسبة للسلطات الألمانية، خاصة في البلديات الصغيرة.
وهذا وقد عرض التقرير المطول مشهداً لجنازة شخص مسلم في مقبرة “الاثني عشر رسولاً” في برلين، حيث يفترض أن يتم دفن الميت في غضون عشر دقائق، لا يوجد في مكان الدفن شيء غير حفرة بطول 213 سنتيمتراً وعرض 89 سنتيمتراً، وحوالي عشرة رجال بينما تنهمر الأمطار بغزارة، وتقول الصحيفة أن هولاء المسلمون الحاضرون أمام المقبرة لدفن الميت الذي يكون جسده متوجهاً نحو مكة، على أن يكون متوجهاً أيضاً نحو البنايات الشاهقة التي تعانق السماء في المنطقة الصناعية المجاورة أيضاً، كما أنهم لا يتضايقون من الضجيج الذي تصدره السيارات المارة على الطريق السريعة المجاورة. في المقابل، يرفض هؤلاء المسلمون تماماً أن يتم دفن مسلم على بعد أربع خطوات فقط من قبر شخص مسيحي، حيث يعتبرون ذلك أمراً غير مقبول البتة.
وفي الأثناء، حاول الموظف المسؤول عن المقبرة تهدئة هؤلاء المسلمين، قائلاً إن “الأرض هي الأرض في كل مكان”، ولكن هؤلاء الحاضرين كان ينتابهم شعور مغاير، وقد انخرطوا في نقاش باللغة العربية، يعكس مدى تبرمهم من هذه المسألة.
فحسب تقرير الصحيفة فإن هناك أمراً واحداً مؤكداً وهو أن المزيد والمزيد من المسلمين يتم دفنهم في ألمانيا، وفقاً لرغباتهم الشخصية وما يوصون به، ففي برلين وإلى حدود سنة 2014، تم دفن 13 مسلماً فقط دون وضعهم في التابوت، ولكن هذا العدد ارتفع في السنة الموالية إلى 147.
وبتسليط الضوء على مكان اخر، أشار الصحيفة الى مركز الجنائز الإسلامية في برلين، التى لا توجد ستائر داكنة أو غرف مظلمة، ولا أي شيء يوحي بأنه مكان يقام فيه مراسم الدفن، فكل ما تلمحه عينك هو الأرائك الجلدية المريحة وخريطة ألمانيا الملونة بالأخضر والأحمر، واللافتة المزينة التي كتب عليها نحن نهتم بعمليات الدفن في كامل أنحاء البلاد، ويعلق صرح المدير المؤسس لهذا المركز، إيسيكالي كاراييل بنبرة ضاحكة (حسب وصف الصحيفة الالمانية) قائلاً: أنا لست فقط مؤسس هذا المكان، بل أول من أطلق هذه المبادرة في برلين، إذ أن حوالي 70% من العائلات تفضل دفن موتاها في ألمانيا.
ويعزى السبب في ذلك إلى أنه في معظم الحالات تكون رحلة العودة إلى مسقط رأسهم مكلفة جداً، حيث يتراوح ثمن تذاكر الطيران فضلاً عن بقية المصاريف الأخرى بالنسبة لعائلة صغيرة بين 5 آلاف و10 آلاف يورو”.
في الحقيقة، وبقطع النظر عن رغبة العائلات المسلمة في البقاء في ألمانيا أو العودة، فإنه من المهم جداً بالنسبة للمسلمين أن يقوم أفراد العائلة بأنفسهم بكافة الإجراءات والمراسيم اللازمة من الألف إلى الياء. وفي هذا الصدد، أورد كاراييل، أن “المشاركة في عملية الدفن تجعل الإنسان يوقن تماماً بأن هذا الشخص العزيز عليه قد توفي فعلاً، وتدفعه لاستيعاب المسألة فيما بعد وتجاوزها”.
كما يوضح كاراييل أنه من خلال ممارسات المسلمين تكون علاقة جسد المتوفى أكثر انسجاماً مع الطبيعةفي الوقت نفسه، تعتبر مشاركة الأشخاص في هذه العملية نوعاً من التقوى وطريقة لإظهار الاحترام للميت ولعائلته، وفي السياق نفسه، أشار كاراييل إلى أنه دائماً ما يواجه مشكلة في إقناع اللاجئين، الذين لا يدركون ما يجب فعله حسب القوانين الألمانية، فيما يتعلق بمراحل دفن الميت، على غرار تغسيل الجثة وحمل النعش ونقله إلى المقبرة بواسطة شركة متخصصة، حيث يرغب اللاجئون في المشاركة في كافة المراحل بأنفسهم.
وفي نهاية شهر يناير/كانون الثاني 2017، اضطر كاراييل إلى تجهيز جثة مواطن من أصول تركية من المفترض أن يتم إرسالها إلى بلده الأصلي، لوحده. عادة ما كان كاراييل يقوم برفقة مساعدته بتحضير الجثة لهذه الرحلة، من خلال تغسيلها ولفها بشكل جيد ووضعها في صندوق خشبي، مع لافتة تشير إلى ضرورة التعامل بحذر مع هذا الصندوق، في حين كتب عليه اسم الشخص. في المقابل، رفضت عائلة الميت مشاركة امرأة في عملية التحضير، ولذلك عجزت مساعدة كاراييل عن القيام بعملها.
ويضيف كاراييل قائلا: أعتقد أن الجالية المسلمة قد قطعت شوطاً كبيراً في التأقلم مع القوانين الغريبة عن الثقافة الإسلامية فيما يخص الدفن، فقد وقعت الكثير من التغيرات في السنوات الأخيرة، وصدرت فتاوى عديدة لحل جُل المشاكل المتعلقة بالدفن، مع العلم أن التعاليم الإسلامية تنص على وضع الميت في القبر دون تابوت خشبي، وتوجيهه نحو القبلة، وتغسيله بطريقة محددة، فضلاً عن التعجيل بالدفن، والقيام بذلك في تربة طبيعية، والان أصبحت كل الولايات الألمانية تقريباً تسمح للمسلمين بوضع موتاهم مباشرة في القبر دون الحاجة لوضعهم في توابيت. في المقابل، تمنع كل من ولاية ساكسونيا وساكسونيا أنهالت، وبافاريا المسلمين من القيام بذلك. في المقابل، وعلى امتداد العديد من السنوات، سعى حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي وأحزاب المعارضة الألمانية إلى تغيير القوانين المنظمة للجنائز.
وحسب تعليق كورينا كونين الباحثة في الشؤون الدينية، فتقول أن هناك نقطة مهمة يختلف فيها المسلمون عن المسيحيين الألمان أثناء عملية الدفن، وهى أن المسلمين لا يحبذون فكرة إخضاع عملية الدفن لمؤسسات رسمية، وقد أخذت هذه المسألة تظهر أكثر في صفوف المسلمين المهاجرين فقط، حيث اضطر كثيرون منهم للتأقلم مع القوانين البيروقراطية والتراتيب المفروضة في ألمانيا، التي تنظم هذه المسألة وتخرجها من دائرة التطوع والرغبة الشخصية.
وتواجه عملية دفن المسلمين بالمانيا مشاكل أخر أبرزها التى يعاني منها مركز الدفن الإسلامي في برلين العديد، من صعوبة في التعامل مع زبائنه الذين يريدون دفن موتاهم في مقبرة الاثني عشر رسولاً، فغالباً لا يكتفي بعض المسلمين بقطعة الأرض المخصصة لهم، مما يجعلهم يدخلون في جدال مع السلطات المحلية المسؤولة عن إدارة المقبرة للمطالبة بحقهم في مساحة أكبر.
أما الامر الثاني فهو يتعلق بقوانين البلديات في ألمانيا التى لا تسمح لأهالي الميت بدفنه لفترة غير محددة، كما هو الحال بالنسبة لتعاليم الإسلام، ففي أغلب مدن ألمانيا تحدد فترة الدفن بين 20 و25 سنة، وفي حال أصرت عائلة الميت على مواصلة دفنه في مكانه، فستضطر لدفع مبالغ مالية كبيرة للسلطات، وهنا يتعامل العديد من المسلمين بمرونة مع هذه القوانين والظروف، حيث يقبلون بفترة دفن محددة، ووضع الجثة داخل نعش، حتى أن بعض النساء يفضلن أن يتم دفنهن داخل النعش حتى لا يلمس أجسادهن رجال غرباء أثناء عملية النقل والدفن.
جدير بالذكر أن في أكتوبر/تشرين الأول 2016، قدم حزب الخضر مشروع قانون بهذا الشأن، ولكنه فشل في تمريره في البرلمان. وفي هذا الصدد، صرح النائب لودفيك فون ليرخنفيلد، مفسراً أسباب هذا الرفض، أن “سكان بافاريا يريدون التمسك بعاداتهم فيما يتعلق بحفظ الجثث، ويرفضون تغييرها أو التأثر بطقوس ديانات وثقافات أخرى”.

















