بقلم: نازلي إيليجاق
هنّأ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان جهاز اسخبارات بلاده (MİT) على “العملية الناجحة” التي قام بها لإطلاق سراح الرهائن الأتراك الـ49 الذين كان يحتجزهم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في الموصل، وبطبيعة الحال عندما نقول “عملية”، يخطر ببالنا جمعيًا عملية تدخل مسلح لتحرير الرهائن، وقد صدرت تصريحات من مسؤولين في أنقرة لتفسير العبارة بقولهم: “ما قصدناه هو عملية سياسية” ،بيد أن كلمة “عملية” تنم عن هجوم مفاجئ وتدخل واسع المدى يتم في مرة واحدة، ولا يمكن إطلاق هذه الكلمة على سلسلة من المفاوضات التي تجري خلال فترة طويلة.
فعلى سبيل المثال تنظم الشرطة عملية ضد المجرمين، تحاصر المنزل، ومن ثم تستلم الشرطة المتهمين، أما الجيش فينفذ عمليات خارج حدود الدولة، من الواضح أن هناك محادثات منذ فترة جرت مع داعش أو العشائر المحلية التي تقف وراءه، وأن جهاز الاستخبارات التركي كان يحاول إقناعهم.
بقي أن نقول إنه ظهر أن إطلاق سراح الرهائن تم من خلال عملية تبادل، على عكس التصريحات الأولى، وكان مسؤولو الخارجية أو جهاز الاستخبارات في تركيا قد أجابوا على أسئلة الصحفيين في أول يوم لتحرير الرهائن بقولهم: “ليس هناك فدية أو عملية تبادل”. أما الرئيس أردوغان فقد صرح بقوله “حتى ولو تمت عملية تحريرهم بالتبادل”، وهو بذلك قد اعترف بأن الرهائن عادوا إلى تركيا بعد مقايضات، وفي الواقع، كان بعض الصحفيين المقربين من الحكومة التركية قد كتبوا أن أنقرة أعادت عدد من العناصر المسلحة التي يولي داعش اهتمامًا بها.
من الواضح أن حكومة حزب العدالة والتنمية تحاول أن تحوّل هزيمة كبيرة إلى نجاح، ومصدر الهزيمة هو عدم القدرة على ملاحظة الهجوم المنفذ على القنصلية التركية في الموصل، ولقد عاش 49 من مواطنينا، كان من بينهم نساء وأطفال بين أيدي الإرهابيين في ظل ظروف سلبية للغاية لمدة 101 يوم، شهدوا خلالها لحظات الموت كل يوم، ولم يحاسَب أحد على هذا إلى الآن، ويمكن أن نعزي أنفسنا بأن الواقعة أسفرت عن نهاية سعيدة على الأقل، لكن لو سمحتم علينا ألا نبدأ بنسج خيال “قصة بطولية” ،أضف إلى ذلك أنني أعتقد أن الولايات المتحدة الأمريكية لعبت دورًا في إنهاء أزمة الرهائن الأتراك، ذلك أن توقيت إطلاق سراحهم ذو مغزى. وأعتقد أن واشنطن أسهمت في إطلاق سراح الرهائن حتى “لا تبقى لتركيا حجة تتذرع بها”. حتى إن العضو البارز في حزب العدالة والتنمية شامل طيار يعترف بقوله: “كانت أزمة الرهائن تعتبر واحدة من حجج عدم مشاركة تركيا في التحالف الدولي ضد داعش، وإطلاق سراحهم في هذا التوقيت الحساس هو عملية قام بها جهاز الاستخبارات الأمريكي سي آي ايه”.
وقد أدلى طيار بتصريحات في وقت لاحق لإيضاح ما قاله؛ إذ قال: “تنظيم داعش هو حصان طروادة بالنسبة لجهاز الاستخبارات الأمريكي، فإذا نجحت عملية الإنقاذ دون اشتباكات، فهذا يعني أن سي آي ايه لم يحل دون إتمامها، وأردت أن أقول إن جهاز الاستخبارات الأمريكي ألغى مخزونه في العملية الموجهَة ضد داعش”.
أي أن شامل طيار كذلك اعترف بأن عملية إطلاق سراح الرهائن الأتراك لم تكن لتتم دون مساعدة واشنطن. فلننظر هل سنسمع عبارة “داعش تنظيم إرهابي” من أفواه مسؤولي الحكومة التركية فيما بعد، بما أن حجة الرهائن قد انتهت صلاحيتها بعد إطلاق سراحهم؟ ما هو معيار مشاركة تركيا في التحالف الدولي ضد داعش؟ وهل نحن مدركون حجم الخطر الذي يحدق بتركيا؟ أم أن “الأخوة السنية” ستلعب دورًا في تعامل الحكومة التركية بشكل متفاهم إزاء هؤلاء الجناة؟
أُدخل تعديل على قانون الاستخبارات التركي في شهر أبريل / نيسان الماضي، نص هذا التعديل على منح جهاز الاستخبارات سلطة إبعاد المعتقلين أو المحكومين أصحاب الجنسية غير التركية إلى بلد آخر في الحالات التي تستلزمها مصلحة الوطن، وذلك بطلب من وزير الخارجية وعرض من وزير العدل وموافقة رئيس الوزراء، وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لم يستخدَم هذا الحق قبل ذلك؟ ومادامت عملية إنقاذ الرهائن كانت ستتم من خلال عملية تبادل، فكان من الممكن أن يجري تسليم قادة داعش إلى التنظيم دون انتظار مرور 100 يوم. ونفهم من ذلك أن تدخل الولايات المتحدة كان ضروريًا للخروج بنتيجة ناجحة من هذه العملية.
نرى أن الكوادر الناشطين في مواقع التواصل الاجتماعية لحزب العدالة والتنمية ينشرون تغريدات على موقع تويتر “نصف عسكريتارية” يقولون فيها إن “جهاز الاستخبارات التركي قوي، وتركيا قوية”. لا أستطيع أن أحدد من أين تنبع هذه القوة، لكن من الواضح أنهم قصيرو النظر لدرجة أنهم لا يستطيعون إدراك تهديد داعش.
صحيفة” بوجون” التركية
















