جوكهان باجيك
في 23 ديسمبر/ كانون الثاني عام 1962 خرج رئيس الجمهورية المصري جمال عبدالناصر إلى جموع الشعب ليلقي كلمته.
[one_third][box type=”shadow” align=”alignleft” ]في الغالب قد ساد في منطقة الشرق الأوسط مبدأ الإدارة باستخدام الكلمات والعبارات الرنانة، وقد أصبح الناس أسرى للخيال والأحلام والكلمات الرنانة الفارغة، بل لما هو أسوأ إذ أصبحوا متأثرين بالحماسة والأدوار البطولية.[/box][/one_third]وكان نص الخطاب الذي أمامه يحتوي على معلومات حول مقتل نحو 136 من جنود وضباط تابعيين للجيش المصري، في المعارك مع إسرائيل.
وقدم عبدالناصر لجموع الشعب معلومات تفصيلية عن دور ومهمة كل جندي وضابط من الجنود الـ136 الذين لقوا حتفهم في المعارك، مشيرًا إلى دور كل منهم سواء كان ضابطا طبيبا أو يشغل أي موقع آخر داخل الجيش.
وكان من المتوقع بطبيعة الأمر وماهو معقول ومنطقي في الحقيقة هو أن يكون عبدالناصر حزينًا، ويسأله الشعب المصري عن سبب عدم قدرته على حماية هؤلاء الجنود، إلا أن ناصر كان ذكيًا، وصاح محمسًا جموع المواطنين قائلًا: “إن أحذية هؤلاء لأغلى من تيجان ملوك السعودية والأردن”.
وعندها ثار الشعب وبدأ في الهتاف لعبدالناصر مصفقا ومهللا له، وتحولت الحالة النفسية لدى الناس من مشاعر الحزن والأسى على سقوط هؤلاء الشهداء، إلى الفرح وكأنهم مسحورين بكلمات عبدالناصر التي في الواقع لاتحمل في طياتها أي معانٍ تدعو لذلك.
المتاجرة بالأحلام
في الغالب قد ساد في منطقة الشرق الأوسط مبدأ الإدارة باستخدام الكلمات والعبارات الرنانة، وقد أصبح الناس أسرى للخيال والأحلام والكلمات الرنانة الفارغة، بل لما هو أسوأ إذ أصبحوا متأثرين بالحماسة والأدوار البطولية.
حتى أن القادة والزعماء الذين ذلَّوا أمام إسرائيل وانهزموا شر هزيمة، يفتعلون أدوارًا بطولية وحماسية.
ففي بعض الأحيان تصل الحماسة إلى حدودٍ لايستوعبها العقل البشري، قد تصل إلى حد فرح الناس في بعض الكوارث التي يتعرضون لها، أو حتى المواقف الفاضحة التي يقعون فيها، وبحسب التحليلات والدراسات الأخيرة للأوضاع في المنطقة فإن سياسة منطقة الشرق الأوسط ما هي إلا جزء من تجارة الأحلام.
هل تسلك تركيا الطريق نفسه؟
مع الأسف فإن تركيا في بعض النواحي واتجاهات الدولة تسير على المبدأ ذاته، معتمدة على الكلمات والعبارات الرنانة، وبدأت في تخطيط الصورة على هذا المنوال.
فعند إصابة الشوارع في مدينة إسطنبول بالشلل التام نتيجة هطول الأمطار، يعقد مؤتمر جماهيري لتناول أزمة المرور في المدينة، ولكن الحديث يتطرق لإسرائيل وإعلان التحدي لها، لرفع حماسة الجماهير وشغلهم عن القضية الرئيسية.
[one_third][box type=”shadow” align=”alignleft” ]في بعض الأحيان تصل الحماسة إلى حدودٍ لايستوعبها العقل البشري، قد تصل إلى حد فرح الناس في بعض الكوارث التي يتعرضون لها، أو حتى المواقف الفاضحة التي يقعون فيها، وبحسب التحليلات والدراسات الأخيرة للأوضاع في المنطقة فإن سياسة منطقة الشرق الأوسط ما هي إلا جزء من تجارة الأحلام.[/box][/one_third]حتى أن المشاركين في الاجتماع أو المؤتمر الذي كان من المقرر أن تناقش فيه أزمة المرور، ينطلقون عقب الاجتماع في ذيول مرورية قد تصل إلى ساعات طويلة، حتى يصلوا إلى بيوتهم، إلا أنهم متحمسون وسعداء بالعبارات الحماسية، دون أن يجدوا حلا لأزمة المرور.
وهل يعني ما قلناه.. أن المشاعر لا قيمة لها؟ بالتأكيد لا.. ولكن هناك قوة مادية تكمن في أصل القضية، فإسرائيل وحدها حصلت ومازالت تحصل على عدد كبير من براءات الإختراع أكثر من نظيراتها في العالم الإسلامي مجتمعا.
فإسرائيل هي منتج الطائرات بدون طيار التي تستخدمها تركيا في مواجهة تنظيم حزب العمال الكردستاني منذ 30 عامًا، فلماذا لا تزال تركيا، التي لها 75 مليون نسمة من المواطنين، في حاجة لإسرائيل في مثل هذا الموضوع؟
ولإدارك الموقف جيدًا، يجب أن نفهم عقلية الساسة، فالساسة يحبون الرياح التي تملأ أشرعة سفنهم حتى تسير بأقل مجهود ممكن، حتى ولو دعا الأمر أن يلجأوا إلى كلمات وعبارات لامقابل لها في الواقع.
حسنًا… فليكن الأمر كذلك! ولكن ماذا عن الأوقات الضائعة؟ وماذا أيضًا عن انتشار وتوسع تلك الصورة الذهنية الخادعة، التي لامعنى لها، بين صفوف المجتمع؟
في الواقع، تلك الحماسة التي قد تخرج عن السيطرة ، لا تصب إلا في مصلحة العدو.
ليس هناك شيئ تغير
فكل هذا يعني أنه ليس هناك شيئ كثير قد تغير منذ عام 1962 وحتى الآن.. إذ يمكننا أن نجد أن وضع الناس الذين صفقوا لعبد الناصر على كلماته الرنانة التي لامعنى لها في الواقع، مستمر كما هو، وقد غفلوا عن محاسبته ومسائلته عن أرواح مئات الجنود الذين سقطوا في المعارك مع إسرائيل.
فمن الممكن أن يكون الجميع لا يفهم في شؤون السياسة الخارجية! أو أن الجميع لايتابع الأحداث والمجريات التي تدور في منطقة الشرق الأوسط! لكن هل على الساسة المتخصصين في شؤون السياسة الخارجية، أن يتصرفوا بالطريقة نفسها؟
ونحن بدورنا لانستطيع أن ننتظر من الساسة أن يتصرفوا كالفلاسفة، بيد أن انتظار وتوقع القليل من الإنصاف منهم، قد يكون تصرفا معقولا في محله.
فبتلك الكلمات والعبارات الحماسية لانضر إلا مجتمعنا…
النخبوية في الاتجاه المعاكس
إذا قيل إن “الشعب لا يدرك شؤون السياسة الخارجية”، فإن هذا يعد بمثابة إعلان أن نخبة وصفوة المجتمع لايفهمون لغة الشعب.
حسنًا… ألا يعني ترديد الساسة لكلمات وعبارات رنانة بلا معنى في المجالات التي يدعون أن الشعب لا يفهمها ولا يدركها ، أن الساسة في اتجاه مغاير للشعب؟ أوليست هذه نخبوية معاكسة؟

















