نازلي إيليجاق
تحدث الرئيس رجب طيب أردوغان قد تكلم في طرابزون، منذ يومين، وكأنه زعيم حزب سياسي لا رئيس جمهورية، و كان واعيا بذلك. حيث قال: “لم أكن أريد أن أتكلم بهذا الأسلوب نظراً لمقامي، لكن بوصفي رئيسًا للجمهور أضطررت إلى ذلك”.
هناك قوانين في تركيا، لكنها لا تسري على البعض، فالدستور يستوجب عدم انحياز رئيس الجمهورية وأن يكون على مسافة واحدة من الجميع، فأيًا كانت توجهاته، عليه أن يحتضن جميع المواطنين لأنه زعيم الشعب، لكن أردوغان لا يراعي القوانين ولا الدستور.
وقد انتقد أردوغان أحزاب المعارضة حيث قال في حزب الشعب الجمهوري: “هل زعيم المعارضة ينتهج هذا النهج لحماية الأسد، فهو يقصد بذلك أن حزبه يطالب بمذكرة لإجراء تحركات عسكرية برية على حدود كوباني”، كما انتقد حزب الشعوب الديمقراطية ورئيسه صلاح الدين دميرطاش بحجة أنه دعا إلى أعمال العنف قائلاً: “مسيرة السلام لا تقتضي قلة الأدب”، وقال في حزب الحركة القومية: “إنكم لا تزالون منشغلين بالحكومة”.
وباختصار كلهم مذنبون ومقصرون، والحكومة وحدها في غاية النزاهة، إن أحداث العنف التي بدأت يوم الثلاثاء الماضي وراح ضحيتها أكثر من 30 مواطنًا وجُرح 350 آخرون ليست ناجمة عن القرارات السياسية الخاطئة العمياء، بل هي بسبب استمرار العراقيل الموضوعة ضد حزب العدالة والتنمية من قبل! ،فما هي تلك العراقيل؟ أحداث حديقة جيزي، ومحاولة الانقلاب في 17و25 ديسمبر، الأخبار المتداولة في الخارج حول دعم تركيا للعناصر الإسلامية الراديكالية. ومرتبتنا التي تدهورت لدى وكالات التصنيف الائتماني وغيرها!. (وهذه المرة نسيت مسألة شركات الفوائد الكبرى)!.
وبدأ يردد نفس مقولاته المعروفة: الاتفاق بين العدو الداخلي والقوى الخارجية!. وقد كانت وكالات التصنيف الائتماني جيدة عندما كانت ترفع درجتنا، ولكنها صارت سيئة عندما نبَّهت المستثمرين الأجانب في تركيا!. شأنها شأن رجال الشرطة والمدعين العموم الذين لاحقوا قضايا الفساد في 17و25 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، وكأنه لم تتشكل عصابة عبر الاستفادة من قوة الحكومة!. وكأن رضا ضراب أو ياسين القاضي هما من بنات أفكارنا!، وكأننا لم نسمع التسجيل الصوتي لوزير الداخلية يقول فيهلرضا ضراب: “أضحي بنفسي من أجلك”!، وكأننا لم نرَ الأموال التي خبَّئت في صناديق الأحذية!.
وكذلك فكل ما استمعنا إليه من تسجيل هاتفي بين أردوغان ونجله بلال حول إخفاء الأموال في 17 ديسمبر 2013 كان مفبركًا! ،كل هذا التخطيط كان مدبَّرًا لتعيين مدير الشعبة المالية “يعقوب صايغيلي” في منصب رئاسة الوزراء، وتم كشف المؤامرة!
كأن الأسلحة التي ضبطت في أضنة داخل شاحنة لم تكن إلا معونات غذائية للتركمان، ونحن كنا واهمين! وكأن كل من نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن، ووزير الخارجية الأمريكي جون كيري والسفير الأمريكي السابق في تركيا فرانسيس ريتشاردوني كانوا يكذبون عندما قالوا: “إن تركيا دعمت العناصر الراديكالية في سوريا من أجل إسقاط الأسد” وكأنهم كانوا يحاولون تضليل الرأي العام! ، الكل كذَّاب إلا أردوغان هو وحده الصادق، هو وحده صاحب الحقيقة! فإما أن تتماشى معه أو أن تكون من بين الأعداء الداخليين! .
العدالة والتنمية في السلطة منذ 12 عاما، لكنه ليس مسؤولاً عن أي من التطورات التي حصلت، وكم هو غريب أنه لا يزال هناك من يصدق هذه المقولات وينظر إليه على أنه مظلوم!
أسلوب غير لائق
وبسبب أحداث الشغب الجارية في تركيا تستدعي الضرورة التعاون بين الأحزاب، وعلى الرغم من ذلك فإن رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو مستمر باستهداف حزب الشعب الجمهوري بأسلوب غير لائق.
فقد طالب رئيس الحزب كمال كليتشدارأوغلو بمجرد مذكرة للسماح بعمليات ضيقة النطاق على حدود كوباني وبتدخل القوات البرية إن استدعت الضرورة، فهاج أعضاء الحكومة لينتقدوا مرارا وتكرارا طلبه هذا بحجة أن المذكرة السابقة الصادرة عن البرلمان التركي تشمل هذا الطلب، ولذلك لا معنى لطلب كليتشدار أوغلو، ويبدو أن أعضاء الحكومة ينطلقون من الأحكام المسبقة، فيتكلمون دون أن يفهموا كلام الرجل، الذي طالب بمذكرة من أجل عملية محدودة النطاق في كوباني، أما المذكرة السابقة فكانت تنص على مختلف أنواع التدخل وتجهيز القوات العسكرية لإسقاط بشار الأسد.
ليتنا حاولنا الاستماع لنفهم بعضنا، لكن داود أوغلو يقول لكليتشدارأوغلو: “لا حاجة لنا إلى عقلك وفكرك”، ألم تكن الاستشارة مهمة؟ ألم يكن تلاقح الأفكار يولد نور الحقيقة ؟
استقلالية القضاء
خصص الاتحاد الأوربي جزءًا مهمًّا في تقريره المرحلي عن تقدم تركيا في مفاوضاتها مع الاتحاد لاستقلالية القضاء، حيث انتقد تغيير مواقع الكثير من القضاة والمدعين العامين أو عزلهم، واعتقال الكثير من رجال الشرطة، وإجراءات الحظر المفروضة على مواقع التواصل الاجتماعي، كما أشار إلى أهمية التحقيق النزيه في قضايا الفساد، وتأمين الحماية لرجال الشرطة والقضاء في ملاحقتهم لقضايا الفساد.
وإن عدم تأمين استقلالية القضاء يعتبر انتهاكًا للديمقراطية، فكثير من الناس يعتقلون بسهولة الآن بسبب محاكم الصلح والجزاء التي أسستها الحكومة، وكثير من الكتابات التي تُنشر في الصحف تحذف من مواقع الإنترنت. وإن المحاكم تكذِّب الدعاوي بشكل كلي وبسرعة دون التحقق الكافي منها، وقد صودرت ملفات الفساد من أيدي المدعين العموم، أما المدعون الجدد فقد قرروا إغلاق التحقيق في تلك القضايا، ولم ينته كل شيء بعد، فما زلنا على أمل..فقد تُفتح الملفات من جديد.

















