جوكهان باجق
إذا ما شاهد أحدنا في هذه الأيام بعض البرامج التلفزيونية التركية فلابد من أنه سيتذكر القنوات التلفزيونية اللبنانية.
إذ أصبح بعض المتحاورين يستخدمون أسماء منظمات مختلفة، كما يجري في جلسات الحوار اللبنانية، حيث يدَّعون أن بعض الحدود التركية قد خرجت عن السيطرة تمامًا، وأن بعض المنظمات بدأت بإرساء دعائمها في المدن الكبرى، فلاشك في أننا سنسمع قريبًا بأسماء زعماء وناطقين باسم العديد من المنظمات إذا استمرَّ الوضع على ذلك، علمًا بأن مثل هذه الأشياء لم تكن معروفة في تركيا قبل بضع سنوات.
وعلى الرغم من كل المشاكل كانت تركيا تختلف كثيرًا عن العديد من بلدان الشرق الأوسط كلبنان والعراق، إلا أن الحديث عن سياسة تركيا الآن بات مصحوبًا بالحديث عن المنظمات كما في لبنان أو سوريا.
ويزداد تحليل الوضع التركي صعوبة مع غياب الإجابات عن أسئلة مثل: ماذا فعلت داعش؟ كم اقترب أحرار الشام من الحدود؟ كيف هي العلاقات بين “قوات الحماية الشعبية” الكردية وبين اليزيديين؟ ماذا يفعل التنظيم الفلاني؟
المنطقة الرمادية
المنطقة الرمادية هي منطقة جغرافية غير تابعة للدول، ويمكن أن يظهر فيها العديد من التنظيمات غير القانونية لتتصرف على هواها، فعلى سبيل المثال ثمة الكثير من المناطق الرمادية في باكستان وأفغانستان ولبنان والعراق، فلا يمكن اتخاذ أي إجراء في هذه المناطق دون الرجوع إلى التنظيمات لأنها مناطق خارجة عن سيطرة الدول، فهل يتحول بعض المناطق إلى مناطق رمادية في الأراضي التركية؟
هناك عاملان يحددان الإجابة عن هذا السؤال:
1- مناطق الفوضى التي كانت في أجزاء معينة من بعض الدول مثل أفغانستان ولبنان أصبحت تشمل الشرق الأوسط عمومًا، وقد أصبح بجوار تركيا مناطق شاسعة بحجم تركيا تسودها الفوضى، وبالتالي ستكون تركيا محط أنظار التنظيمات التي ستظهر هنا لأسباب مختلفة كالأسباب الاقتصادية ولكسب المزيد من المنتمين إلى صفوفها.
2- هذه الفوضى قد تكون مرتبطة بأنقرة، لأن الحكومة التركية حين تقيم علاقات مع بعض هذه التنظيمات لأهداف سياسية فإنها تسهِّل بقاءها في تركيا، وقد تتحول الأراضي والحدود في تركيا إلى معقل لتنظيمات شتى خلال فترة قصيرة جدًا.
قرار جاد للغاية
لاشك في أن فتح حدود أية دولة لمختلف التنظيمات أو لزعماء تلك التنظيمات، يُعدُّ قرارًا جادًّا للغاية، أو هو انتقال إلى بعد آخر في السياسة الخارجية إذا جاز التعبير.
ومن جانب آخر فإن قرارًا كهذا يعني الدخول في طريق مسدود، لأن تلك التنظيمات التي ستستوطن أماكن قريبة من المناطق التي تعيشون فيها بعد مدة معينة سوف تقوم بما يحلو لها شئتم أو أبيتم، ولذلك يجب التفكير ألف مرة قبل اتخاذ قرارٍ من هذا النوع.
تأثير هذا الموضوع في المسألة الكردية
وثمة جانب يمس القضية الكردية في هذا الموضوع، خصوصًا وأن التنظيمات الراديكالية الدينية التي ظهرت في العراق وسوريا قد تحارب الأكراد في المستقبل، فهل يجوز أن تسمح تركيا للتنظيمات المستعدة دومًا للاشتباكات بأن تبقى بالقرب من الأماكن التي يقطنها الأكراد؟
وأود هنا التنبيه لأمرين:
1- لا يمكن أن تكون هناك علاقات متميزة بين تركيا وهذه التنظيمات الموجودة في هذه المنطقة، علمًا بأننا سنعيش دومًا إلى جانب الأكراد، فإذا كان على تركيا أن ترجح أحد الطرفين فعليها ترجيح الأكراد.
2- يجب عدم التفكير بأن الحرب بين هذه التنظيمات والأكراد سيودي إلى التخلص من كلا الجانبين، كما ينبغي ألا نظن أن تلك التنظيمات التي اقتربت من الحدود التركية ستكون عامل توازن في مصلحة تركيا بانتهاجها سياسةً جديدة حول المسألة الكردية.

















