مراد يتكين*
عقد رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو اجتماعًا لمجلس الوزراء للبحث في شؤون الحرب، محور الحديث في هذا الاجتماع كان مدى الدعم الذي ستقدمه تركيا للقوات الأمريكية من أجل محاربة تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي ( داعش).
ويشير إعلان رئيس هيئة الأركان العامة للجيش التركي الجنرال نجدت أوزل أنه سيقدم معلومات عن الحدود العراقية والسورية وما بعدها، إلى أهمية هذا الأمر، وكانت قوات المدرعات والمدفعية التركية قد أصبحت على أهبة الاستعداد منذ وقت طويل على طول الحدود السورية.
وبعد الاجتماع قدمت الحكومة مذكرةَ داعش إلى البرلمان بغية التصويت عليها في شكلها النهائي غدا .
وكانت مذكرات العراق قد تسببت دومًا بالأزمات في العشرين عاما الأخيرة. فقد كان الرئيس التركي تورجوت أوزال مصرا عام 1990 على مشاركة تركيا مع أمريكا في الدخول إلى العراق. ولكن ألغي ذلك نتيجة استقالة رئيس هيئة الأركان العامة للجيش في ذلك الوقت نجيب تورمطاي.
وكانت مذكرة حكومة حزب العدالة والتنمية حول السماح للقوات الأمريكية باستخدام الأراضي والأجواء التركية وإرسال الجنود للانضمام إليها في غزو العراق عام 2003 قد ألغيت نتيجة معارضة نواب حزب الشعب الجمهوري وثلث نواب الحزب الحاكم.
وقد نجم عن ذلك تدهور العلاقات التركية الأمريكية، فجعلت الإدارة الأمريكيةُ الجيشَ التركي يدفع الفاتورة لعدم ضغطه على الحكومة، حتى أن رئيس هيئة الأركان العامة للجيش السابق إيلكر باشبوغ قال إن عدم قبول مذكرة العراق في البرلمان هو السبب الخفي والحقيقي وراء تعرضهم للاعتقال بدعوى تورطهم في قضية أرجناكون الانقلابية، ثم إخلاء سبيلهم.
الآن نحن في عام 2014 التي ظهر فيها تنظيم إرهــابي جديد باسم داعش ويسيـطر حاليا على ثلث الأراضي السوريـة والعراقية حيث الحروب الأهلية، ويزداد توسعه باستمرار.
وقد أطلق داعش سراح المحتجزين الأتراك أولا ثم بعد اللقاءات مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما ونائبه جو بايدن، إبان اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة صرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأن تركيا مستعدة لتقديم الدعم العسكري اللازم (بما في ذلك القوات البرية) ضد داعش.
لكن أردوغان اشترط ثلاثة شروط : إنشاء مناطق آمنة على طول الشريط الحدودي بدعم التحالف الدولي، وإعلان منطقة حظر طيران، واشتراك تركيا في دعم وتدريب المعارضة السورية “المعتدلة”.
وفي الحقيقة فإن أردوغان لا يريد أن ينسى الغرب أن الأولوية لدى المقاتلين “المعتدلين” أولئك هو إسقاط بشار الأسد، وقد كانت السياسة التركية في آخر ثلاث سنوات تهدف إلى إقصاء الأسد، ولكنها الآن ستحارب داعش.
ينزعج أردغان من احتمال استفادة الأسد من ذلك، وهو لا يخفي انزعاجه هذا، لكن يبدو أن الوضع الدولي لا يسمح بوضع مطلب رحيل الأسد في الأولوية، فعلى سبيل المثال وافق البرلمان البريطاني بأغلبية ساحقة على تحرك الحكومة عسكريًا ضد داعش في العراق فقط، وليس في سوريا.
وهناك على الأقل قوات إقليم كردستان العراق (البيشمركة) ومنظمة حزب العمال الكردستاني الإرهابية (PKK) والجيش العراقي (وإن كان مشتتا) لمحاربة داعش في الساحة العراقية، أما في سوريا فليست هناك أية قوة في مواجهة داعش سوى قوات الـ(YPG) التابعة لـ (PKK) حول منطقة كوباني القريبة من الحدود التركية.
وقد تبين أن الحكومة الأمريكية لا تفكر في إنشاء منطقة عازلة أو منطقة حظر جوي، ولكن تم بحث ذلك فقط مع الجانب التركي.
فمثلاً حزب الشعوب الديمقراطية في تركيا صرح بأن مطالبة أردوغان بمنطقة الحظر الجوي ليس ضد داعش الذي لا يملك الطائرات أصلاً بل ضد بشار الأسد، وليست في تلك الجبهة أية إشارة قوية إلى تحقيق الشروط التي وضعها أدوغان.
أي أن أردوغان لا يريد أن يدخل في أزمة مذكرة جديدة مع أمريكا كما لا يريد أن يقال “إنه يتغاضى عن محاربة الإرهابيين” من خلال عدم دخوله في جبهة محاربة داعش، ولكنه قلق من احتمال استفادة الأسد من هذا الوضع.
ولذلك فإن العبارات الواردة في مذكرة العراق وسوريا المقدمة من الحكومة إلى البرلمان تحمل أهمية كبيرة، وطبعًا لا نعلم ما إذا كان أردوغان سيقول شيئًا يتعلق بهذا الموضوع أم لا في خطابه أمام البرلمان اليوم.
وواضح ما يجب القيام به: يجب الوقوف ضد داعش، ليس في الخارج فقط بل في الداخل أيضًا، ولا يجب حل تنظيم داعش فحسب بل كل التنظيمات المنبثقة عن القاعدة، وينبغي الحد من انتشار هؤلاء كلهم مع بعض.
وواضح أيضًا ما يجب عدم القيام به: وهو عدم دخول الجيش التركي في أراضي البلدين الجارين (العراق وسوريا) إلا من أجل التصدي للهجمات المعادية أو بهدف الإمدادات الإنسانية نتيجة القرارات الدولية، ويجب ألا يُسمح بجر تركيا إلى مستنقع الشرق الأوسط أكثر.
* صحيفة “راديكال” التركية

















