تقرير:محمد طاهر
هل نتيجة الاستفتاء الذى أجرى أمس الأول في تركيا لتمرير التعديلات الدستورية والتى من شأنها تغيير نظام الحكم في مصلحة العلاقات التركية الأوروبية أم ستؤثر سلبيا على هذه العلاقات .. هذا ما يتحدث عنه الباحث : محمد طاهر في المقال التالى والذى يقول فيه :
نجح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بتمرير التعديلات الدستورية المقترحة التى سبق و وافق عليها البرلمان التركى فى يناير الماضى قبل أن تؤكدها نتيجة الاستفتاء الجماهيرى الذى جرى أول أمس، فوفقاً لوكالة أنباء الأناضول الحكومية، بلغت نسبة الموافقين على التعديلات 51.3 % بينما بلغت نسبة الرافضين 48.7 %.
ومما لا شك فيه أن نتيجة هذا الإستفتاء الحاسم من شأنها أن تزيد من الصلاحيات الدستورية التنفيذية المخولة للرئيس التركى أردوغان عن طريق تغيير نظام الحكم فى البلاد من النظام البرلمانى للنظام الرئاسى، فهذة التغييرات الجوهرية ستمنح أردوغان السلطة المطلقة لاختيار أو رفض تعيين نائب الرئيس والوزراء والمسؤولين الحكوميين الكبار، وبإمكانه أيضاً أن يقر الموازنة العامة للدولة بموجب مرسوم رئاسى دون موافقة برلمانية، كما يستطيع حل البرلمان وعقد إنتخابات برلمانية ورئاسية والتى ستُعقد منذ الآن فى نفس التوقيت وسيكون قادرا على الترشح لفترتين رئاسيتين تبدأ من 2019 مدة كل منهما خمس سنوات، وهذا سيعطيه القدرة على حل البرلمان قبل إنتهاء مدته الثانية فى 2029 لتجرى إنتخابات مبكرة يستطيع أن يترشح فيها مرة أخرى ليمدد فترة حكمه عدة سنوات أخرى بعد 2029 إذا ما قرر التحايل على ثغرات الدستور بطريقة لا يشوبها أى عوار دستورى أوقانونى مما سيجعله بسهولة أهم شخصية في التاريخ التركي منذ أن أقام مؤسس الدولة مصطفى كمال أتاتورك دولة حديثة من رماد الإمبراطورية العثمانية إبان الحرب العالمية الأولى، غير أن نائب رئيس الوزراء التركى “محمد شيمشيك” علق على هذا الإدعاء بأنه لا توجد أى نية لمثل هذه الخطط، وإن الانتخابات ستجرى فى عام 2019 ومن ثم سيتم إقرار كافة تفاصيل التعديلات الدستورية الجديدة.
ولذا تُعد المواد التى تسمح لأردوغان بحل البرلمان والترشح لفترتين رئاسيتين أخريين هى أكثر المواد خلافية وإثارة للجدل خاصة لدى حلفائه الأوربيين، الذين يرفضون بشدة ما ينطوى على الموافقة على هذه التعديلات والعمل بها، مما سيكرس صلاحيات دكتاتورية وفق ما ترى العديد من الدوائر السياسية الرسمية الفاعلة فى الدول الأوروبية، والتى قد أنتقدت هذة التعديلات منذ أن كانت رؤى ومقترحات لم تخرج من المهد بعد.
وبالفعل ستفرض نتيجة هذا الاستفتاء الحاسم مساراً جديداً لمستقبل السياسة الخارجية التركية خاصة على الصعيد الأوروبي. إذن ماذا يعني التصويت بنعم وكيف سيؤثر على العلاقات التركية الأوروبية ؟
العلاقات التركية الأوروبية قد توترت خلال حملة الدعاية السابقة التى شرعت بها تركيا ترويجاً للتصويت بنعم خاصة فى عدة دول أوروبية مثل المانيا وهولندا والتى تعتبر خزانات إنتخابية ضخمة تمثل أصواتها بالتأكيد فارقا فى نتيجة هذا الإستفتاء وعلى أثرها منعت عدة دول بالإتحاد الاوربى بما فيها المانيا وهولندا عدد من الوزراء الاتراك من الإلتحاق بمسيرات إنتخابية لدعم التعديلات وإلقاء خطب جماهيرية، وقد أثار هذا المنع أردوغان الذى خرج ليشبه موقف هذة الدول ومنعها لتلك المسيرات بالأعمال النازية.
لذلك كان رد الفعل الأوروبى على نتيجة التصويت جاءت فى غاية الترقب والتأنى، وذلك بسبب حذر الساسة فى العواصم الأوروبية وعدم رغبتهم بالخروج والحديث عن تداعيات هذا الإستفتاء بشكل قد يضر أو يعقد العلاقات مع تركيا والتى هى بالفعل متأزمة، فخرجت المانيا – التي تستضيف نحو ما يقرب من خمسة ملايين تركى – لتصرح بأن الأمر فى يد السيد أردوغان نفسه لشفاء الشقوق التي كشفت عنها نتيجة التصويت، فقالت المستشارة الالمانية انجيلا ميركل و وزير خارجيتها سيجمار جابرييل في بيان مشترك “إن نتيجة الاستفتاء تبين مدى انقسامات المجتمع التركي، وهذا يعني مسؤولية كبيرة عن القيادة التركية وللرئيس أردوغان بصفة شخصية”.
بينما جاءت بعض ردود الفعل الأوروبية الأخرى أكثر تحفظاً وظهر جلياً عدم الرغبة فى التعليق على نتيجة الإستفتاء، غير أن التصريحات التى خرجت عن البرلمان الأوروبى جاءت أكثر حدة، فثمة عدة مخاوف تلوح فى الأفق عبر عنها بعض من أعضاء البرلمان الأوروبى علناً، والذين يتخوفون من إقدام الرئيس التركى على حل البرلمان الحالى مستخدماً صلاحياته الدستورية الجديدة، فبموجب إعلان النتيجة رسمياً وإقرارها سيخسر البرلمان التركى سلطاته فى مراقبة السلطة التنفيذية، وسيكون لأردوغان الحرية الكاملة للعمل كما يحلو له دون وجود سلطة تراقب وزراءه وأتباعه التنفيذيين وسيظل البرلمان يتمتع بسلطة صياغة القوانين وسنها، ولكن سيكون هناك خطر دائم يتربص به وهو قدرة أردوغان على عرقلة وإلغاء أى مشروع قانون لا يروق له، فسيصبح البرلمان التركى كالدمية، وهو الأمر الذى لن يقبل به كثير من البرلمانيين خاصة من أحزاب المعارضة، فسيؤدى ذلك لصراعات سياسية محتملة بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية التى سيكون لها اليد الطولى فى حسم القرارات النهائية، فقد سبق وعبر نفر ليس بالقليل من أعضاء البرلمان الأوروبى عن أرائهم تجاه هذا الإستفتاء، وفقد وصفت مقررة الشؤون التركية فى البرلمان الأوروبى كاتى بيرى “أن مواطني تركيا سيخرجون للتصويت لجعل ديكتاتورية أردوغان رسمية، وإن رغبته في طرح هذه المسألة للتصويت يظهر نيته عن طريق إخفاء قناعته الاستبدادية بالكلمات المزخرفة”، وخرجت لتعقب على نتيجة الإستفتاء بأنها ستدعو لتعليق المباحثات التركية حول إنضمامها للإتحاد الأوروبى مع غلق هذا الملف نهائياً، فلا يمكن أن نقبل بيننا دولة لا يحترم دستورها الفصل بين السلطات ولا يوجد به أى ضوابط أو توازنات، وذلك على حد قولها.
كما أنتقد “مانفريد فيبر”- زعيم تجمع يمين الوسط فى البرلمان الأوروبى – نتيجة الإستفتاء ووصف أردوغان بالشخص الذى يريد تقسيم بلاده، في حين أعتبرت “سكا كيلر” – الزعيمة المشاركة لأعضاء البرلمان الأوروبي من أحزاب الخضر – إن هذه النتيجة تعد ضربة قاصمة للديمقراطية في تركيا.
وفى بيان مشترك صدر لاحقاً عن كل من رئيس المفوضية الأوروبية “جان كلود يانكر” والممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية “فيدريكا موغريني” والمفوض الأوروبي للسياسة الأوروبية للجوار ومفاوضات التوسع “يوهانس هان” أعتبر أن نتيجة الإستفتاء المتقاربة تفرض على أردوغان العمل على توفير قدر أكبر للتوافق الشامل بين مواطنيه المنقسمين عند تطبيق هذة التعديلات، كما لمح هذا البيان ضمنياً بوجود تحفظات أوروبية بالأساس على نتيجة الإستفتاء وذلك وفق تقديرات بعض الرافضين للتعديلات من الأحزاب التركية و وفق تقييم بعثة المراقبة الدولية لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا التى أشارت لوجود بعض المخالفات التى شابت العملية التصويتية، كما دعا تركيا لمناقشة مخاوف ومقترحات المجلس الأوروبي المتعلقة ببعض الحريات العامة على رأسها حالة الطوارئ.
فموقف البرلمان الأوروبى كان متوقعا من البداية وله إرهاصات سابقة فهو الذى قد سبق وصوت أعضاؤه لصالح “قرار غير ملزم” فى نوفمبر الماضى يطالب فيه المفوضية الأوروبية وحكومات ثمان وعشرين دولة هي أعضاء الاتحاد بتجميد مفاوضات انضمام تركيا مؤقتاً، بسبب الإجراءات الأمنية وحملة الاعتقالات التي اتخذتها الحكومة التركية عقب محاولة الانقلاب الفاشل، والتى قامت على أثرها بإغلاق عدد كبير من وسائل الإعلام المستقلة في تركيا التى وصل عددها بأكثر من 160 منفذاً إعلاميا ودور النشر، وأكثر من 120 صحفياً وعاملاً إعلامياً سُجنوا في إنتظار المحاكمة، وتم فصل أكثر من 000 100 موظف مدني دون مراعاة الأصول القانونية الواجبة وسجن أكثر من 000 47 شخص في انتظار المحاكمة، وهو السبب المباشر لتبنى البرلمان الأوروبى هذا القرار.
وقد رفض البرلمان أيضاً فى وقت سابق إرسال بعثة مراقبيين على التصويت فى الإستفتاء، وقد أعلن البرلمان الأوروبى أن أى تصريح يصدر عن أعضائه حول نتيجة الإستفتاء لن يعكس بأى حال من الأحوال وجهة نظر البرلمان الأوروبى، وهذا يعكس الحذر والترقب الأوروبى فى تعاملها مع الدولة التركية، فتوجد عدة محددات تضعها أوروبا فى الإعتبار عند إتخاذ أى قرار يمس العلاقات مع تركيا، أهمها الإتفاقية الأوروبية التركية بشأن تقييد الهجرة غير الشرعية والدور التركى الملحوظ الذى أدى لتقليص أعداد المهاجرين إلى أوروبا منذ دخول هذا الإتفاق حيذ التنفيذ، بالإضافة إلى مشاركة تركيا فى الحملة الدولية التى تحارب تنظيم داعش فى العراق وسوريا، وأى تأزم قد يلحق بالعلاقات التركية الأوروبية سيؤثر بلا شك على التوافق بينهما داخل هذا التحالف خاصة أنه يوجد بتركيا أكبر قاعدة عسكرية تستخدمها قوات التحالف، ومكانة تركيا الإستراتيجية فى الشرق الأوسط بصفتها أحد الحلفاء التقليديين للغرب، غير أن تركيا دولة فى حلف الناتو والذى تشكل الدول الأوروبية أغلب أعضاءه، فأى تصاعد فى الخلافات سيعصف بكثير من المصالح المشتركة بين الجانبين فى العديد من الملفات والقضايا الدولية، لذا تنظر أوروبا بعين الحذر للعلاقات الأوروبية التركية وعلى الرغم من الإنتقادات الدائمة للأوضاع فى الدولة التركية خاصة بعد محاولة الإنقلاب الفاشلة فى يوليو الماضى إلا انها لا ترغب فى خسارة حليف إستراتيجى مثل تركيا، بل هى تتحفظ على سلوكيات وتصرفات شخص الرئيس أردوغان، وهذا السبب الذى يقلق أردوغان دائماً حيث أنه يرى أن الدول الغربية تدبر مؤامرات كيدية ضده رغبة منهم فى إزاحته عن سُدة الحكم، هو الأمر الذى دفعه لإتهامهم علناً بمشاركتهم ودعمهم لمحاولة الإنقلاب العسكرى ضده، ومما لاريب فيه أن هذة التباينات تم شخصنتها فلا أحد يمكن أن ينكر بأن الخلاف الأوروبى التركى أصبح خلاف أوروبى أردوغانى، فهو ليس خلاف مع دولة تركيا بل خلاف مع نظام حاكم، فأردوغان يقف عائق أمام تطوير العلاقات الأوروبية التركية.
فوجهة النظر الأوروبية أنها لا تستطيع التعايش والتأقلم مع نظام يبدد مبادئ الديمقراطية خاصة عندما يتعلق الأمر بدولة ترغب بالإلتحاق بالأسرة الأوروبية وتشارك فى مؤسساتها الرسمية، فرغم على ما يبدو من محاولات أوروبا فى عدم التسرع بإدانة نتيجة الإستفتاء إلا أنها تعتبرها خطوة خطيرة ترتد بالمجتمع التركى إلى الوراء وتسليمها بهذة التعديلات يعد خروج على التقليد الديمقراطي الدستوري في تركيا الذى لا تقبل بسواه، فثمة صعوبة بالغة فى تقبل أوروبا الإطار الدستورى الجديد فى تركيا الذى يتجه بتركيا نحو نظام استبدادي شخصي من شأنه أن يؤدي إلى تركيز غير مبرر للسلطة في يد الرئيس عن طريق حقه بتشكيل السلطة التنفيذية بالإضافة إلى ممارسة سلطة فوقية على السلطة التشريعية والسلطة القضائية.
فالرؤية الأوروبية لمستقبل تركيا بعد الإستفتاء تراهن على عدم قدرة أردوغان على التحكم فى مقاليد الأمور على عكس ما يبدو، فمع تحقيقه لأغلبية ضئيلة من أجل التغيير، وإعتماده الآن على أغلبية مقاعد حزبه في البرلمان مع حلفائه اليمينيين، فإن أردوغان لن يستطيع توحيد مجتمع مُستقطب مثل هذا الإستقطاب الحادث الأن فى المجتمع التركى عن طريق القمع، فلن يقدر على تعزيز مستقبل تركيا وضمان الإستقرار المزيف الذى يدعيه مما سيؤدى فى نهاية المطاف إلى تقويضه.
فهل تجد هذة الإحتمالات طريقاً للواقع أم أن أردوغان قد يستطيع إعادة توحيد المجتمع التركى المُستقطب والنجاة بمستقبله السياسى كما أستطاع أن يفعل إبان الإنقلاب العسكرى الفاشل العام الماضى.

















